بحوث ودراساتآراء وأفكارعرض أطاريح  CONTACT US   

مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 43: خريف 2009  - 7th Year, :July  Issue 43

الحجاج في قصيدة شكاية المتظلم ونكاية المتألم: دراسة بلاغية

د. ثناء نجاتي عياش

استاذ مشارك- قسم اللغة العربية- كلية الاداب- الجامعة الهاشمية- الزرقاء- الاردن

 emanayyash@yahoo.com

الملخص

     يحاول هذا البحث دراسة الحجاج في قصيدة عمارة اليمني" شكاية المتظلم ونكاية المتألم " وتحليله،واستعراض الحجج والبراهين التي استعان بها؛ لعرض قضيته أمام صلاح الدين لعله يشمله برعايته وإحسانه . وفي أثناء ذلك تطرقت إلى البنى الحجاجية التي أدخلها الشاعر في نسيج نصه، في سبيل دفاعه عن نفسه، ومحاولته استمالة صلاح الدين لصفه، من مثل:التناقض وعدم الاتفاق، وقلب البرهان على صاحبه ....الخ . وعلى الرغم مما في القصيدة من خطاب حجاجي إلا أنها لم تحقق هدف الشاعر, وأدت فيما بعد مع عوامل أخرى إلى مقتله .

Abstract

A rhetorical  Study of the argumentation in the poem “the complaint of a complainant and the annoyance of the sufferer". 
This research is trying to study and analyze the argumentation in the Amara Al- Yemeni’s poem” the complaint of a complainant and the annoyance of the sufferer" and review the arguments and evidence used by the poet; to present his case in front of Salah al-Din, perhaps he protected him by his sponsors and favours.

 And during that I mentioned the structures of the argumentation, introduced by the poet in the fabric of the text, such as: Contradiction and lack of agreement, and retorsion.... and soon on. in order to defend himself, and trying to win Salah al- Din heart.

In spite of the argumentation speech of the poem, but it has not achieved the goal of the poet, and contributed with other factors to his death later.

 

المقدمة

يحلل هذا البحث الحجاج في قصيدة عمارة اليمنى* في مدح صلاح الدين التي سمّاها " شكاية المتظلم ونكاية المتألم" " شرح فيها حاله وضرورته، وهي بديعة "(1). بعدما كان له ذات يوم من الجاه والغنى والمكانة ما جعله يعيش حياة مترفة في العهد السابق (الفاطمي).

بسط الشاعر قضيته بكل ما أسعفته لغته من حجج وبراهين، ودافع عن نفسه بوسائل شتى من الأدلة، وحاول استمالة صلاح الدين إلى صفه لعله يتعاطف معه، ويلتفت إلى مشكلته. فهو تارة يمدحه معلياً من شأنه، ومغدقاً عليه من الصفات ما يجعله أهلاً للعفو عنه، وضمه إلى لفيف الأدباء والشعراء والكتّاب الذين كانوا يحيطون به، ولِمَ لا وهو الأديب الماهر كما وصف نفسه كما سنرى بعد قليل، وكما شهد له بذلك، من ترجم لحياته منهم على سبيل المثال العماد الأصفهاني بقوله: " كان ذا قدرة على النظم الحسن، وبلاغة في اللهجة واللّسن، وشعره كثير، وعلمه غزير"(2) .

وتكشف القصيدة عن تعجب الشاعر وحيرته لما حدث معه، فهو فيما مضى كان معززاً مكرماً في ظل العهد الفاطمي الذي كان يخالفه في المذهب، والآن لا يجد الأمر نفسه في ظل العهد الذي يتوافق مع مذهبه.

ومما زاد في حيرته لِمَ لم يسهم الاتفاق المذهبي بينه وبين العهد الجديد في التقريب بينهما، فهو كان يتوقع أن يسارع صلاح الدين إلى استقطابه كما استقطب غيره، لا بل ربما كان يتمنى أن يقدّر له العهد الجديد دفاعه عن مذهبه وتمسكه به، على الرغم مما في ذلك من مخاطر شتى لعل أولها فقدان كل مظاهر الترف والنعيم التي كان يتنعم بها في ظلال العهد السابق، لذا رسم صورة قاتمة لأحواله في العهد الجديد مما دفعه إلى استعطاف صلاح الدين، وذلك بإبراز سوء أحواله المعيشية هو وأسرته وغلمانه وخيله، حتى أنه لم يعد يملك بلغة المتقنع، كما قال واستغرقت الديون كل ما كان يملكه . كما سيظهر في ثنايا هذا البحث.

وتنازع الشاعر إحساسان  : إحساس يدعوه إلى الصبر والتحمل ثقة بأن صلاح الدين سيلتفت إليه، لأن لا دينه ولا خلقه يسمح له بالاستمرار في إهمال أحد أفراد رعيته، أما الإحساس الثاني : فيشعره بعجزه وضعفه وفقره وأنه لم يعد يملك إلا الشكوى والاستعطاف.

وسيحاول هذا البحث النظر في الأسباب التي حالت دون تأثر صلاح الدين بما ورد في هذه القصيدة، ولِمَ ينجح الشاعر في تحقيق هدفه على الرغم من حشده العديد من الحجج والبراهين التي تخدم قضيته ؟؟

ونظراً لتعدد مفاهيم الحجاج فإن هذا البحث يقوم على تعريف برلمان وتيتيكاه له : " درس تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم"(3) وغاية الحجاج " أن يجعل العقول تذعن لما يطرح عليها أو يزيد في درجة ذلك الإذعان، فأنجح الحجاج ما وُفّق في جعل حدة الإذعان تقوى درجتها لدى السامعين بشكل يبعثهم على العمل المطلوب إنجازه أو الإمساك عنه) أو هو ما وُفقّ على الأقل في جعل السامعين مهيئين لذلك العمل في اللحظة المناسبة "(4) لذا سيبحث هذا البحث في الحجاج القائم على وسائل التعبير الفني التي استعان بها الشاعر للتعبير عن مشاعره، وفي طرائق تحريك وجدان المتلقي في سبيل استمالته إلى صفه، ومحاولته النفاذ إلى "مناطقه بالدليل الدقيق والحجة المقنعة، وبفضله يقترب الشعر من سائر الخطابات الحجاجية في قدرة صاحبه على توظيف مختلف أنواع الحجج في ربط مفاصل الكلام وتعليق بعضه ببعض بواسطة روابط حجاجية دقيقة"(5).

وحاولت رصد قدرة الشاعر على توظيف الأساليب الإنشائية من استفهام وأمر، وكذلك التشبيهات، والاستعارات، والمفارقة، والتضاد... الخ، وذلك بإبراز ما فيها من طاقات حجاجية، وبيان مدى مساهمتها في تقوية حجج الشاعر وأدائه. إذ لا غنى للحجاج عن الجانب الفني، وهذا هو المفهوم من قول أبي هلال العسكري "إن الكلام ألفاظ تشتمل على معان تدلّ عليها ويعبر عنها، فيحتاج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى كحاجته إلى تحسين اللفظ؛ لأن المدار بعد على إصابة المعنى، ولأن المعاني تحلّ من الكلام محلّ الأبدان، والألفاظ تجري معها مجرى الكسوة، ومرتبة إحداهما على الأخرى معروفة "(6) . وهذا ما سيحاول هذا البحث تجليته.

 

بنية الحجاج في القصيدة

 

افتتح الشاعر قصيدته* بمطلع مؤثر حزين، ضمنّه الكثير مما يعانيه من ألم :

أيا أذن الأيام إن قلت   فاسمعي

  لنفثة   مصدور وأنّة   موجـع

وعي كل صوت تسمعين نداءه

  فلا خير في أذن تُنادى فلا تعي

 

وذلك بتوجيه النداء إلى الأيام وليس للأحياء، وكشف نداؤه لغير العاقل عن عمق مأساته بدليل تركه للأحياء وندائه على غيرهم، والمسكوت عنه ضمناً في هذا النداء أكثر بكثير مما صرّح به ظاهر كلام الشاعر. كما أنه بندائه هذا يوجه كلامه إلى المتلقي الكوني وليس فقط إلى المتلقي الخاص (صلاح الدين) لعله يتعاطف معه، ويستميله إلى صفه، لذا بنى بيتيه على الحجة السببية التي تحيل "بطبيعتها على عمل منطقي، لأن جوهرها ربط الأسباب بنتائجها في محاولة جادة للإقناع "(7) فهو لم يكتف بمطالبة أذن الأيام أن تسمع له بل طالبها أن تعيه أيضاً وقدّم لذلك حجتين سببيتين الأولى : أن هذا النداء بمنزلة نفثه المصدوروأنّه الموجع، فإذا لم تسمع لمن هذه حاله فلمن تسمع إذن؟ والثانية لا خير في أذن تُنادى ولا تعي، فإذا لم تستمع لشكواه فالخطأ فيها هي وليس فيه، وهو بهذا النداء يصف واقعه المؤلم، غير الراضي عنه، ولا يقرّ به، لذ صدّر بيته بأداة نداء البعيد (أيا) وجاء مد الصوت (أيا) ليعبّر عما يعانيه من ألم وإحساس بالمرارةِ، لتكون صرخة صادرة عن شاعر مقهور، ويكشف توظيفه لفعلي الأمر (اسمعي وعي) عن مدى رغبته في أن تؤثر شكواه فيمن يسمعه، فهو لا يطلب السماع له فقط، بل أن تعي ما يقول، لأن فيما يقوله – من وجهة نظره – ما يستحق السماع، وحتى لا يبدو الشاعر أنانياً في مطلبه طالب أذن الأيام بالاستماع إلى كل صوت يشكو بدليل قوله : نفثة مصدوروأنّة موجع، ولم يقل نفثتي أو أنتي.

كما أن الطباق بين (عي ولا تعي) يوحي بمقدار تشتته وضياعه، فهو بأمسّ الحاجة إلى من يعي كلامه فيحيا الأمل في نفسه، وفي الوقت ذاته هو متخوف من عدم عثوره على من يستجيب له ويدرك عميق ألمه، فيشعر بالإحباط واليأس، لذا جاءت استعانته بـ (لا) النافية للجنس في (لا خير) لتبرز مقدار خسارته إن لم تُسمع شكواه.

ولا بد من السؤال عمن كان سبب شكوى الشاعر، وهذا ما أفصح عنه قوله :

 

تقاصر بي خطب الزمان  وباعه

فقصّر من ذرعي وقصّر أذرعي

 

فهو يعزو إلى الزمان سبب ما يعانيه، فهو المسؤول عما آل إليه حاله، لذا شخصّه بصورة كائن حي له خطو وباع .. الخ، ليسند إليه القدرة على الفعل والتأثير، وليوحي بأن ما حدث له لم يكن نتيجة تقصير منه، أو خطأ وقع فيه.

 وعلى الرغم من انشغال الشاعر بتصوير مأساته وألمه، إلا أنه لم يغفل عن الناحية الفنية، إذ ضمّن بيته السابق استعارة قوامها التشخيص، والجناس ما بين ذرعي وأذرعي، وجاء تكراره لألفاظ ( تقاصر، فقصّر وقصّر) ليدلل على تبدل حاله من الحسن إلى السيء.

وترك للمقابلة في قوله :

وأخرجني من موضع كنت أهله

وأنزلني بالجور في غير موضعي

 

تصوير حاله في زمانين مختلفين : تصوير ماضيه المشرق عندما كان متصالحاً مع زمانه فهو كان في قمة الهرم، وتصويره لحاضره المظلم عندما تخلى عنه زمانه فإذا به في قاع الهرم، مما يعني البون الشاسع بين ماضيه وحاضره.

وجاء الاعتراض في قوله (بالجور) ليبين أنه كان يستحق المكانة العالية التي وصل إليها فيما مضى، وفي الوقت ذاته ينفي عن نفسه مسؤولية أي خطأ أو تقصير بدر منه أفقده ما كان يتمتع به من نعيم ورخاء، لذا أسند الحدث إلى الزمن، فهو تلك القوة العظيمة التي لا يستطيع إزاءها فعل أي شيء.

كما أن تعبيره بالفعل الماضي (كنت) يوحي بإحساسه بالتلاشي الآن، بعدما كان ذات يوم في بؤرة الحدث، إذن هو التفت إلى الماضي المشرق ليخفف عن نفسه ما يلاقيه الآن من إهمال ونسيان.

وبما أن غاية الشاعر التأثير والإقناع، لذا سرد قصته منذ بدايتها في قوله :

تيمّمت مصراً أطلب الجاه والغنى

فنلتهما  فـي ظـل  عيـش    ممنّـع

وزرت ملوك النيل إذ زاد نيـلهم

فأحمد مرتادي وأخصـب مرتـعي

وجاد ابن رزيك من الجاه والغنى

بما زاد عن مرمى رجائي ومطمعي

 

 مستعيناً ببنية الحجاج القائمة على الاحتمال فهذا النوع من الحجج " يؤسس على حظوظ المرء في تحقيق أمر ما أو انجاز حدث معين "(8)، فهو ذهب إلى مصر وفي ذهنه أن يحقق بعضاً من المكاسب المادية التي حلُم بها من مثل الجاه والغنى، وكان الشاعر واقعياً عندما أبان عن غرضه من الزيارة بدليل تكراره للجاه والغنى في موضعين اثنين في أبياته السابقة، وكانت المفاجأة له أنه حقق في مصر - كما وصف – ما أربي على أمله، فهو ذهب إلى مصر بقصد الزيارة كما قال في البيت الثاني، فإذا بالمقام يطيب له فيقيم(9) بها ما يقارب عشرين عاماً لأنه قَدِم إلى مصر في 550 هـ لأول مرة وفي 551 هـ للمرة الثانية فاستوطنها ولم يفارقها حتى وفاته في 569هـ.

ودلّ تعبيره بالفاء في قوله (فنلتهما / فأحمد) على سرعة استجابة الفاطميين إلى طلبه، وتحقيقه حلمه بالجاه والغنى، فهو عندما وقف بين يدي الخليفة الفاطمي الفائز بن الظافر، ووزيره طلائع ابن رزيك وأنشد قصيدته(10).

الحمد للعيس بعد العزم والهمم

حمداً يقوم بما أولت من النعم

استُحسنت أيما استحسان من الخليفة والأمراء والأعيان، ثم أُفيضت عليه الخلع من ثياب الخلافة المذهبّة، وألف دينار(11) ..الخ، وغير ذلك من مظاهر النعيم التي انهالت عليه مباشرة دونما تأخير، هذا ما كشفت عنه أبياته الآنفة الذكر، أما المسكوت عنه فهو يحمل رسالة ضمنية إلى صلاح الدين. وتضمن قوله (في ظل عيش ممنّع) مدحاُ للفاطميين رغم زوال دولتهم، وانتهاء عهدهم، ولعلها لمسة وفاء من الشاعر نحو من أحسنوا إليه في أيام عزهم، وها هو يحسن إليهم بعد رحيلهم بذكر مآثرهم، ولكنها في الوقت نفسه توجه رسالة إلى صلاح الدين بطريق  غير مباشر.

وترك الإيجاز القصر في قوله (أحمد مرتادي) وأخصب مربعي تصوير عظيم فضل الفاطميين، وحسن رعايتهم له، ومع أن قوله أحمد مرتادي صوّر كل مظاهر النعيم التي تمتع بها في ظل حكم الفاطميين، إلا أنه أعاد المعنى نفسه بقوله وأخصب مربعي للدلالة على الخير العميم الذي تنعم به فيما مضى، أما الآن .. الخ.

ورواح الشاعر بين الجمل الفعلية المبنية على الفعل المضارع تارة وعلى الفعل الماضي تارة أخرى، فهو عبّر بالفعل المضارع (أطلب) ليكشف عن هدفه من زيارته إلى مصر، فهو يطلب وهذا دليل على أنه لم يكن يتوقع ما حققه من آمال وطموحات، للدلالة على تحقق هدفه من زيارته بل إن العطف في وأخصب دلّ فهو يطلب وقد يُلبي طلبه وقد لا يُلبي، وعبّر بالفعل الماضي (نلتهما وأحمد وأخصب) دلّ على أنه نال فوق ما تمناه وزيادة، وهذا ما أكده قوله (ما زاد عن مرمى رجائي ومطمعي ).

وربط بين الجاه والغنى في موضعين اثنين، ليكني عن حسن استقبال الفاطميين له، وإحسانهم إليه ليس إحساناً مادياً قط بل شمل إحسانهم إليه المعنوي أيضاً، بل ربما تفوق المعنوي على المادي، مما جعل إحساسه بالفقد والخسارة الآن أكبر، فها هو الوزير الشاعر طلائع بن رزيك* يسمعه أشعاره وكأنه يريد أن يعرف رأيه النقدي بها كما يتضح من قوله :

وأوحى إلى سمعي ودائع شعره

لخبرته مني بأكرم مودع

 

وفي هذا إشارة إلى جانب آخر يفتقده الآن.

وتلفتنا قدرة الشاعر على اختيار ألفاظه وحسن ترتيبها بما يخدم خطابه الحجاجي فهو نكرّ كلمة يد في قوله :

 

وكم طرقتني من يد عاضدية

سرت بين يقظي من عيون وهجّع

 

للدلالة على العموم والتكثير، ولم يحصر عطايا الخليفة العاضد في نعمة واحدة، لذا أكملت الكناية في قوله (سرت بين يقظي) الصورة المشرقة لكرم الفاطميين، ولئن أفرد كملة (يد) في بيته السابق فإنه جمعها في قوله :

 

وليست أيادي شاور بذميمة

ولا عهدها عندي بعهد مضيّع

 

فالجمع يدل على كثرتها، ولما أفردها نكرّها ليدل على كثرتها وعمومها أيضاً، فالتقي الإفراد والجمع للدلالة على نتيجة واحدة سعى إلى إبرازها وهي عظيم إحسان الفاطميين له، وهدفه من هذا  التعريض بصلاح الدين هذا من جهة، ومن جهة أخرى ليصور سوء حاله الآن، وحسنه فيما مضى، وشتان بين الحالين.

ولم يحسن إليه فقط الخلفاء بل تتابعت العطايا كما صور من الوزراء أيضاً من مثل : طلائع وشاور هذا صريح كلامه، أما المسكوت عنه فترك للمتلقي تقديره وفهمه وهو : لا أحد يلتفت إليه الآن، ولا يصغي إليه مجرد إصغاء، ليبرر لنفسه توجيه كلامه إلى غير العاقل في مطلع قصيدته، كما أنه حرص على ذكر أسماء بعض من أحسنوا إليه ليضفي على كلامه مصداقية وليبين أنه يبني حججه على الوقائع والأحداث التي حدثت معه حقيقة.

ولم تخل الأبيات السابقة كذلك من مدح غير مباشر للشاعر، فلو لم يجد فيه الفاطميون الكفاءة والقدرة لما أحسنوا إليه بهذه الطريقة، كما أنه ضمّن أبياته حديثاً عن وفائه لهم من مثل قوله (ولا عهدها عندي بعهد مضيّع) وقوله (فخبرته مني بأكرم مودع)، وهذا يكشف عن خلق أصيل فيه، وهذا ما أيده ابن واصل في أثناء حديثه عن علاقة الشاعر بالفاطميين " فأحسنوا إليه وخوّلوه فرعى ذلك ووفى لهم، والإنسان - كما قيل -  صنيعة الإحسان"(12) وقال أيضاً:

" وقتله وفاؤه وحسن عهده لمن أحسن إليه"(13).

وتمثّل عودة الشاعر إلى الماضي البعيد ما يقارب عشرين عاماً دفعة واحدة انتقادا غير مباشر لصلاح الدين لأن الشاعر فيما مضى كان يستشعر توحده " بالجماعة، وبكونه جزءاً مقبول منها، ويستحوذ على مكانة مميزة في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه "(14) لذا بقيت ذكراها محفورة في وجدانه، مما يعني أن النظام الجديد فشل في استيعابه ودمجه في نسيجه الاجتماعي والثقافي والسياسي(15). ولم يعد لديه إلا الشكوى والتألم.

ويخدم تصويره السابق خطابه الحجاجي فهو رسم صورة مشرقة لكرمهم وإحسانهم إليه، يأتي حديثه هذا بعد مماتهم وزوال عهدهم على يد صلاح الدين أي لمن يُوجّه إليه قصيدته هذه، وبهذا تحول الإقناع إلى الهجوم – وإن ما زال حتى الآن غير مباشر – فهو يريد القول قاصداً صلاح الدين - وان لم يذكره بالاسم - لاحظ كيف أحسن الفاطميون إليّ، ولاحظ مدى الغنى والجاه الذي تمتعت به في ظلهم، أما الآن في عهدك فانظر إلى حالي :

 

أقمت لكم ضيفاً ثلاثة أشـهر

أقول لقلـبي كلما ضاق :  وسـّع

أعلل عُلماني وخيلي ونسوتي

بما صغت من عذر ضعيف مرقّع

 

فها هو يواجه صلاح الدين مباشرة بأنه لم يحسن استقباله وهو ضيفه، ومن عادة العربي أن يكرم ضيفه مهما كان موقفه منه، لا كما فعل معه صلاح الدين.

ولو قارنا بين قوله هنا (أقمت) وقوله (زرت) عندما ذهب إلى مصر -  كما صوّر في أبياته السابقة – أدركنا مغزى الحجة التي يريد توجيها إلى صلاح الدين، فالزيارة توحي أنه لم يكن يريد الإقامة الطويلة في مصر بل هي مجرد زيارة، أما عند صلاح الدين فقد أقام ثلاثة أشهر متتالية فلم يجد إلا الإهمال والنسيان فبات من المهمشين في الحياة، بعيداً عن الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، فهو أصبح موضع تجاهل أولئك الذين يمسكون بمقاليد السلطة،(16) لذا لم يعد أمامه إلا حثّ نفسه على الصبر والتحمل، متعللاً بالأعذار الواهية الضعيفة أمام حاجة نسائه وغلمانه وخيله.

والشاعر ينتقي من صفات الفاطميين ما يخدم أهدافه الحجاجية، فهو تحدث عن صفتين من صفاتهم الإحسان إلى الضيف والكرم، وهما من أهم ما يفتقده الآن، وجاءت المقابلة في قوله:

 

ملوك رعوا لي حرمة صار نبتها

هشيماً رعته النائبات وما رُعي

 

لتقارن بين ماضيه المشرق وحاضره المظلم، ولم يخلُ هذا التصوير من تعريض بالعهد الحالي الذي لم يلتفت إليه، فهو هو لم يتغير فيه شيء لا صفاته ولا أخلاقه ولا قدراته إنما المتغير الطارئ على حياته العهد الجديد، لذا ترك للفظي (نبت/هشيم) تصوير سوء حاله الذي شبهه بالهشيم بعدما كان مورقاً ذات يوم، ولعله يرنو إلى قوله تعالى: " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان إليه على كل شيء مقتدراً " الكهف 45.ليظهر عظيم الفرق بين ماضيه وحاضره.

كما أن الطباق بين (رعته وما رعي) أسهم في تصوير سوء حاله الآن، وإشراقه فيما مضى، وفي الوقت ذاته يفتخر بنفسه أو بما تبقى له بدليل قوله (وما رعي) فالنائبات تتالت عليه بدليل جمعه لها في قوله (رعته النائبات) لذا شبهها بحيوان يرعى حقلاً فما أبقى فيه شيئاً، وأحال ما فيه من خضرة ونضارة إلى هشيم.

ومما لا شك فيه أن الصورة الفنية في البيت السابق أدت دوراً حجاجياً فهو بتصويره المؤثر وجّه رسالة إلى صلاح الدين _ وإن لم يذكره صراحة _ مفادها: قارن بين حالي سابقاً وحالي الآن فأيهما أفضل؟ ومن المسؤول عن ذلك؟ وهل يرضيك ما آل إليه حالي الآن؟ فهذه الأسئلة وغيرها يشي بها التصوير السابق، فلو أنه عبّر عن هذه المعاني مباشرة دونما تصوير فني لما كان لكلامه التأثير نفسه في نفس المتلقي، وهو كذلك أحسن اختيار المثل الذي استمده من تصوير النص القرآني للدنيا في حال نضارتها وخضرتها وحال انقضائها وزوالها، وربما كان يجدر بالشاعر إزاء هذا الموقف أن يستنبط مجموعة من الحكم مما حدث معه أقلها أن يلتفت إلى تقلّب الدنيا وعدم دوامها على حال واحدة، لا أن ينشغل في ذم صلاح الدين بطريق غير مباشر.

وعلى أية حال لم يؤثر الخطاب الحجاجي على جمالية الصورة في البيت السابق لأن الجمال "يرفد العملية الإقناعية وييسر على المتكلم ما يرومه من نفاذ إلى عوالم المتلقي الفكرية والشعورية والفعل فيها(17) " فالاستعارة في القول السابق لم تكن مجرد زينة في الكلام " وهكذا نجد في مقابل الغاية الجمالية للاستعارة الشعرية مطمحاً إقناعياً للاستعارة الحجاجية"(18) فالوسائل البلاغية تمثل عاملاً مهماً يرفد عملية الحجاج وينمّي قدرة الشاعر على الإقناع "(19) لذا ختم الشاعر تصويره لكرم الفاطميين بقوله :

 

ورُدَّت بهم شمس العطايا لوفدهم

 كما قال قوم في علي ويوشع

 

مستوحياً ما يروى عن تأخير الله سبحانه وتعالى مغيب الشمس حتى يتسنى ليوشع بن نون الدخول إلى بيت المقدس مع اليهود العائدين من التيه(20)، ليرسم صورة مشرقة لعطايا الفاطميين وذلك بتصويره لعطاياهم ترد الشمس، وتجبرها على التأخير، وبذا يكون الشاعر قد نقل النص القرآني إلى سياق جديد يخدم غرضه الحجاجي.

وقد نسأل هل يريد الشاعر وصف صلاح الدين بعدم الكرم، لا، بدليل قوله:*

 

ونوّابكم للوفد في كل بلدة

تُفرّق شمل السائل المتوزّع

 

فهو يقرّ بأن نواب صلاح الدين يعطون العطاء الجزيل، معبّراً بالجملة الاسمية (نوابكم للوفد) ليبين أن الكرم صفة متأصلة في صلاح الدين، وحالة ثابتة، لذا يعطي العطاء الجزيل بدليل توظيفه لجمع الكثرة (نواب) وصيغة التعميم (كل) وهنا مكمن حجة الشاعر واعتراضه على صلاح الدين فهو كان يتوقع أن يشمله نوابه بالعطاء كما يعطون غيره، لا بل كانت المفاجأة له كما يقول:

 

وكم من ضيوف الباب ممن لسانه

إذا  قطعوه لا  تقوم  بإصبع

 

مستعيناً بالمقابلة لما فيها من قدرة على إبراز التناقض بين حالين : حاله وهو الضيف وما يلاقيه من إهمال ونسيان، وحال الوفود الأخرى التي تجد حسن الاستقبال والتكريم، وكشفت (كل) عما في نفسه من إحساس بالمرارة فمن وجهة نظره الكل مشمول برعاية صلاح الدين إلا هو، وهذا مدعاة لشكواه لإحساسه أن حرمانه من العطاء كان متعمداً، لا بل إن نواب صلاح الدين يعطون من هم أقل قيمة أو مكانة منه، ونفياً لمظنة أن صلاح الدين لا يستطيع الإحسان إليه بيّن أن قدرته لا حدود لها في قوله :

 

وأقسم لو قالت لياليك للدجى

أعد غارب الجوزاء قال لها: اطلعي

 

وهذا التصوير المشرق في ظاهره يتضمن صورة مغايرة في باطنه، فالشاعر كان سيلتمس العذر له لو لم تكن عنده القدرة على الإحسان إليه، أو لضيق ذات اليد، لكنه يستطيع بدليل هذه القدرة المطلقة التي يتمتع بها كما صور، إذن لِمَ لم يحسن إليه؟ وسيبقى هذا السؤال تتردد أصداؤه في هذه القصيدة.

وهذه المبالغة في تصوير قدرة صلاح الدين مردها إلى رغبة الشاعر في الإعلاء من شأنه، وذلك بتصويره بصورة القادر المطلق القوة تمهيداً لعرض مطلبه وغايته التي باتت معروفة فهو يريد استمالته إلى صفه، وحمله على ترك ما كان قد قرره من إهماله وتجاهله، إذن المسكوت عنه في التصوير السابق يحمل في طياته ذماً مبطناً لصلاح الدين فمن كانت هذه قدرته، كيف يهمل إنساناً كان له ذات يوم شأن كبير.

أما غرضه من القسم فأبان عنه قوله :

 

غدا الأمر في إيصال رزقي وقطعه

بحلمك فابذل كيفما شئت وامنع

كذلك أقـدار الرجـال وإن غـدت

بحلمك فاحفظ ما تشاء وضـيّع

 

فهو فوضّ أمره إلى صلاح الدين، وصوّر التضاد بين (ابذل/امنع) و (إيصال/قطع) و (احفظ/ضيع) تشتت الشاعر ما بين التفاؤل والتشاؤم.

وهيمنت أفعال الأمر في البيت السابق (فابذل وامنع واحفظ وضيّع) وكلها موجهة إلى صلاح الدين لأن بيده مقاليد أمور الشاعر، بدأها متفائلاً ثم ختمها متشائماً بدليل قوله (أمنع وضيّع) وحملّها رغبته الكامنة في أن يستجيب صلاح الدين لطلبه بدليل قوله (ايصال واحفظ) وغاب عن ذهنه عندما قال ما قال أنه في سياق الاستعطاف والشكوى، وهذا مثال آخر على تشتته فهو لا يجيد فن الاستعطاف، وعندما "يكون الخطاب حجاجياً لا بد أن تتجه الأقوال كلها لخدمة الإقناع أو الحمل على الإذعان(20) " في لطف لأن " للطيف من الكلام : ما تعطف به القلوب النافرة، ويؤنس القلوب المستوحشة، وتلين به العريكة الأبية المستعصية، ويُبْلَغ به الحاجة، وتقام به الحجة، فتخلص نفسك من العيب، ويلزم صاحبك الذنب، من غير أن تهيجه وتقلقله، وتستدعي غضبه، وتستثير حفيظته "(21).

ومن الحجج التي استعان بها الشاعر في دفاعه عن نفسه، حجة قلب البرهان على صاحبه بما يقوّض كلام الخصم، عن طريق "خرق منظومة الطرف الآخر الحجاجية مستفيداً من تناقض أقواله أو تعارضها مع أعماله(22) " كما يتضح من قوله :

 

فإن كنت ترعى الناس للفقه  وحده

فمنه طرازي بـل لثـامي وبرقعـي

ألـم تـرعني للشـافعي وأنتــمُ

أجـلّ شـفيـع عـند أعلى  مشـفّع

ونصري له في حيث لا أنت ناصرٌ

بضـرب صقيلات، ولا طعن شُـرّع

كأني بها مـن آل فرعـون مـؤمن

أصارع عن ديني وإن حان مصرعـي

 

فصلاح الدين سنيّ المذهب، وعُرف عنه نصرته لمذهبه، ودفاعه عنه، وهذا الأمر فعله الشاعر فيما مضى، إذن كلاهما قام بالفعل نفسه، واتحدا في الهدف، وكان الشاعر يتوقع أن يحسن إليه صلاح الدين لموقفه هذا بالذات، فهو يحتج لقضيته بما خبره حقيقة عن صلاح الدين، فلماذا لم يطبّق المعيار نفسه مع الشاعر؟

كما يمكننا القول إن الشاعر بنى خطابه في الأبيات السابقة على المحاجة بالتجهيل التي تقوم على : إفحام المخاطب انطلاقاً من تعجيزه على أن يدلي بما ينفي الحجة المقدمة إليه"(23) فقد ثبت نصرة الشاعر لمذهبه فيما مضى، وثبت كذلك نصرة صلاح الدين للمذهب نفسه، وهذان الأمران لا يستطيع صلاح الدين إنكارهما، فكأنما يريد الشاعر القول له: هذه حجتي فأتِ أنت بما يثبت عكسها، وإن لم تفعل فهي صحيحة إذن.

واستوحى مضمون قوله تعالى: " قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله .. " غافر 28 في بيته الثاني، مشبهاً نفسه بمؤمن آل فرعون الذي واجه الكفار من قومه بإيمانه، مستمداً من هذه الآية طاقة إقناعية تغني عن كثير من الشرح والتفصيل، فهو يريد إظهار مقدار الخطر الذي كان يحيط به في ذلك الوقت لنصرته لمذهبه السني في البلاط الشيعي، ومع ذلك صرّح بنصرته لمذهبه – شأنه شأن مؤمن آل فرعون – متحملاً في سبيل ذلك كل ما يمكن أن يلحق به جّراء هذا الموقف.

وصوّر الفعل (أصارع) شدة دفاع الشاعر عن مذهبه، ونسب المذهب إلى نفسه بقوله (ديني) ليوحي بأنه وحده دافع عن مذهبه في مجتمع مخالف مخالفة صريحة لمذهبه، وقال (ديني) ولم يقل مذهبي ليبين أن مذهبه لا يقل أهمية عن دينه، وكأنه يريد القول: إنْ ترك مذهبه فكأنه يرتد عن دينه، لذا دفاعه كان أشد، وتمسكه به كان أقوى.

ولعله أدرك قيمة الكلمة والجهاد باللسان الذي لا يقل قيمة عن الجهاد بالسلاح كما يتضح من بيته الثالث، متكئاً على الجملة الاسمية (نصري له) ليؤكد ولاءه لمذهبه، وثباته على موقفه، في وقت كان الولاء له يكلّف غالياً.

وتضمنت الأبيات السابقة مقارنة بين موقف الشاعر وموقف صلاح الدين في ذلك الوقت، فهاهو- كما صوّر نفسه – يخوض معركة للدفاع عن مذهبه، بينما لم يفعل صلاح الدين شيئاً - في ذلك الوقت – لنصرة مذهبه من وجهة نظره، ومع أنه يخاطب صلاح الدين إلا أنه صرّح بالضمير المنفصل أنت، ولسان حاله يقول: أنت لم تستطع فعل ما فعلته أنا في ذلك الوقت.

ويتضح حرص الشاعر على إبراز نصرته لمذهبه لأنها من أقوى الحجج التي استند إليها في مواجهة صلاح الدين كما في قوله :

 

وأما لما أوضحته من زعازع

عصفن على ديني ولم أتزعزع

 

وأبرزت ألفاظ (زعازع وعصفن وأتزعزع) ثباته على موقفه على الرغم مما كان يحيط به من شدائد في ذلك الوقت، وهدفه من تصويره هذا إبراز صموده أمام تلك الشدائد دفاعاً عن مذهبه، وترك لـ (عصفن ولم أتزعزع) تصوير حالتين : حالة الشدائد وحالة صبره وصموده، وغايته من سرد هذه المواقف إرسال رسالة إلى صلاح الدين مفادها : هل يمكن نسيان أو إهمال من فعل هذا فيما مضى؟ إذن من وجهة نظره ينبغي على صلاح الدين أن يسارع إلى استقطاب مثل هذا الإنسان، صاحب هذه المواقف، وأن يجزيه على موقفه هذا أحسن الجزاء.

ومما يؤكد صحة كلام الشاعر في نصرته لمذهبه بل تعصبه له قول ابن واصل عنه :" ولم يكن شيعياً، وإنما كان فقيهاً على مذهب الشافعي(24) " وقول الصفدي " وكان فقيهاً شافعياً، شديد التعصب للسنة"(25).

ومغادرة عمارة اليمني لمجلس الوزير الشاعر طلائع بن رزيك غاضباً منه ومَنْ في المجلس، لخوضهم في أمور تتعارض مع معتقده السني، ومكث في بيته ثلاثة أيام متتالية رافضاً الاستجابة إلى دعوة طلائع له بالمثول بين يديه، فما كان منه إلا أن أرسل إليه معتذراً شعراً، ومحمّلاً رسوله ثلاثة آلاف دينار، وردّ عليه عمارة شعراً طالباً منه سدّ هذا الباب(26). وهذا ما أكدّه قوله أيضاً :

 

وردّي ألوف المال لم ألتفت لها

بعيني ولم أحفل ولم أتطّلع

 

وحفل بيته السابق بالجمل المنفية المتتابعة لتصور شدة إصراره على موقفه، وثباته عليه فتراكيب: لم التفت لها ولم أحفل ولم أتطلع، جاءت لترسم صورة كلية لرفضه التنازل عن مذهبه، فهذه الأمثلة تدل على حسن اختيار الشاعر لألفاظه وتراكيبه في سبيل خدمة هدفه الحجاجي.

وجاء جمعه لكلمة (ألوف) للدلالة على ضخامة المبلغ الذي رفضه فهو في يوم واحد فقط رفض قبول ثلاثة آلاف دينار، فما بالك لو قبل العرض الذي عرضه عليه طلائع بن رزيك كم سيأخذ؟ وهنا مكمن المفارقة فها هو فيما مضى رفض بمحض اختياره الألوف، وها هو الآن بأمسّ الحاجة إلى بلغة المتقنع كما يقول ولا يجدها.

ويمكن القول أيضاً إن الشاعر بنى بيته السابق على حجة الاتجاه وهي كما يقول أوليفي روبول تقوم على " رفض أمر ما حتى وإن اعترفنا بأنه في ذاته أمر مقبول أو جيد، لأنه سيكون الوسيلة التي تقودنا إلى غاية لا نريدها(27) " فالشاعر رفض قبول الأموال التي عُرضت عليه مقابل التحول عن مذهبه، فهو رفض هذا الأمر مع أنه كان سيكسب الكثير لو قبلَ به، ومع ذلك لم يتردد لحظة واحدة ورفضه رفضاً قاطعاً بدليل قوله ( ولم ألتفت إليها، ولم أحفل ولم أتطلع) ولو تغيّر في حينه عن مذهبه لما لامه أحد، فهو يعيش برفاهية في ظل الدولة الفاطمية، وهو كان يتوقع الآن أن يُقدّر له موقفه هذا، وتضمن قوله السابق مفارقة تكمن في توقعه أن يُعاقب على رفضه التحول عن مذهبه في العهد الفاطمي، لكن المفاجأة كانت في ازدياد إحسان الفاطميين إليه رغم موقفه هذا، والمفارقة الثانية تكمن في تجاهله ونسيانه الآن على الرغم من الاتحاد في المذهب مع العهد الجديد.

وهذا ما أعلنه صراحة قوله :

 

مذاهبهم في الجود مذهب سُنّة

وإن خالفوني في اعتقاد التشيُّع

 

دامجاً بين حجتي قلب البرهان على صاحبه، وتناقض أقوال الشخص مع أفعاله، بتصويره الفاطميين يحسنون إليه وهم المخالفون له في المذهب، بينما الموافقون له في المذهب أهملوه وتناسوه، وهنا مكمن المفارقة إذا لو أهمله الفاطميون لما لا مهم على ذلك بحكم الاختلاف المذهبي الذي كان يتوقع أن يباعد بينهما، بينما الآن فإن الاتفاق في المذهب باعد بينه وبين العهد الجديد بدل أن يقرّب بينهما، لا بل إن دعاة العهد الجديد - من وجهة نظره – يقولون إنهم ينصرون المذهب السني (مذهب الشاعر) الذي طالما دافع عنه فيما مضى، إذن لو صحّ كلامهم لأحسنوا إليه، وهذا الأمر يُفهم من قوله أيضاً :

 

ملكت عنان النصر ثم خذلتني

وحالي بمرآى من علاك ومسمع

فمال لك لا توسع عليّ، وتلتفت

إليّ التفـات المنـعم المتـبرع

 

فها هو يخاطب صلاح الدين ويبين أنه حقق النصر على الفاطميين والمنتصر – من وجهة نظره – يشمل بعفوه بعض أتباع العهد السابق من باب العفو عند المقدرة، وهذا ما فعله صلاح الدين مع القاضي الفاضل الذي كان يعمل في دوائر الدولة الفاطمية، وقد يكون هو الذي أشار على صلاح الدين بقتل عمارة اليمني(28)، وبفعله هذا بدا القول منسجماً مع الفعل، لكن هذا لم يحدث مع الشاعر مما أثار استغرابه بل استهجانه، لذا جاء قوله ثم خذلتني ليبين أنه لم يتوقع صدور هذا الأمر عن صلاح الدين، وأن ما فعله معه كان مقصوداً، وحجته في ذلك أنه رأى بأم عينه سوء أحواله ومع ذلك لم يفعل شيئاً لتحسينها، وبذا يكون قد حمّل تركيب خذلتني كل ما يعانيه من إحساس بالمرارة، وهنا يظهر المسكوت عنه في النص السابق، وهو المقارنة الضمنية بين ما فعله صلاح الدين معه، وما فعله الفاطميون معه عندما كانوا في السلطة.

كما أن (ثم) توحي أن فترة انتظار الشاعر في تحسن أحواله قد طالت، لذا لم يكن أمامه إلا مواجهة صلاح الدين مستفهماً عن سرّ إهماله له؟ لا بل أنه عاتب صلاح الدين عتاباً صريحاً لاذعاً لعدم شموله بإنعامه وتفضله، وهو الذي فتح أبوابه لـ (معاشر) كما قال أقل قيمة أو شأناً منه في قوله :

 

فأما لأني لست دون معاشر

فتحت لهم باب العطاء الموسَّع

 

ويحتمل تنكيره لكلمة معاشر التحقير لهؤلاء الذين شملهم صلاح الدين بعطائه، وإما للدلالة على كثرة من نال عطاء صلاح الدين، وفي كلتا الحالتين فإنه – من وجهة نظره – يستحق اللوم على فعله هذا، لأنه شمل كُثر برعايته ولكنه تعمد إهمال الشاعر وهو فرد من أفراد رعيته، فكيف يعطي العطاء الكثير لغيره ولمن لا يستحق العطاء، ويحرمه هو مما يراه من حقه !!

ومما يوحي بكثرة عطاء صلاح الدين توظيف الشاعر لصيغتي الجموع (معاشر وعطايا) ومع أنهما تفيدان الجمع (دليل الكثرة) إلا إنه نكّر الأولى للإفادة على الكثرة أيضاً، وعرّف الثانية لتوكيد هذا المعنى، ولم يكتف بذلك بل أتبعهما بكلمة (الموسّع)، إذن صلاح الدين يعطي العطاء الكثير، لكنه يحرم الشاعر من القليل، إذ لو شمله بجزء من عطائه، لما أنقص ذلك من عطائه شيئاً، بل إنه لم يلتفت إليه مجرد التفات – كما يقول – وهذه قمة الإهمال له.

والمحتج لعدالة قضيته لا بد أن يتحدث عن الحجة الواحدة بعدة أساليب، ويتفنن في ذلك، لعله يفلح في إقناع المتلقي بعدالة قضيته وجعله يتبنى وجهة نظره أو على الأقل يستميله إلى صفه، هذا ما أفصح عن قوله* :

 

وكم مات نضناض اللسان من الظما

وكم شرقت بالماء أشداق ألكع

 

وتضافرت كم الخبرية مع الكناية لتشعر بنفاد صبره، وفي الوقت ذاته لتبرز سوء حاله، ومن جهة أخرى لتبين مقدار استيائه مما فعله صلاح الدين به، ثم جاءت المقابلة لتصور البون الشاسع بين موقفي صلاح الدين الذي يجعل من بكفاءة الشاعر يموت ظمأ، وفي الوقت ذاته ها هو الألكع يشرق من الخيرات التي منحه إياها صلاح الدين. ومع أنّ كم تفيد التكثير في البيت السابق إلا أن الشاعر كررها مرتين، وبات المعنى الذي يقصده واضحاً في ذهن المتلقي.

وانتقى الشاعر ألفاظه وتراكيبه بعنايه فهو وضع ظمأ اللسان في مقابل الشرق بالماء، ليكني عن قلة ما يملكه، وكثرة ما يملكه غيره، إذن هو يريد تصوير صلاح الدين يمنع من يستحق العطاء ويعطي العطاء الكثير لمن لا يستحقه، وفي هذا تعريض بحكمته.

وإذا كان نجاح الخطاب الحجاجي " يتوقف على مدى ذكاء صاحبه في اختيار اتجاه الحجة: اتجاهها الأصلي المتصل بتثبيت العلاقة بين الشخص وأعماله، أو اتجاهها المعاكس المتصل بكسر هذه العلاقة وبترها "(29) فالشاعر بدا حريصاً على إظهار أن صلاح الدين يقول شيئاً ويلتزم به مع الآخرين، أما مع الشاعر فلا يلتزم به، متخذاً من المدح الظاهري وسيلته في هذا المجال، كما في قوله:

 

فيا راعي الإسلام كيف تركتها

فريقي ضياع من عرايا وجُوّع

 

ولعله بهذا يذكّره بواجبه نحوه بصفته أحد أفراد رعيته الذي عليه واجب رعايتهم، ولعله يلمح إلى قوله عليه السلام : أيما وهذا تعريض غير مباشر بصلاح الدين، ولسان حال الشاعر يقول: إذا كنت سلطاناً للمسلمين فكيف تترك أحد أفراد رعيتك (قاصداً نفسه) جائعاً !! وها هو المسكوت عنه في البيت السابق يظهر جلياً من خلال الاستفهام (كيف تركتها) فالاستفهام هنا يعكس رغبة الشاعر في إلجام المخاطب بحجته ليظهر التناقض بين قوله وفعله(30)، وعدم ثباته على موقفه.

وخشية أن يُظن أن صلاح الدين لا يعلم بحال الشاعر، لذا جاء رده صريحاً ومباشراً في قوله :

 

دعوتك من قرب وبعد فهب لنا

جوابك فالباري يجيب إذا دُعى

 

فقوله (دعوتك) يدل على أنه أرسل أكثر من رسالة إلى صلاح الدين دونما استجابة، لذا أبرز الطباق (قرب وبعد) إهمال صلاح الدين له، فها هو يدعوه ويلح في دعائه، كما أنه عبّر بصيغة الجمع (دعونك) ولم يقل (دعوتك) ليبين أنه لم يكن وحده الذي يدعو فنساؤه وغلمانه حتى خيله هي الأخرى تستغيث كما يتضح من قوله :

 

أعلل غلماني وخيلي ونسوتي

بما صغتُ من عذر ضعيف مرقّع

 

ومع ذلك لا إجابة، وإذا كان صلاح الدين لا يريد الاستجابة له، فعلى الأقل يرحم ضعف نسوته أو خيله التي باتت هي الأخرى تشكو، لذا لم يجد الشاعر أمامه إلا صيغة الأمر (هب) لعلها تؤثر في صلاح الدين، ويشملهم برعايته، مذكّره بأن الله سبحانه وتعالى يستجيب لمن يدعوه، أما صلاح الدين الذي يسمي نفسه سلطان المسلمين لا يأبه له.

وإزاء هذا الإهمال المتعمد، وعدم الاستجابة إلى شكواه، لجأ إلى الله – سبحانه وتعالى – ليبثه شكواه، لذا جاء تقديمه الجار والمجرور (إلى الله أشكو) في قوله :

 

إلى الله أشكو من ليالي ضرورة

رجعنا بها نحو الجناب المرجَّع

 

ليقصر الشكوى لله تعالى، فهو وحده الذي يستجيب لمن يشكو إليه، مصوراً أن شكواه ستستمر إلى أن يتحقق مراده، هذا ما كشف عنه الفعل المضارع (أشكو).

وعزا سبب ما هو فيه إلى الليالي تلك القوة التي لا يستطيع إزاءها فعل أي شيء لذا أسند الحدث إليها، كما أسنده في مطلع قصيدته إلى الزمن، وها هو يوجه سؤاله إلى صلاح الدين مباشرة في قوله:

 

أمن حسنات الدهر أم سيئاته؟

رضاك عن الدنيا بما صنعت معي

 

وطرح الأسئلة بهذه الطريقة يعد " وسيلة هامة من وسائل الإثارة، ودفع الغير إلى إعلان موقفه إزاء مشكل مطروح"(31) وطاقة السؤال الإقناعية تنبني في أغلب الأحيان على الضمني لا على المصّرح به"(32) والمصّرح به هو ظاهر السؤال، أما ما هو ضمني فتلك الإمكانات المختلفة للإجابة عن السؤال الواحد"(33) وتوجيه الشاعر سؤاله إلى صلاح الدين يدينه مهما كانت إجابته فإن أجاب بـ (نعم) فهو اعتراف منه بظلم الشاعر، وهنا يبرز سؤال آخر كيف يمكن للعادل – كما صوره في أحذ أبياته – يظلم؟وإن أجاب بـ (لا) فمن إذن المسؤول عن سوء حاله الآن؟ بعدما كان له فيما مضى شأن عظيم في العهد السابق، وأيضاً إذا كانت الإجابة لا فماذا فعلت لنصرتي؟ لذا فإن " الافتراضات الضمنية في بعض الأسئلة هي التي تجعل من الاستفهام أسلوباً حجاجياً"(34) ومهما كانت إجابة صلاح الدين فإنه من وجهة نظر الشاعر – الملوم بوصفه الحاكم المسؤول عن أحوال رعيته والشاعر واحد منهم، وحتى لو تجاهل سؤاله ولم يجبه فإنه بتجاهله هذا يولد نقاشاً حجاجياً، وبذا يتضمن الاستفهام الكثير من القدرة على الإقناع والتأثير .

وتضمن قوله :

 

فيا واصل الأزرق كيف تركتني

أمد إلى نيل المنى كفّ أقطع

ظلامة مصدوع الفؤاد فهل لـه

سبيل إلى جبر الفؤاد المصدّع

 

مدحاً لصلاح الدين سرعان ما يتبعه الاستفهام الذي يحمل في طياته الكثير من الاتهام، وبذا يتحول الإقناع إلى الهجوم، والمدح إلى الذم، ويكون المتكلم قد بدأ بالنفاذ إلى مناطق المخاطب وهدم ما يبينه بالخطاب، ويوغل في تصوير المفارقة، وذلك بإبراز التناقض بين المتكلم وأفعاله(35) فهو وصف صلاح الدين بـ (واصل الأزرق) ومع ذلك يمنع الشاعر من رزقه، ولأول مرة يذكر الشاعر الظلم صراحة في قوله(ظلامة مصدوع) ولئن كان فيما مضى يلمح تلميحاً إلى ذلك، فهو يشبه قصيدته بالمظلمة، وصوّر نفسه مصدوع الفؤاد للدلالة على شدة إحساسه بالمرارة، وما بين مصدوع الفؤاد ومجبوره يعيش الشاعر بين أمل يبزغ ثم سرعان ما يخبو.

ومما سبق يتضح أن الشاعر بنى أبياته السابقة على حجة التناقض وعدم الاتفاق، من وجهة نظره أن صلاح الدين قادر على إنصافه ولم ينصفه، وقادر على الإحسان إليه ولم يفعل ذلك، ويعطي كل ذي حق حقه، ولم يعطه حقه، ...الخ.

ولأول مرة يصرّح الشاعر باسم صلاح الدين في قصيدته في قوله:

 

       فقل لصلاح الدين والعدل شأنه

مَن الحكم المصغي إليّ فادّعي

 

وكان فيما مضى يشير إليه إشارة دونما تصريح باسمه، مفتتحاً بيته بـ (قل) وكأنه يخاطب المتلقي الكوني وليس المتلقي الخاص الذي يُوجه إليه قصيدته، وأسس دفاعه في بيته السابق على الواقع الذي يشهد بالعدل لصلاح الدين حتى مع أعدائه،ودعّمه بحجة الاحتمال بأن يشمله بعدله، فهو ربط بطريقة ذكية بين الواقع والمحتمل، لكن النتيجة التي توخاها لم تتحقق، لذا بات من حقه أن يسأل صلاح الدين لمن يلجأ لينصفه؟

وجاء الاعتراض في قوله (والعدل شأنه) ليمهد لاستعطاف صلاح الدين لعله بذلك يصغي إليه، ثم يرفع الظلم عنه هذا من جهة، ومن جهة أخرى ليبين أن العدل مبدأ ثابت عند صلاح الدين بدليل استعانته بالجملة الاسمية للإفادة من دلالتها على الديمومة والثبات، ومن كان هذا شأنه فكيف يظلم؟ أو كيف يمكن للعادل أن يظلم؟ وإذا ما صدر الظلم عن العادل فإن وقعه على النفس أشد، فهل يريد الشاعر بقوله السابق : التشكيك في عدل صلاح الدين ونزاهته؟ أم  يريد لفت انتباهه لعله ينصفه؟ أم يريد تقليد المتنبي في قوله(36) :

 

يا أعدل الناس إلا في معاملتي

فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

 

مادحاً سيف الدولة، فلمن يشكو من كان خصمه هو الحكم في الوقت ذاته! لذا جاء هذا الاستفهام ليشي بما يحمله من ألم دفين في أعماقه، ومن جهة أخرى ليوجه أصابع الاتهام إلى صلاح الدين الذي يراه مسؤولاً عما آل إليه حاله الآن، ولكنه متحرج من البوح بذلك صراحة فإلى متى سيبقى يلمح تلميحاً؟

ويلحظ قارىء هذه القصيدة أن إحساسين تنازعا الشاعر: إحساس يدفعه إلى الترفع والكبرياء وعدم السؤال، وإحساس الحاجة أو ضيق ذات اليد الذي يدفعه دفعاً للتنازل عن كبريائه وكرامته، وهذا ما أفصح عنه قوله*:

 

سكتُّ فقالت ناطقات ضرورتي

إذا حلقات الباب غُلّقن فاقرع

فأدللتُ إدلال المحبّ  وقلت ما

أتأتي بعفو الطبع لا بالتطبّع

 

وكشف توظيفه للفاء في (فقالت/فاقرع) عن سوء حاله، وأن فرصة المقاومة والصمود تتضاءل أمامه، فهو سكت لا يريد الشكوى أو الاستعطاف، لكن ضرورات الحياة أجبرته على التنازل، وليس الكماليات مما يكني عن سوء الحال الذي وصل إليه، وهو الذي اعتاد العيش المترف المرّفه فيما مضى.

ولم يغفل الشاعر الجانب الفني في بيته السابق، فها هو يشخص ضرورات الحياة بصورة كائن حي ينطق ويلح عليه لمراجعة صلاح الدين، كما أنه جمعها ليدلل بذلك على ضيق ذات يده، وليوحي بأنه صبر وتحامل على نفسه قبل أن يتنازل ويشكو أمره إلى صلاح الدين، ونطق ضرورات الحياة يعني أنه استيئس من تحسن أحواله، ولم يعد لديه شيء يقتات به وهذا كشف عنه بجلاء قوله :

 

قنعنا ولم نسألك صـبرا وعفـة

إلى أن عدمنا بلغة المتقّنـع

ولما أغص الريق مجرى حلوقنا

أتيناك نشكو غصة المتوجع

 

فهو لم يعد يملك حتى بلغة المتقنع، وبهذا التصوير المؤثر يدفع الشاعر المتلقي دفعاً إلى مشاركته ألمه ومعاناته، ولا يخلو تصويره هذا من ذم لصلاح الدين إذ كيف يسمح بتردي أحواله إلى هذا المستوى من الحاجة؟

وأبان الاعتراض في قوله (صبرا وعفه) عما يعانيه فهو من جهة لا يريد إذلال نفسه، ومن جهة أخرى فإن الحاجة تدفعه إلى السؤال، ولولا أنه لم يعد يملك بلغة المتقنع لما سأل.

وربما لو كان الشاعر مسؤولاً عن نفسه فقط لصبر أكثر وتحامل على نفسه ولكنه مسؤول – كما أبان في أحد أبياته – عن نسائه، وغلمانه وخيله فحاجة هؤلاء تُضعف إرادة الصمود عنده، إذن الحاجة أصبحت حاجة جماعية بدليل قوله: قنعنا، ونسألك وعدمنا وحلوقنا، وأتيناك ونشكو.

 ومن الحجج التي استند إليها الشاعر في محاولته التأثير في صلاح الدين وإقناعه بالعدول عن موقفه منه، تعداده لمناقبه، وبيان مواهبه المتعددة، وإبراز مواقفه للدفاع عن مذهبه، كل هذا جاء في سياق افتخاره بنفسه، وهدفه من ذلك تحقيق أمرين : أولهما : التخفيف عن نفسه، والتعويض عما يعانيه الآن من إهمال ونسيان، ويبين أنه غير مسؤول عمّ آل إليه حاله الآن، وثانيهما : إبراز مواهبه أمام صلاح الدين لعله يقدرها، فيعود إلى ما كان عليه في الماضي، أو لعله يستعيد بعضاً من بريق الماضي وألقه، وإن لم يحدث هذا فإنه يتهم صلاح الدين ضمناً بعدم تقدير الكفاءات بدليل أنه لم يحسن التعامل مع من كانت هذه صفاته، إذن هو يوجّه رسالة واضحة لصلاح الدين مفادها : أنه سيخسر كثيراً لعدم قدرته على استقطاب إنسان هذه صفاته، وهذه إمكاناته، فالفخر جاء في سياق احتجاج الشاعر على ما فعله به صلاح الدين، لذا فهو بحاجة إلى ما يدعم رأيه ويسنده، لذا تتالت الأبيات الفخريه في قصيدته.

ومن الطبيعي أن يكون فخره بما لديه من موهبة أدبية فهو شاعر وكاتب، إدراكاً منه أن صلاح الدين يقدّر الأدب وأهله، بدليل التفاف مجموعة من الأدباء والشعراء والكتّاب حوله، فهم بمنزلة وسائل الإعلام في وقتنا الحاضر يؤدون ما تؤديه من خدمات للدول، وكان صلاح الدين بأمسّ الحاجة إليهم، ولسان حال الشاعر يقول: لِم لا يضمه صلاح الدين إلى قائمة أدبائه؟ ولِمَ لا؟ وهو كما صوّر لا يقل قيمة في مكانته الأدبية عن ابن المقفع في قوله*:

 

وعندي من الآداب ما لو شرحته

تيّقنت أني قدوة ابن المقفع

 

وحتى لا يُظن أن ما يقوله من باب المبالغة، استعان بالمؤكدات الدالة على صدقه (تيّقنت، وأني قدوة) فالفعل تيقن يحمل في طياته الجزم وهو شكل من أشكال التوكيد، وأداة التوكيد أنّ واسمية الجملة، لذا جاء تقديمه شبه الجملة (عندي) للإيحاء بأنه يملك كنزاً مهما (الأدب) لكنه كنز مهمل ولم يستثمر بالصورة الصحيحة حتى الآن.

وعاد للافتخار ثانية بقدرته على نظم الشعر في قوله :

 

وأمّا لفـن واحد مـن معـارف

هو النظم إلا إنـه نظـم  مبـدع

فإن سمتني نظما ظفرت بمُفلـق

وإن سمتني نثرا ظـفرت بِمصقَع

طباع وفي المطبوع من خطراته

غنىً عن أفانيـن الكلام المصـنّع

 

ليكون وسيلة من وسائل التأثير في صلاح الدين، وليكون رافداً من روافد إقناعه، لذا تفنن في الإعلاء من شأن أدبه، وربما كان محقاً في وصفه هذا فقد شهد له من ترجم لحياته بهذا الأمر فعلى سبيل المثال قال ابن خلكان عنه " كان أدبياً ماهراً، شاعر مجيداً، هادئاً ممتعاً" وقال العماد الأصفهاني عنه : " كان ذا قدرة على النظم الحسن، وبلاغة في اللهجة واللسن، وشعره كثير، وعلمه غزير(38) وعده ابن واصل من الشعراء الفحول المجيدين"(39) لذا جاء أسلوب القصر (هو النظم) ليصور مدى اعتزازه بموهبته، وفي الوقت ذاته ليصور مدى حزنه أو أسفه لعدم تقدير صلاح الدين له كما أنه بيّن أنه يتفوق في النظم والنثر معاً، وهذا من المزايا التي قلما اجتمعت في شاعر، كما يتضح من بيته الثاني، وهو بفعله هذا يعرض بضاعته أمام صلاح الدين، ويروّج لها لعله يستثمرها، لذا أعلى من شأن نظمه بوصفه بالمفلق أمّا نثره فوصفه بالمصقع، ووصف شعره بالمطبوع الذي يأتي وليد السليقة لا الصنعة والتصنع. ومما يجدر ذكره أن الأبيات السابقة تضمنت آراء نقدية للشاعر، وكأنه الآن يتحول إلى ناقد يبرز محاسن شعره ونثره وهدفه من خطابه السابق التعريض بصلاح الدين لإهماله شاعر وناثر وربما ناقد، وهو الذي يقرّب الشعراء والأدباء حوله، وبفعله هذا – من وجهة نظر الشاعر – يكون فعله ناقض قوله.

وتتالت التشبيهات لتصور مدى اعتزاز الشاعر بنفسه وفي الوقت نفسه يُعرّض بمن أهمله ففي قوله:

 

وما أنا إلا قائم السيف لم يُصنْ

بكفٍ ودرٍّ لم يجد مِنْ  مرصّع

وياقوتة في سـلك عقد مـداره

على خرزات من عقيق مُجزّع

 

فهو شّبه نفسه بالسيف الذي بقي في غمده، لا لعيب فيه وإنما لأنه لم يجد من يشهره، وشّبه نفسه أيضاً بالدر الذي لم يجد من ينظمه، وبالياقوت الذي لم يجد من ينظمه، وأدت التشبيهات في النص السابق دوراً حجاجياً مفاده: أن الشاعر ما زال محتفظاً بمصادر قوته، وأنه أصبح بمنزلة الطاقة المعُطلّة إلى حين، لكن يمكن إعادة استثمارها إذا وجدت من يحسن ذلك، ولئن لمّح إلى هذا المعنى تلميحاً إلا أنه ذكره صراحة في قوله :

 

فيا زارع الإحسان في كل تربة

ظفرت بأرضٍ تنبت الشكر فازرع

 

وعلى الرغم من أن البيت السابق تضّمن صورة مشرقة في ظاهرها لصلاح الدين، إلا أن المدح فيها لم يكن خالصاً له بدليل تضمينه الشطر الثاني صورة مشرقة لنفسه، فهو من جهة شبّه صلاح الدين بالمزارع الذي يزرع الإحسان في كل مكان لكن هذا المزارع أهمل قطعة من أرضه خصبة جداً ما زالت تنتظر منه الالتفات إليها واستثمارها، لذا شبّه نفسه بالتربة الخصبة التي تنبت الخير الوفير إذا ما اعتني بها، فالنبات لا ينمو إلا في أرض صالحة للزراعة، ومهما كان المزارع ماهراً فلن يجني الثمر إذا زرع في أرض جرداء، بل كيف يمكن له أن يزرع في الأرض الجرداء ويترك الأرض الخصبة : وكذا شأن صلاح الدين معه فهو إذا زرع في أرض خصبة (الشاعر) سيجني ثمراً وفيراً، فماذا ينتظر إذن؟

وأفادت (كل) لدلالتها على العموم كثرة إحسان صلاح الدين وعطائه، ولكنه – من وجهة نظر الشاعر – لم يشمل الجزء بإحسانه، وكشفت الفاء في قوله فازرع عن رغبة الشاعر الملحة في أن ينجح في التأثير في صلاح الدين ويسارع إلى الاستجابة لرجائه، إذن إيحاءات شيء يمكن اكتشافها في الصور السابقة لأن قيمة أي صورة تقاس بمدى طاقتها الايحائية ومدى الوظيفة التي تؤديها في توصيل أبعاد الرؤية الشعرية للشاعر(39).

وقد نسأل ما الذي يريده الشاعر بعد مرافعته هذه عن نفسه من صلاح الدين، وتأتي الإجابة صريحة واضحة في قوله :

 

سـألتك في دين ليـاليـك سـقنه

وألزمتنيه كارها غيـر طيّع

وهاجرت أرجو منك إطلاق راتب

تقرّر من أزمان كسرى وتبّع

 

فهو يرجو سداد دينه،وإطلاق راتبه، يريد الحصول على حق من حقوقه لا زيادة عما تقرر له. معبّراً بالفعل المضارع (أرجو) عن مطلبه في الحصول على راتبه دليل على أنه لم يحصل عليه حتى الآن، وعبّر بالفعل الماضي (تقرر) ليؤكد على مشروعية حقه في راتبه الذي منعه إياه صلاح الدين، وكأنه يريد القول له: إن لم ترد الإحسان إليّ فعلى الأقل لا تحرمني من راتبي.

ولم يجد الشاعر هنا سبيلاً لإقناع صلاح الدين، وحمله على تبني وجهة نظره إلا الاستعانة باسمي كسرى وتبّع للإشعار بِقَدم حقه في راتبه، ولبيان أن مَن سبق صلاح الدين التزم بهذا الأمر، فلِمَ لم يلتزم هو به؟ إذن حقه في راتبه ليس بالأمر الطارئ، وهو لا يطلب إحساناً من أحد، أو شفقة عليه. وألحّت على الشاعر فكرة أن صلاح الدين هو الذي يمنعه راتبه كما يتضح من قوله :

 

وقد صدّرت في طيّ ذا النظم رقعة

غدا طمعي فيها إلى خير مطمع

أريـد بها إطلاق ديـني وراتـبي

فأطلقهما بالأمـر منـك ووقّـع

 

فها هو للمرة الثانية يصرّح بما يريده من صلاح الدين، ولئن كان فيما مضى يلمح تلميحاً، إلا أنه لم يعد للتلميح محلاً، لذا لا بد من التصريح ورفع الصوت عالياً، لذا جاء فعل الأمر (فأطلقهما) للإشعار بأن فترة انتظاره طالت، وبدأ صبره ينفد، فانتقاء الألفاظ أدى دوراً حجاجياً مهماً فتتابع ألفاظ (إطلاق، فأطلقهما) يوحي بأن صلاح الدين بمنزلة القيد الذي يحول دون إعطاء الشاعر حقه.

وبتكراره لياء المتكلم في قوله (ديني وراتبي) يبين أنه يطالب بحق من حقوقه، ولا مِنّة لأحد عليه في ذلك، كما أن تقديمه لديني على راتبي يصور أنه لم يعد يملك شيئاً بدليل أن الديون استغرقت ما كان يملكه، ولم يجد أمامه إلا إرسال هذه الشكوى أو الاستغاثة.

وما زال الأمل يحدوه – حتى اللحظة الأخيرة - أن يسمع صلاح الدين شكواه، كما يتضح من الصورة المشرقة التي تخيلها للخير العميم الذي سيعود عليه بعد أن يشمله صلاح الدين بعدله وعفوه :

 

وما هي إلا مدة نستمدها

وقد فجّت الأرزاق من كل منبع

 

مستعيناً بمؤكدين : القصر (ما وإلا) والتحقيق (قد والفعل الماضي) ليطمئن نفسه هذا من جهة، ومن جهة أخرى لعله يريد إحراج صلاح الدين بإبراز مقدار الخير الذي منعه عنه، فهو من وجهة نظهره يستحق العطاء لا الحرمان. ويُظهر قوله (فُجت) قاصداً الأرزاق التي تنتظره وكأن صلاح الدين كان يحبسها، وبمجرد أن أتيحت لها الفرصة ها هي تنطلق بقوة.

ويصور التعميم الناتج عن (كل) الخير الكثير الذي سيأتيه من جهات عدة، فلأرزاق كأنها تريد الوصول إليه، لكن هناك مانع يمنعها فبمجرد زواله انطلقت بسرعة، فماذا ينتظر صلاح الدين؟

ولم يكن أمام الشاعر بعد أن أنهى مرافعته عن حاله إلا تفويض أمره إلى صلاح الدين كما يتضح قوله :

 

إلى ها هنا أنهي حديثي وأنتهي

ومـا شئت في حقي من الخير فاصنع

فإنك أهل الجود والبرّ والتـقى

ووضع الأيادي البيض في كل موضع

 

وكشف قوله (أنهي وأنتهي) أنه لا يريد فعل أي شيء بعد إرسال هذه الرسالة، ولم يعد أمامه سوى الانتظار.

وكشف الاعتراض في قوله (من الخير) عن تأمله تحقيق الشيء الكثير على يد صلاح الدين، وعن أمله في أن تؤثر قصيدته هذه فيه، ويحثه على المسارعة في الإحسان إليه بدليل قوله (فاصنع) فلم يعد هناك مجال للتأخير، يكفي المماطلة في إعطائه حقه، لذا جاء تكراره لياء المتكلم في أكثر من موضع، وكذا تكراره لألفاظ من مثل : حقي وراتبي.

وختم قصيدته متفائلاً بأن صلاح الدين سيستجيب له، لذا تلطف في خطابه وذلك بذكره مجموعه من صفاته (الكرم والبر والتقوى والأيادي البيضاء) لعله بهذا يريد أن يكون آخر ما يطرق سمع صلاحا لدين مدحه، إدراكاً منه بأن الخاتمة ينبغي أن تكون كما يقول ابن رشيق: " وأما الانتهاء فهو قاعدة القصيدة، وآخر ما يبقي منها في الأسماع، وسبيله أن يكون محكماً: لا تمكن الزيادة عليه، ولا يأتي بعده أحسن منه، وإذا كان أول الشعر مفتاحاً له وجب أن يكون الآخر قفلاً عليه"(41) . لذا جعل آخر ما يسمعه منه صلاح الدين الثناء على شمائله، وهذا من وسائل التأثير فهو عمد إلى تحريك مكامن المروءة فيه ليدفعه إلى الإحسان إليه، وبذا نفسر إغداقه عليه من الصفات أفضلها وهي على التوالي: الكرم والبر والتقوى وصاحب الأيادي البيضاء، ليقول له : مَن كانت هذه شمائله لا يمكن أن يظلم الشاعر، ويستمر في إهماله ونسيانه فالخاتمة تتضمن حجاجياً نتيجة الخطاب التي يسعى الشاعر إلى ترسيخها وتثبيتها.

والشاعر يقرّ لصلاح الدين بتمتعه بهذه الصفات – رغم إهماله له ونسيانه – وغايته من هذا الخطاب تصوير نفسه بصورة الإنسان الموضوعي الذي ينصف حتى من كان السبب في الحطّ من شأنه. فالصفات التي اختارها " تنهض بدور حجاجي يتمثل في كون الصفة إذ نختارها تجلو وجهة نظرنا وموقفنا من الموضوع "(42) فالشاعر أحسن في اختياره لصفات صلاح الدين مما جعلها ملائمة لخطابه الحجاجي، فالكريم وصاحب الأيادي البيضاء يعطي ولا يحرم أحداً من عطائه، والبر التقي لا يظلم ويعطي كل ذي حق حقه.

لكن شاءت الأقدار ألا يستجيب صلاح الدين له، ولعله تفطن إلى ما في القصيدة من مدح في ظاهره، وذم في باطنه، ولا أدري كيف تصنف هذه القصيدة في المدح، فكما اتضح فالشاعر يعرّض به التعريض تلو التعريض، بل وصل الأمر إلى التصريح المباشر بذمه، ولم يكتفِ بهذا بل منّ عليه بدفاعه عن المذهب الشافعي عندما كان يعيش في بلاط العهد السابق، وهذا ما التفت إليه الصفدي بقوله :" الذي أظنّه وتقضي به ألمعيتي أن هذه القصيدة كانت أحد أسباب شنقه – والله أعلم – لأن الملوك لا يخاطبون بمثل هذا الخطاب، ولا يواجهون بهذه الألفاظ، وهذا الإذلال الذي يؤدي إلى الإذلال"(43) .

ومهما كان السبب يمكننا القول إن على صاحب الخطاب الحجاجي " حسن اختيار مقدماته والمسلمات التي يبني عليها خطابه، لأنه يكفي أن يرفض المتلقي إحداها لينهار البناء الحجاجي كله"(444 لذا لم تجد قصيدة عمارة نفعاً، ثم شاءت الأقدار أن ينضم إلى جماعة كانت تسعى إلى إعادة العهد السابق، ثم كُشِفَ أمرها وحكم عليهم بالقتل(45).

فعليه أن يكون بصيراً بترتيب قوله، عالماً بمراتب المستمعين له في قبوله، فلا يأتيهم منه بما ينافر طبائعهم، ويكون سبباً إلى إعراضهم، ثم لا يزال يلطف لهم في ذلك ويوفيهم من حال إلى حال فيه حتى يبلغ بهم مقصده، فإن ذلك أصوب في الرأي وأولى بالقبول"(46) .


 

النتـائـج

حاول الشاعر الدفاع عن نفسه في قصيدته هذه، وبسط حججه الواحدة تلو الأخرى في مرافعته أمام صلاح الدين، وبدا كالمحامي الذي يحاول إقناع القضاة بعدالة قضيته، لذا نوّع في أساليب العرض، ونوع كذلك في أساليب خطابه لصلاح الدين فهو تارة يذكره باسمه الصريح، وتارة يصفه بـ " زارع الإحسان" و "راعي الإسلام " و " واصل الأرزاق" وتارة بتوجيه الخطاب إليه بكاف الخطاب مثل : نوابكم، وبابكم، ودعوناك ... الخ. فالقصيدة منذ بدايتها حتى نهايتها تتمحور حول صلاح الدين لأنها مُوجّه إليه بوصفه المتلقي الخاص لها، ومن ثم يمكن أن توجه إلى المتلقي الكوني.

وإذا كان الهدف من أي خطاب حجاجي "توفير الوسائل المفضية إلى إقناع الجمهور وحمله على التصديق من خلال التنويع في ضروب التعبير عن الفكرة"(47) والتكرار إحدى هذه الوسائل ونقصد هنا تكرار المعنى لا تكرار اللفظ لأن من يريد التأثير في الآخر وإقناعه، وحمله على الإذعان، لا بد أن يعيد الحديث عن الفكرة نفسها في أكثر من موضع، وبما أن الفكرة لا جديد فيها، يمكننا تسمية هذا النوع من التكرار بـ " التكرار المغالطي أو المضلل، ولكنه فاعل في المتلقي لخفائه وعجز المتلقي عن اكتشافه لأول وهلة(48) " لأنه يظن في بادئ  الأمر أنه سيجد جديداً في الفكرة، لكن عند إمعانه النظر فيها يكتشف أنه لا جديد فيها، إذن لِمَ يفعل الشاعر هذا ؟ لأن غايته التأثير في الآخر وجعله ينحاز إلى وجهة نظره، فالتكرار بهذا المعنى ليس عيباً لأنه يقوم على تطور الطاقة الإقناعية في الكلام(49)، فالتكرار إذن رافد من روافد الإقناع كما اتضح لنا من تكرار الشاعر الحديث عن تفوقه في نظم الشعر، وعن تمسكه بمذهبه ودفاعه عنه، وتصويره لسوء حاله .. الخ.

ولم يطغَ الجانب الحجاجي في قصيدته على الجانب الفني فقد يكون الكلام المبني على الصورة الفنية أكثر قدرة على الإقناع من الكلام العاري من التصوير(50)، لذا لا يمكن للشاعر أن يغفل عن الجانب الفني في حجاجه، فالصورة في موضعها تتضمن طاقة إقناعية لا تقل عن قيمتها الجمالية، كما في تصويره لنفسه بالسيف المهمل وبالدر الذي لم يجد من ينظمه، وكذلك في تصويره لنفسه بالتربه الخصبة التي لم تجد من يعتني بها،.....الخ. فغايته هنا إشعار صلاح الدين بإهماله له، وإن استمرّ في إهماله سيخسر هو أيضاً وليس الشاعر فقط، ودليله على هذا أن العهد السابق استثمره جيداً، أما العهد الحالي فلا يحسن الاستفادة من طاقاته المعطلة الآن .

وخلاصة القول : يمكن للشعر أن يتضمن خطاباً حجاجياً ويقارع الحجة بالحجة كما أبان عن ذلك ابن وهب الكاتب في قوله : "وأما الجدل والمجادلة فهما قول يقصد به إقامة الحجة فيما اختلف فيه اعتقاد المتجادلين، ويستعمل في المذاهب والديانات وفي الحقوق والخصومات، والتنصل من الاعتذارات، ويدخل في الشعر والنثر" (51).

 

الهوامش :

 

* عمارة اليمني (505- 569 هـ) شاعر يمني الأصل قدم إلى مصر في عهد الخليفة الفائز بن الظافر، ثم أقام فيها إلى مماته، أحسن إليه الفاطميون؛ لذا نظم فيهم أروع قصائده وبخاصة بعد مماتهم، حاول التقرب إلى العهد الجديد وذلك بمدحه لصلاح الدين وبعض أقاربه إلا أنه لم ينجح في مسعاه، ثم اتفق مع جماعة من أعيان العهد السابق على إعادة دولتهم، ولما كشف أمرهم حُكِمَ عليهم بالقتل ومن ضمنهم الشاعر الذي شُنِق في يوم السبت ثاني عشر شهر رمضان سنة تسع وستين وخمسمائة بالقاهرة، لمزيد من التفاصيل ينظر: ابن خلكان،أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق : د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت ، 3/431-436، والعماد الأصفهاني الكاتب، خريدة القصر وجريدة العصر، قسم شعراء مصر، تحقيق : د. شكري فيصل، المطبعة الهاشمية، دمشق، 1964، 3/101-107، والصفدي، صلاح الدين خليل بن أبيك، كتاب الوافي بالوفيات، تحقيق واعتناء: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 2000. ، 22/237-245.

(1)     ابن خلكان، وفيات الأعيان، 3/434.

(2)     العماد الأصفهاني، الخريدة، 3/103.

(3)     نعمان بوقرة، نظرية الحجاج، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب بدمشق، ع 407، آذار، 2005، 92 .

(4)     حمادي صمود، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغريبة من أرسطو إلى اليوم، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، تونس، كلية الآداب، منّوبة، 299.

(5)     سامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي القديم من الجاهلية إلى القرن الثاني للهجرة، بنيته وأساليبه، عالم الكتب الحديث، إربد، وجدارا الكتاب العالمي، عمان، 2008، 83.

(6)     أبو هلال العسكري ، كتاب الصناعتين، تحقيق : علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم ، منشورات المكتبة العصرية ، بيروت ، 1986،69 .

*  عمارة اليمني، ديوان الشاعر عمارة بن أبي الحسن علي بن محمد بن زيدان القحطاني اليمني، شرح وتحقيق : عبد الرحمن بن يحيى الإرياني وأحمد عبدالرحمن المعلمي، مطبعة عكرمة، دمشق، ط1، 2000 ، 2/681-695.

(7)     سامية الدريدري، الحجاج في هاشميات الكميت، حوليات الجامعة التونسية ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، العدد 40 ، 1996 ، 255 .                                                                                      

(8)      سامية الدريدري، الحجاج في الشعر العربي، 213.

(9)     ابن خلكان، وفيات الأعيان، 3/433.

(10) ابن واصل، جمال الدين محمد بن سالم،مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، تحقيق: د . جمال الدين الشيال، 1/252.

(11) عمارة اليمني، النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية، تحقيق : هرتريغ ورنبرغ، مكتبة مدبولي،القاهرة، ط 2 ، 1991، 32،34 .

     * طلائع بن رزيك، شاعر من شعراء الدولة الفاطمية، أرمني الأصل، سافر إلى مصر، وتدرج في مناصب الدولة الفاطمية إلى أن تولى الوزارة في عهد الخليفتين الفائز والعاضد، عُرف عنه إقامة المجالس للفقهاء والأدباء والشعراء، كان جيد الشعر، وله ديوان كبير في جزئين، وتبادل مجموعة من القصائد الشعرية مع أسامة بن منقذ. لمزيد من التفاصيل ينظر العماد الأصفهاني، الخريدة، قسم شعراء مصر، نشر أحمد أمين وشوقي ضيف وإحسان       عباس، 173-174، 193 والمقريزي، الخطط المقريزية، دار صادر، بيروت، 293، وابن خلكان، وفيات              الأعيان، 2/562-528، واليافعي، مرآة الجنان، تحقيق: عبدالله الجوري، مؤسسة الرسالة، 1984، 310-312.

(12) ابن واصل، مفرج الكروب، 1/212.

(13) السابق، 1/251.

(14) عبداللطيف خليفة، دراسات في سيكولوجية الاغتراب، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة، 21.

(15) السابق، 144.

(16) ريتشارد شاخت، الاغتراب، ترجمة: كامل يوسف حسين، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، ط2، 1999،173.

(17) سامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي،120.

(18) السابق، 121.

(19) السابق، الصفحة نفسها.

(20) ابن كثير، عماد الدين أبو الفداء، تفسير القرآن العظيم، تقديم : عبد القادر الأرناؤوط، دار الفيحاء، دمشق، ودار السلام، الرياض، ط 2 ، 1998 ، 1 / 141 .                                         

      * هذه رواية الصفدي، 22/241، أما رواية الديوان فثوابكم بدلاً من نوابكم. وأرى نوابكم هنا أفضل      من ثوابكم .

(21) سامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي القديم، 153.

(22) أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين،51.

(23) حمادي صمود، أهم نظريات الحجاج، 314، وسامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي القديم، 196، 197  .

(24) حمادي صمود، أهم نظريات الحجاج، 433.

(25) ابن واصل الحموي، مفرج الكروب، 1/251.

(26) الصفدي، كتاب الوافي بالوفيات ،22/237.وينظر : ابن خلكان ، وفيات الأعيان ، 3 / 433 .

(27) عمارة اليمني، ديوان الشاعر، 1/231-232 والنكت العصرية، 43-45.

(28) سامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي القديم، 225.

(29) الصفدي، كتاب الوافي بالوفيات، 22 / 237 ، 243، وأحمد بدوي، الحياة الأدبية في عصر الحروب الصليبية بمصر والشام، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، ط 2 ، 70 .

     *رواية الصفدي، 22/142.

     *الألكع : اللئيم، الدني، الأحمق، ابن منظور، لسان العرب، مادة ( لكع).

(30) سامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي القديم، 230 .

(31) سامية الدريدري، الحجاج في هاشميات الكميت، 262.

(32) سامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي القديم، 141.

(33) السابق، 142.

(34) حمادي صمود، أهم نظريات الحجاج، 394-395.

(35) سامية الدريدري، الحجاج في هاشميات الكميت، 34.

(36)  أبو الطيب المتنبي، ديوان أبي الطيب، شرح أبي البقاء العكبري، ضبطه وصححه : مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، دار المعرفة، بيروت، 3/366.

     * رواية الصفدي 22/241 أفضل من رواية الديوان شكوت.

     * رواية الصفدي، 22/241 أفضل من رواية الديوان قدر.

(37) وفيات الأعيان، 3/433، وينظر: الصفدي، كتاب الوافي بالوفيات، 22/237.

(38) العماد الأصفهاني، الخريدة، 1/103.

(39) ابن واصل الحموي، مفرج الكروب، 1/251.

(40) علي عشري زايد، عن بناء القصيدة العربية الحديثة، مكتبة الشباب القاهرة، ط4، 1995،183 – 184.

(41) ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر، تحقيق : محمد محيي الدين عباد الحميد، دار الجيل بيروت، ط 5 ،1981 ،1 /239.

(42) حمادي صمود، أهم نظريات الحجاج، 316.

(43) الصفدي، كتاب الوافي بالوفيات، 22/243.

(44)  سامية الدريدي، الحجاج في هاشميات الكميت، 251-252.

(45) ابن وهب الكاتب، البرهان في وجوه البيان، تحقيق: د. أحمد مطلوب، ودة : خديجة الحديثي، ساعدت جامعة بغداد على نشره، ط1، 1967، 260.

(46) العماد الأصفهاني، الخريدة، 3/103-104 وينظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان، 3/345.

(47) حمادي صمود، أهم نظريات الحجاج، 322.

(48) سامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي القديم، 172.

(49) السابق، 173.

(50) السابق، 155.

(51) ابن وهب الكاتب، البرهان في وجوه البيان، 222.

المصادر:

ابن خلكان،أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق : د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت.

ابن رشيق القيرواني،العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط5، 1981.

ابن كثير،عماد الدين أبو الفداء، تفسير القرآن العظيم،  تقديم : عبدالقادر الأرناؤوط، دار الفيحاء، دمشق، ودار السلام، الرياض، ط2، 1998.

ابن منظور، محمد بن جلال الدين بن مكرم، لسان العرب، قدم له : عبد الله العلايلي،دار الجيل، بيروت، ودار لسان العرب ،1988 .

ابن واصل،جمال الدين محمد بن سالم، مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، تحقيق : د. جمال الدين الشيال.

ابن وهب الكاتب، البرهان في وجوه البيان، تحقيق د. أحمد مطلوب. ودة. خديجة الحديثي، ساعدت جامعة بغداد على نشره، ط1، 1967.

أبو الطيب المتنبي، ديوان أبي الطيب المتنبي، شرح أبو البقاء العكبري، ضبطه وصححه: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، دار المعرفة.

أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين،  تحقيق : محمد البيجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، 1986.

الصفدي، صلاح الدين خليل بن أبيك، كتاب الوافي بالوفيات، تحقيق واعتناء : أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 2000.

العماد الأصفهاني الكاتب، خريدة القصر وجريدة العصر، قسم شعراء الشام، تحقيق : د. شكري فيصل، المطبعة الهاشمية، دمشق، 1964.

عمارة اليمني، النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية، تحقيق : هرتريغ ورنبرغ، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط2، 1991.

عمارة اليمني، ديوان الشاعر عمارة بن أبي الحسن علي بن محمد بن زيدان القحطاني اليمني، شرح وتحقيق : عبد الرحمن بن يحيى الإرياني وأحمد عبدالرحمن المعلمي، مطبعة عكرمة، دمشق، ط1، 2000.

المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي، الخطط المقريزية ، دار صادر، بيروت.

اليافعي، عفيف الدين أبو السعدات عبدالله بن سعد، مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، تحقيق: عبدالله الجوري، مؤسسة الرسالة، 1984.

المراجع :

أحمد بدوي، الحياة الأدبية في عصر الحروب الصليبية بمصر والشام، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، ط 2 .

حمادي صمود ( إشراف)، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية تونس، كلية الآداب منّوبة.

ريتشارد شاخت، الاغتراب، ترجمة : كامل يوسف حسين، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، ط2، 1999.

سامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي القديم من الجاهلية إلى القرن الثاني للهجرة بنيته وأساليبه،عالم الكتب الحديث، اربد، وجدارا للكتاب العالمي، عمّان 2008.

عبد اللطيف خليفة، دراسات في سيكولوجية الاغتراب،  دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة.

علي عشري زايد، عن بناء القصيدة العربية الحديثة، مكتبة الشباب، القاهرة، ط4، 1995.

الدوريات :

سامية الدريدي، الحجاج في هاشميات الكميت، حوليات الجامعة التونسية، كلية الآداب والعلوم الإنسـانية العدد 40، السنـة 1996.

نعمان بوقرة، نظرية الحجاج، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب بدمشق، ع 407، آذار، 2005.

مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 43: خريف 2009  - 7th Year, :July  Issue 43