مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 42: صيف 2009 - July 7th Year: I
الهندسة الصوتية للقصيدة العربية بين الخليل و ابن شنب
د. هشام خالدي
المركز الجامعي : يحيى فارس بالمدية (الجزائر)- معهد اللغات وعلوم الإعلام والاتصال
بين يدي البحث:
إن الدراسة الأسلوبية تطلق من الصورة الجيولوجية لتكون نوعا من استكشاف طبقات النص النثري أو الشعري، و هذا ما عبر عنه متري بولس عندما كتب يقول:" فالألسنة تنطق من مفهوم المستويات، معتبرة اللغة ظاهرة متعددة التراكيب، فمن مستوى صوتي إيقاعي، إلى مستوى صرفي من البيان تبتعد عن النمط العام في استعمال اللغة كوسيلة اجتماعية للتفاهم بين الناس على الحاجات غير اللغوية..."[1]
انطلاقا من هذا المفهوم، أقول إن دراستي تهدف إلى سير أغوار المستوى الصوتي الإيقاعي في القصيدة العربية و هي ترتكز على ثلاث كلمات مفاتيح تتطلب واحدة منها نوعا من الإيضاح: "هندسة" و "صوتية" و "قصيدة عربية".
بادئ ذي بدء أود ألا أدخل ي تحديات القصيدة العربية، و لا في مفاهيم الحداثة و الشعر الحديث.
أكتفي بالقول إني اخترت قصيدة "وجو السندباد" لخليل حادي لأدرس من خلالها الهندسة الصوتية، و اخترت من شعر ابن شنب تلك القصيدة التي نظمها على شرف شيخه العالم المنشر قدم، باسي عميد كلية الأدب الجزائرية و أشرك لغيري تطبيق طريقة الدراسة التالية على دواوين مختلفة عسى أن نصل سوية إلى منهجية جديدة أكثر موضوعية للهندسة الصوتية.
التعريف بالشاعرين:
1- خليل حاوي: هو خليل سليم حاوي (1919-1982) وهو أشهر من أن يعرف، وأكتفي ببعض ما كتبه عنه أخوه إيليا حاوي: "ليس باليسير التكلم عن خليل الإنسان، دون خليل الشاعر والإنسان كانا فيه واحدا كان يحيى بالشعر وللشعر...كان خليل عروبيا بالحضارة والثقافة والرؤيا والمصير، ما أخلص أحد للعروبة إخلاصه، كان يحسبها قضاء وقدر، وتصوف لها وذاب فيها إا أنه لم ينتم فيها أي انتماء، انتهى إلى العروبة العارية الخالصة، العروبة المطلقة المثالية والصورية".[2]
أما قصيدته "وجوه السندباد" فقد نشرها خليل حاوي في مجلة ''الحكمة'' حين كان يديرها بنفسه قبل أن تظهر في ديوان "الناي والريح" في عدد حزيران 1960م[3].
ولقد أوردت القصيدتين في نهاية هذا البحث وذلك لأسباب بديهية لا تخفى على أحد منها التسهيل على القارئ العودة إليها مباشرة لفهم م يرد في الصفحات التالية.
في هذه القصيدة تتحد رحلة السندباد (رمز حياة الإنسان المعاصر) برحلة الشاعر وما عاناه من ضباب لندن.
وفي هذه القصيدة تنصهر الذات والوجود، والشاهد على ذلك حلولية تلك الموجة الواحدة من نار أو ضباب فيه وفي أشياء الوجود جميعها.
وتتنوع الإيقاعات بتنوع الحالات النفسية من طرب وذكرى موجعة، وحوار باطني، وغناء صرف، وترد الصور انخطافات متلاحقة تشذ بعضها إلى بعض حتمية داخلية، لامنطقية أشبه بالمشاهد السريعة على الشاشة البيضاء إنه الشكل والعبارة وقد تكيفا بالتجربة وانسلخا من صميم طبيعتها، والشعر وقد خلا من التقرير والتجريد"[4].
إننا سنبحث إذن في الصفحات التالية عن "تنوع الإيقاع" الذي ينطبق على حالات الشاعر النفسية.
محمد بن أبي شنب:
عالم من العلماء الأحذاق، ولد بفحص قرب المدية عام 1286هـ/ 1869م، وفيها تعلم كان متقنا للغات كثيرة، منها العبرية والفارسية والإيطالية والتركية والإسبانية واعترف الجميع بفضله وعلمه، فانتخب عضوا في المجمع العلمي العربي في دمشق سنة 1920م، وعضوا في المجمع العلمي الاستعماري في باريس[5].
ويذكره محمد كردعلي بقوله "شهدته يخطب بالفرنسية في مؤتمر المستشرقين في أكسفورد وهو في لباسه الوطني: عمامة صفراء وزشار عويض وسراويل مسترسلة ومعطف من صنع بلاده، فأخذت بحر بيانه، واتساعه في بحثه، وظننتني أتسمع عالما من علماء السلف، جمع اسمه له بلاغة القلم وبلاغة اللسان، ووفر له قسطه من العلم والبصيرة، وقد خطر على ذكاء وفضل وغرام التحصيل، وقيض له أن يجمع بين ثقافتين ينبغ ويفصح بكل لغة يعانيها"[6].
وقد أقر بقصيدة مدح فيها شيخه العالم المستشرق م. باسي عميد كلية الآداب الجزائرية، إذ مدحه بأروع وأعذب كلام اجتهد في نظم هذه القصيدة التي تكون موضوع دراستنا ومقياس وميزان جهد ابن شنب مع نظرائه المحدثين، وأثر القصيدة الخليلية في نظم وشكل هذه القصائد.
وعندما توفي – رحمه الله – سنة 1347هـ- 1929، خرج في جنازته المسلمون والنصارى العرب والأجانب، جمعهم الحزن على فقدان عالم قلما يجود الزمان بمثله، وقد أبنه مدير كلية الآداب في جامعة الجزائر قائلا: "إن المنهج الذي نهجه ابن أبي شنب يدل دلالة واضحة على مقدار ما يستطيع أن يعمله العقل والإرادة والعمل، في الارتفاع من أصغر المناصب إلى أعظمها، وإني أود أن يوفر هذا المنهج شباب هذه البلاد وشباب فرنسا نفسها".
النسيج الصوتي:
لبلوغ هذه الغاية يتوجب على دارس الشعر أن يحاول اكتشاف مجموعات صوتية وثيقة الصلة بالموضوع وأن يعتمد عليها لحياكة "النسيج الصوتي للقصيدة"[7].
ولكن اكتشاف هذا النسيج محاولة مليئة بالمحاذير خاصة وأننا نتساءل ماذا يمكننا أن نزيد على ما استنبطه الخليل بن أحمد الفراهيدي(175 هـ) في مجال العروض والموسيقى الشعرية، وعلى مادرسه علماء البيان والبديع على مدى القرون.
ينبغي إذن أن نكون حذرين جدا عند تفحص البنى الصوتية الخاصة بقصيدة من القصائد، وعلى وجه التحديد بقصيدة خليل حاوي ومحمد بن شنب، والأصعب من ذلك أن نجد ........نظرا لملائمة لموضوع دراستنا، فالكل يتحسس دقة الطرح الأساسي: أينبغي، للقيام بهذا العمل، الانطلاق من وجهة نظرا "فونولوجية" (كما هو طرح رومان ياتكسون) أم من وجهة نظر "فونيتيكية" حسية (كما طرح غيره، أمثال دولان وفليليولي") : "إن الانتقال هنا من المستوى الفونولوجي إلى المستوى الفونيتيكي هو الأساسي، إذ يجبر الفكر على التخلي عما اعتدنا عليه.
أي قراءة النص لفهم معناه، دون التوقف عند الصوت في حد ذاته، فمن منظور "فونولوجي" تشابك الصوامت والمصوتات لتؤمن التواصل والإفهام بين المتكلمين، إن هذا الاختزال للمدى الصوتي للقصيدة يؤدي إلى تشويه جمالية القصيدة"[8].
المرحلة الاستكشافية:
دون الدخول في نقاش غير مجد حول أهمية المستوى "أنفونولوجي" أم المستوى "الفونيتيكي"، نقول ببساطة إن همنا في مرحلة الاستكشاف الأولى هو ردة فعل القارئ "الصوتية-الموسيقية"، أي ردة فعلنا نحن تجاه القصيدة (أو القصائد) التي نحن بصددها، فلا أحد يخطر على باله أن يتحدث على موسيقى شعرية إلا إذا كان تكرار.
نعم، إن الأهمية هنا للقارئ الذي يعيد إحياء القصيدة عندما يعيد قراءتها:
فالقصيدة تحيا من جديد لمجرد أن يتعامل القارئ معها فالعلائق بين القارئ والقصيدة من الأهمية بمكان.
وهذا ما عبر عنه من الناحية المبدئية "ريفاتير" عندما كتب يقول: "لقد خطونا خطوة أساسية باتجاه حل مسألة الأسلوب، عندما اعتمدنا لدراسة الاستعمالات الأدبية اللغوية وجهة نظر القارئ وليس المؤلف، أي وجهة نظر من يتوجه إليه الأسلوب، وعندما اكتشفنا بدراسة مظاهر البنيان التي تهم القارئ"[9].
من البديهي القول إن القارئ يهتم بادئ ذي بدء، وهو أمام بقصيدة ما، بما توحيه إليه من موسيقى، وهي إحدى أهم ركائز شكلية للقصيدة العربية المعاصرة.
"الحرص على الموسيقى الضمنية من خلال تألف الحروف والألفاظ وتلاؤم أصواتها المركبة في تيار نغمي يتحد بالموسيقى الداخلية الخفية بحيث يتم توافق الإيقاع اللفظي مع الإيقاع المعنوي[10].
إذن يتوجب القارئ أن يبحث عن هذا الإيقاع الذي هو "انسجام بين إيقاع الذات الشاعرة وإيقاع اللغة العميق".
فلنبدأ بالبحث أولا بطريقة تجريبية عن عناصر هذا الإيقاع الأساسية، انطلاقا من تحديد للأصوات اللغوية وفق مخارجها كما وردت في ''صناعة الكتابة''[11].
مراحل دراسة الهندسة الصوتية الموسيقية:
1- نموذج القافية:
لا يسعنا إلا أن نقبل بأن الأشكال الصوتية البارزة في بيت الشعر هي التي تقترب أكثر من غيرها من نظام القافية، ولكي تنجح في ذلك لابد أن تملأ شرطين أساسيين: أن تعتمد أولا على تكرار حرفين على الأقل، أي ما يوازي من الناحية العلمية "صمات – مصوت – صامت – مصوت" أو "صامت- مصوت – صمات"، وأن تقع ثانيا في جزء مميز من أجزاء البيت وباستثناء ما يسمى بالتصريح[12]، فإن هذه الأشكال لا تحاكي تمام المحاكاة سماة التقفية الخاصة، وما يميز هذه الأشكال الصوتية عن القافية هو انتشار أوسع يشتمل على كل أجزاء البيت أو البيتين من الشعر أو أكثر. ومن الناحية العملية فإننا نحصل على تراكيب صوتية من صامتين يعودان مباشرة (في تكرير معجل) أو بعد فاصل متغير (في تكرير مؤجل)، وفي شكل صوتي متماثل أو قريب الشبه، وفي الترتيب ذاته أم في ترتيب مقلوب، وتظهر هذه التراكيب الصوتية أو تتكرر عند أهم مفاصل بيت الشعر، يبقى أن نحدد شكل هذه التنسيقات.
وهذا ما أشار إليه "ابن أبي الأصبع" عندما تكلم على صحة المقابلات: "صحة المقابلات عبارة عن توخي المتكلم ترتيب الكلام على ما ينبغي، فإذا أتى بأشياء في صدر كلامه أتى بأضدادها في عجزه على الترتيب، بحيث يقابل الأول بالأول، والثاني بالثاني لا يحرم من ذلك شيئا في المخالف والموافق، ومتى أخل بالترتيب كان الكلام فاسد المقابلة، وقد تكون المقابلة بغير الأضداد"[13].
2- الهندسات الصوتية:
إذا ما قبلنا بأن الحروف هي رموز للأصوات وبأن الموسيقى الشعرية ترتكز على بعض الأصوات، وإذا ما اعتبرنا بنيات المقاطع الصوتية كما وردت عند "اندره رومان" أدركنا طبعا أن الشعر العربي يستطيع استيعاب كل الهندسات الصوتية[14].
2-1. الهندسة الصوتية والسجع: لقد حدد الخطيب القزويني (ت 739 هـ) السجع على أنه "تواطؤ الفاصلتين من النثر على حرف واحد، وهذا معنى قول السكاكي: الأسجاع من النثر كالقوافي من الشعر"[15].
وقال ابن أبي الأصبع في المجال ذاته: "التسجيع هو ما يتوخاه المتكلم أو الشاعر في أجزاء كلامه، بعضها غير متزنة عروضه، ولا محصورة في عدد معين، بشرط أن يكون روي الأشعار روي القافية..."[16].
وهكذا يكمن الاختلاف بين الهندسة الصوتية والسجع في أن السجع هو تكرار لحرف واحد في .......الفاصلة، أي في آخر بعض الكلمات، بينما الهندسة الصوتية تقوم على تكرار أكثر من حرف واحد، وقد يأتي هذا التكرار في أول الكلمة أو في وسطها أو في آخرها، أي أن التكرار الهندسي هو تكرار مقاطع والسجع هو ضرب من ضروب البديع والصنعة، بينما الهندسة الصوتية تتعلق بوجدان الشاعر ومعاناته.
2-2. الهندسة الصوتية والتقفية والوزن: القافية والوزن هما من الأهمية الموسيقية بمكان في القصيدة العربية، بحيث أن "جاك برك" كتب يقول: ''إن الكلام الشعري ينتظم وفق بنية الوزن التي تظهر في أول بيت من القصيدة، وهو في ذلك يشبه أنغام الأرغن الآلي التي تتكرر وفق الرموز المحفورة على أسطوانته، أما بالنسبة للقصيدة فإن منفخا من نوع معين –أي صوت الإنسان- هو الذي سيؤدي المعاني بالإضافة إلى الأصوات إلا أنه النافخ، أي الشاعر أن يستعين بالبدائل والجوازات، فهو مقيد على عكس ذلك بشكل لا يستطيع معه أن يتصرف بكل مكونات قاموس اللغة، فحريته الكاملة في بداية بيت الشعر، تقيد تدريجيا حتى تتلاشى في نهاية البيت الوحيد القافية. وهذا التسلسل الذي يتكرر إلى ما لا نهاية له يضيف أثره المتعاقب إلى انتظام الوزن، وهكذا فإن أبيات القصيدة شبيهة بالسهام المحلقة قصباتها بشكل مماثل والتي تأتي تباعا لتعزز في قلب المرمى"[17].
وعليه فإن الموسيقى في مفهومنا تستمد من التقفية طريقة تنسيق المقاطع الصوتية وتختلف عنها فيما يتعلق بهندسة هذه الأصوات، حسب مبدأي التوازي والتسارق:
آ – ب / آ – ب (التوازي)
آ – ب / ب – آ (التسارق)
أضف إلى ذلك إلى أن الوزن الذي استخرجه الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ)، بعد أن كان الشعراء ينظمون الشعر دون معرفة بعلم العروض على أهميته الموسيقية الكبرى التي لا يستطيع أحد إنكارها، يختلف عن مفهومنا نحن للموسيقى، إذ أن الأوزان هي رسوم خيالية مجردة، بينما الموسيقى تنبع من الأصوات اللغوية التي ندركها بحواسنا.
بعد هذه الإيضاحات الضرورية سنحاول أن نظهر كيف تتقبل القصيدة العربية المعاصرة الهندسة الصوتية، من خلال "وجوه السندباد" و "قصيدة المدح" لابن أبي شنبالتي يقال بشأنهما إن الإيقاعات تتنوع فيهما بتنوع الحالات النفسية من طرب وذكرى موجعة وحوار باطني وغناء وصرف[18].
لا نعني بدراسة الهندسة الموسيقية أن نأتي بكلام نظري تجريدي على الموسيقى عامة وعلى التشابيه الموسيقية خاصة، كأن نقول مثلا أن تكرار "الشين" في:
''جونا المشحون بالإشعاع''.
يعبر عن شحنة الإشعاعات الموجودة في الجو والتي تعذب نفس الشاعر.
إن ما يهمنا هو أن نرى كيف عمد بن شنب ونظير خليل حاوي إلى هندسة التنسيقات الصوتية على جميع المستويات ليقنعانا بأن ثمة موسيقى تزيد من جمل القصيدة.
3- الهندسات الصوتية في قصيدة بن شنب:
3-1. الهندسة الإيقاعية: وهي تكرار الصوامت في مقاطع نبرية، الأموال والنسب، أو العز والنسب، الموت في الكتب، الترك والعرب، // ت – ت / ت – ت //
كما في قوله:
|
المرء أمن ما يفضل بالأدب |
لا يفضل المرء بالأموال والنسب |
|
والعلم يرفع بيتا لا عماد له |
والجهل يهدم بيت العز والنسب |
|
وصاحب العلم حي في عشيرته |
وسائد به بعد الموت في الكتب |
|
إن شئت كنت فصيح العرب أو حبش |
أو بربر أو خطيب الترك والعرب |
3-2. الهندسة الخاتمة: وهي تكرار الصوامت في آخر كل شطر، // - ت / - ت //
كما في قوله: وافت وأينعت وابتهجت.
|
وافت أماني الهنا بالشكر وانتشرت |
نوافح المجد بالساحات والرحب |
|
وأشيعت روضة العلوم وابتهجت |
أرض الجزائر واهتزت بالطرب |
3-3. الهندسة الفاتحة: وهي تكرار الصوامت في أول كل جزء //ت- / ت-// أو شطر.
كما في قوله:
ما كان في علمه ثان يضارعه
ما فاته نظم شاعر أو شاعرة
وفي قوله:
أنت المفدي بكل حاسد حنق
أنت الهنا بما أوليت من رغب
3-4. الهندسة المحيطة: وهي تكرار الصوامت في أول الجزء أو الشطر وفي آخرهما، //ت - ت / - //.
كما في قوله:
وصاحب العلم في عشيرته وسائد به بعد الموت في الكتب
3-5. الهندسة الرابطة: وهي تكرار الصوامت في آخر الجزء أو أول الجزء التالي أو في آخر الشطر وأول الشطر التالي. // - ت / ت - //
كما في قوله:
وكنت في قابل نارا على علم ودمت في عزة وعشت خير أب
4- تضافر الهندسات الصوتية في قصيدة المدح لابن شنب:
يرتكز التضافر على استخدام منسق في بيت الشعر الواحد أو في بيتين متتاليين، أقله لهندستين مميزتين، أو لهندسة مميزة تظهر مرتين، ويبرز هذا التضافر كالبداية والنهاية والمقاطع الوصفية.
ففي المقطع التالي تضافر للهندستين المحيطة والرابطة:
أنت المفدي / أنت المهنا
وفي الحقيقة أن الهندسات التي يمكن للشاعر أن يتصرف بها على مستوى البيت الواحد من الشعر المكون من شطر وعجز على اعتبار أن التنسيقات الصوتية يمكن أن تظهر فقط في بداية الشطر وفي نهايته وفي بداية العجز ونهايته وهي ست.
الخاتمة:
ومن هنا يمكن أن نقول أن المقارنة بين شاعر وآخر وبين ديوان وآخر وبين قصيدة وأخرى، يجب أن تمر وفق هذه القواعد، ولن تكون هذه الهندسات الصوتية وليدة ال...........في القصيدة، ولكن السؤال يطرح نفسه ألا وهو: "ما قيمة هذه الهندسات في إطار العلاقة بين الشكل والمضمون، وكيف يحدث لكل هذه البنى المتوازية ولكل هذه الترابطات ولكل هذه التنسيقات الشكلية أن تؤثر بنا (على افتراض ذلك)، وفي هذه القصيدة وليس في تلك، وعليه فلهذه الهندسات عدة وظائف نذكر من بينها الوظيفة الانفعالية (التعبيرية للتوترات الصوتية، وعليه فإن اعتباطية الرمز على المستوى اللغوي الصرف تزول لا بل تذوب في التجربة الشعرية الأدبية، فنحن نسمع كل يوم فعل "رأى" عدة مرات، ونتكلم على "الغربة" التي هي من واقعنا اليومي، ونتطلع إلى وجوهنا في المرآة ونتطلع بأعيننا إلى وجوه الآخرين، ولكننا في كل ذلك لا نفكر إلا بما تعنيه لنا هذه الألفاظ في اللغة بطريقة حسية، ولكن كل شيء يتغير حين تمتد يد الشاعر إلى هذه الألفاظ لتجعل منها رموزا لا بل كائنات حية كما كانت في بداءتها الأولى تحاور الإحساس والشعور وليس الفكر فقط.
* قصيدة مدح لابن شنب:
|
المرء أحسن ما يفضل بالأدب |
لا يفضل المرء بالأموال والنسب |
|
و" العلم يرفع بيتا لا عماد له |
والجهل يهدم بيت العز والنسب" |
|
وصاحب العلم حي في عشيرته |
وسائد به بعد الموت في الكتب |
|
وللجزائر جوهر تزان به |
كما تزان ثغور الغيد يالشنب |
|
يا واحدا ما له ثان بمعرفة |
شاعت مفاخرة في كل مرتقب |
|
جمعت بين لغات الأرض أكثرها |
ونلت من كنهها ما نلت من أرب |
|
إن شئت كنت فصيح العرب أو حبش |
أو بربر أو خطيب الترك والعرب |
|
لم يخف عنك قصيد كل نابغة |
من النوابغ نال سامي الرتب |
|
وذكر علمك في الآفاق منتشر |
وسابق به سير الأنجم الشهب |
|
شيخ الشيوخ حوى أرفع مرتبة |
شدت إليه صدور الأينق النجب |
|
ساد بما له من فضل ومن كرم |
وطلقة الوجه أجلت سدفة الكرب |
|
ما كان في علمه ثان يضارعه |
ذو منطق واضح أحلى من الضرب |
|
أبدي معاني "بردتين" في حلل |
وعن "أبي طيب" إني على النقب |
|
در "لبيد وذ القروح" منتشر |
بين "المقامات مع قلائد الذهب" |
|
ما فاته نظم شاعر وشاعرة |
وناثر عقد در عنه لم يغب |
|
وافت أماني الهنا بالشكر وانتشرت |
نوافح المجد بالساحات والرحب |
|
وأينعت روضت العلوم وابتهجت |
أرض الجزائر واهتزت من الطرب |
|
أنت المفدي بكل حاسد حنق |
أنت المهنا بما أوليت من رغب |
|
وكنت في قـابل نـارا على علـم |
ودمت في عزة وعشت خير أب |
|
اليكها من بنـات الفكر قـد برزت |
من خدرها تنتمي لابن أبي شنب |
|
أو زهرة من زهور النظم قد قطفت |
من روضة من رياض الفضل والأدب |
* وجوه السندباد لخليل حاوي:
|
1- وجهان |
|
لم تر الغربة في وجهي |
|
ولي رسم بعينها |
|
طري ما تغير |
|
آمن في مطرح لا يعتريه |
|
5- ما اعترى وجهي |
|
الذي جارت عليه |
|
دمغة العمر السفيه |
|
كيف – ربي – لا ترى |
|
ما زور العمر وحفر |
|
10- كيف مر العمر من بعدي وما مر، |
|
فظلت طفلة الأمس وأصغر |
|
تغزل الرسم في وجهي |
|
وتحكي ما حكته لي مرار |
|
15- عن صبي غص بالدمعة |
|
في مقهى المطار |
|
"غبت عني، |
|
والثواني مرضت، |
|
ماتت على قلبي، |
|
20- فما دار النهار، |
|
...ليلنا في الأرز من دهر تراه |
|
أم تراه البارحة، |
|
...صدرك الطيب |
|
نفس الدفء والعنف، |
|
25- ونفس الرائحة، |
|
وجهك الأسمر..." |
|
- أدري أن لي وجها طريا |
|
أسمرا لا يعتريه |
|
ما اعترى وجهي |
|
30- الذي جارت عليه |
|
دمغة العمر اسفيه |
|
وجهي المنسوج من شتى الوجوه |
|
وجه من راح يتيه: |
|
2- سجين في قطار |
|
مرة ليلته الأولى |
|
ومر يومه الأول، |
|
في أرض غريبة، |
|
مرة كانت لياليه الرتيبة، |
|
طالما عض على الجوع، |
|
على الشهوة حرى |
|
40- وانطوى يعلك ذكرى |
|
يمسح الغبرة عن أمتعة ملء الحقيبة |
|
حجر تحمله الدوامة الحرى |
|
سجين في قطار |
|
ما درى نكهة الشمس |
|
45- وما طيب الغبار |
|
ورشاش الملح في ريح البحار |
|
........................ |
|
من أسابيع وفي غرفته |
|
تلك الكئيبة |
|
تأكل الغبرة أشياء الحقيبة |
|
50- تأكل الوجه الذي خلفه |
|
لما تعرى |
|
ومضى وجها طريا |
|
ماله أمس وذكرى |
|
-3- مع الغجر |
|
من ترى يحتل ذاك الفندق الريفي، |
|
55- عرس الجن فيه ...محرقة ! |
|
لهب الرقص، |
|
ورقص في اللهب، |
|
والتعب، |
|
من ترى يتعب من، |
|
60- لين الزنود المحرقة |
|
من ترى يرتاح في حمى السرير ! |
|
صاح: "هذا الكأس لي |
|
من أهرقه" |
|
ضحكت: |
|
65- "ثوبي الدمشقي الحرير |
|
لست أدري، لم أسل من مزقه" |
|
أتقن الدوخة من خصر لخصر، |
|
عاد من عرس الغجر |
|
دمغة في وجهه، |
|
70- في دمه شلال نار |
|
وعلى قمصانه ألف أثر |
|
موجة واحدة في دمه، |
|
في زوغة الشمس، |
|
وحمى المعدن المصهور، |
|
75- في البركان، في وهج الثمار، |
|
موجة تغزل في المرج فراشات، |
|
وتغفو في خوابي الخمر |
|
تغفو في قوارير البهار، |
|
موجة فورها في دمه |
|
80- عرس الغجر |
|
عاد منه ماله ذاكرة |
|
تحصي الصور |
|
عمره ثانية عبر الثواني |
|
يتلقاها، وينسى ما عبر، |
|
85- عمره عمر الغجر |
|
وله وجه الغجر |
|
وجه من تبصقه الدوامة الحرى |
|
فيرسو في المواني |
|
ومحطات القطار |
|
90- لبنات "البار" ما في جيبه، |
|
ضحكة، |
|
حشرجة خلف الستار، |
|
وجه من يتعب من نار |
|
فيرتاح لنار |
|
-4- بعد الحمى |
|
95- وجه من يصحو من الحمى: |
|
فراغ، شاشة ترتج، |
|
عين مطفأة، |
|
وصرير المدفأة |
|
-5- جنة الضجر |
|
وجه ذاك الطالب القاسي |
|
100- على أعصاب عين متعبه |
|
في زوايا متحف، في مكتبه |
|
وجهه يعرق مصلوبا |
|
على سفر عتيق |
|
وعلى صمت الصور، |
|
105- ووجوه من حجر، |
|
ثم يرتاح إلى الصمت العريق |
|
حيث لا عمر |
|
يبوخ اللون فيه والبريق، |
|
.................... |
|
ضجر في دمه، |
|
110- في عينه الصمت الذي |
|
حجره طول الضجر |
|
وجهه من حجر |
|
بين وجوه من حجر |
|
-6- الأقنعه، القرينه، جسر واترلو |
|
لو دعاه عابر للبيت، |
|
115- للدفء، لكأس مترعه، |
|
سوف يحكي ما حكى المذياع، |
|
يحكي: "سرعة الصاروخ، |
|
تسعير الريال، |
|
جونا المشحون بالإشعاع |
|
120- والموتى بحمى الخوف، |
|
لا، شؤم، محال، |
|
طيب جو العيال، |
|
ابتذال" |
|
لو دعاه عابر للبيت |
|
125- لن يمضي معه، |
|
لو دعته امرأه، |
|
ربما طابت لها الخمر |
|
وطاب الشعر .. نعم التوطئة.. |
|
ما بنا، لا ما بنا من حاجة |
|
130- للضوء ..أو للمدفأة.. |
|
......................... |
|
مالها فرت وغابت |
|
حلوة كانت، وكانت طيعه ! |
|
......................... |
|
عتمة الشارع، |
|
والضوء الذي يجلو فراغ الأقنعة |
|
135- وقناع مسه، حدق فيه، |
|
لو دعاه، آه لن يمضي معه |
|
"وأنت ! هل أنت؟ بلى، |
|
لا، لست، لا، عفوا، |
|
ضباب موحل يعمي مصابيح الطريق، |
|
140- إن في وجهك بعض الشبه |
|
من وجه صديق." |
|
- فلأكن ذاك الصديق |
|
كنت أمشي معه في درب "سوهو" |
|
وهو يمشي وحده في لا مكان |
|
145- وجهه أعتق من وجهي ولكن |
|
ليس فيه أثر الحمى |
|
وتحفير الزمان، |
|
وجهه يحكي بأنا توأمان |
|
ولماذا ساقني للجسر |
|
150- حيث الموج إثر الموج |
|
يدوي يتداعى |
|
مدخنات الفحم تعوي |
|
من محطات القطار |
|
البخار |
|
155- وضباب كالح ينبع |
|
من صوت البحار، |
|
كلها تغزل حول الجسر |
|
حولي أفعوانا، أخطبوط |
|
وسخ الأظفار، أشداقا رهيبة، |
|
160- "متعب أنت وحضن الماء |
|
مرج دائم الخضرة، نيسان، |
|
أراجيح تغني، وسرير |
|
مخملي اللين شفاف حرير، |
|
وبنات الماء مازلن |
|
165- على الدهر صبايا |
|
ربما كان لديهن |
|
قوارير من البلسم، |
|
أعشاب، تعازيم عجيبة |
|
تمسح التحفيز عن وجهك |
|
170- تسقيه غوى سمرته الأولى المهيبة |
|
لون لبنان وطيبه" |
|
متعب، دوامة عمياء، |
|
هذا اللولب الملتف حولي، |
|
ذلك التيار دوني والدوار، |
|
175- متعب ..ماء ..سرير.. |
|
متعب.. ماء.. أراجيح الحرير.. |
|
متعب..ماء.. دوار.. |
|
وتلمست حديد الجسر |
|
كان الجسر ينحل ويهوي، |
|
180- صور تهوي، وأهوي معها، |
|
أهوي لقاع لا قرار |
|
وتلمست صديقي، أين أنت، |
|
كيف غاب؟ |
|
الضباب الرطب في كفي |
|
185- وفي حلقي وأعصابي ضباب |
|
ربما عادت إلى عنصرها الأشياء |
|
وانحلت ضباب |
|
-7- في عتمة الرحم |
|
خففوا الوطء |
|
على أعصابنا يا عابرين |
|
190- نحن ما متنا، تعبنا |
|
من ضباب وسخ، |
|
مهترئ الوجه، مداجي |
|
يتمطى أفعوانا، أخطبوطا، |
|
وأحاجي، |
|
195- رحم الأرض ولا الجو اللعين |
|
خففوا الوطء |
|
على أعصابنا يا عابرين، |
|
نحن في عتمة قبو مطمئن |
|
نمسح الحمى، ونصحو، ونغني |
|
200- نتخفى، |
|
ونخفي العمر من درب السنين |
|
خففوا الوطء |
|
على أعصابنا يا عابرين |
|
-8- الوجهان |
|
بينما أمسح عن وجهي |
|
205- تراب القبو، ذكراه، |
|
تلفت، انحنيت |
|
فوق عينيها، رأيت |
|
وجه طفل |
|
غص بالدمعة في مقهى المطار، |
|
210- وهي تحكي ما حكته لي مرار، |
|
وكأن العمر ما فات على زهو |
|
الصبايا وحكايات الصغار |
|
-9- الوجه السرمدي |
|
عشت في حنوة بيت، ما وقاك |
|
أنه بيت على الصخر تعمر، |
|
215- إن خلف الباب، |
|
في صمت الزوايا |
|
يحفر الموج، وتدوي الهمهمه |
|
إن في وجهك آثارا |
|
من الموج، وما محى، وحفر، |
|
220- وأنا عدت من التيار وجها |
|
ضاع في الحمى، |
|
وفي الموج تكسر، |
|
بعضنا مات، ادفنيه، ولماذا |
|
نعجن الوهم ونطلي الجمجمه |
|
225- أسندي الأنقاض بالأنقاض |
|
شديها..على صدري اطمئني، |
|
سوف تخضر، |
|
غدا تخضر في أعضاء طفل |
|
عمره منك ومني |
|
230- دمنا في دمه يسترجع |
|
الخصب المغني، |
|
حلمه ذكرى لنا، |
|
رجع لما كنا وكان، |
|
ويمر العمر مهزوما |
|
230- ويعوي عند رجليه |
|
ورجلينا الزمان |
المصادر والمراجع المعتمدة في المداخلة:
1- ابن أبي الأصبع المصري، تحرير التعبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، تقديم وتحقيق حنفي محمد شرف، القاهرة، 1383 هـ.
2- عبد الرحمن بن محمد الجيلالي، محمد بن أبي شنب (حياته وأثاره)، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983م.
3- صبري البستاني، الصورة الشعرية في الكتابة الفنية الأصول والفروع، دار الفكر اللبناني، بيروت، 1986.
4- هنري سليم بوسر، أبحاث في الألسنية العربية، العلاقة والمستويات في "مواكب جبران"، مطبعة فؤاد بيسبان، جونيه، لبنان، 1988.
5- جميل جبر، خليل حاوي، سلسلة شعراء لبنان، دار المشرق، بيروت، 1991.
6- إيليا حاوي، خليل حاوي في سطور من سيرته وشعره، دار الثقافة، بيروت، لبنان، 1984.
7- خليل حاوي، الناي والريح، شعر دار الطليعة، بيروت، ط01، جانفي 1961.
8- الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة والمعاني والبيان والبديع، مختصر تلخيص المفتاح، دار الجيل، بيروت لبنان.
9- محمد كردعلي، المعاصرون، بيروت، دار صادر، ط02، 1993.
10- عادل نويهض، أعلام الجزائر، بيروت، مؤسسة نويعض الثقافية، ط02، 1980.
11- J.Berque, les grandes de l’Ante-Islam, Paris, Sindbad, 1979.
12- D.Delas et J.Filliolet, Linguistique et poetique, Paris, Larousse, 1973.
13- A. Martinet ? Economie des changements phonétiques, Traite de phonologie diachronique, Fa A Franck. S.A.Berne, 1955.
[1] هنري سليم بولس، أبحاث في الألسنة العربية، ص 76-77.
[2] إيليا حاوي، خيل حاوي في منظور من سيرته وشعره، ص 9-13.
[3] جميل جبر، خليل حاوي، سلسلة شعراء لبنان، ص 99.
[4] خليل حاوي، الناي والريح، ص 133، 137.
[5] عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر، بيروت، مؤسسة نويهض الثقافية، ط02، 1400/1980، ص 189.
[6] محمد كردعلي، المعاصرون، بيروت، دار صادر، ط02، 1413هـ، 1993م، ص 338.
[7] D.Delas et J.Filliolet, Linguistique et poetique, P139
[8] المرجع السابق، ص 118.
[9] M.Riffaterre. Essais destylistique Structurale, P144
[10] جميل جبر، خليل حاوي، ص20.
[11] فيكتور الكك وأسعد علي، صناعة الكتابة، ص 168-170.
[12] تحرير التعبير، ابن أبي الأصبع، ص 305.
[13] المرجع السابق، ص 179.
[14] A.Roman : Remarques générales les syllabes et les systèmes de l’arbre » un cahier de linguistique, p115-142.
[15] الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، ص 222-226.
[16] تحرير التسجيع، ابن أبي الأصبع، ص 300.
[17] J.Berque, les dix grandes des arbres de l’ante- Islam, p 17-18.
[18] خليل حاوي، الناي والريح، ص 137.
مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 42: صيف 2009 - July 7th Year: I