مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 43: خريف 2009 - 7th Year, :July Issue 43
اليميــن المسيحـي ودوره في صنـــع القـــــرار الأمريكـــي: دراسة حالة كل من جنوب السودان، الصراع العربي الإسرائيلي
د. بلال علي النسور
باحث سياسي- دكتوراه علاقات دولية- مدير قضاء في وزارة الداخلية الأردنية
مقدمة:
في الوقت الذي اهتم فيه الباحثون بدراسة تأثير اليمين المسيحي الأمريكي في صنع القرار الخارجي لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تصاعد دور اليمين المسيحي عبر الإدارات الجمهورية والديمقراطية، فالرئيس كارتر الديمقراطي والرئيس الجمهوري ريغان استخدما مقولات اليمين المسيحي الديني، وقد تنامى ذلك التأثير ليلعب دورا فاعلا خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
على الرغم من عودة ظهور هذا التيار إلى الفترة الاستعمارية، إلا أن التقاء الدين بالسياسة أدى لظهور هذا التيار جليا في فترة السبعينيات من القرن العشرين وذلك لتأكيد صوته السياسي، نتيجة لاتساع الهوة بين المتدينين من الليبراليين والمحافظين، ثم توثقت العلاقة بين اليمين المسيحي والحزب الجمهوري، وذلك لاتفاقهما في تأييد عودة القيم التقليدية ، وقضايا التعليم والقضايا العسكرية والاقتصادية والجريمة بمعنى الرغبة في رؤية الولايات المتحدة الأمريكية دولة تمتثل لقوانين ومشيئة الرب كما يفهمونها، وأنه يجب أن تتوافق الأخلاقيات الخاصة والعامة مع تعاليم الكتاب المقدس ، وضمان توافق القانون المدني مع القانون الديني وتطبيقه على المؤمنين وغير المؤمنين والتركيز على المدارس العامة بعد البيت والكنيسة ، وذلك انطلاقا من حقيقة مطلقة يؤمن بها التيار اليميني المسيحي وهي أوحى به الرب -المتصف بالقوة والملك- للبشر، فالبشر مخطئون وضائعون بدون الرب، وأن الولايات المتحدة الأمريكية أمة الرب المختارة لتكون مثالا للحياة الورعة في الدنيا.
أهمية الدراسة:
تهدف هذه الدراسة لمعرفة دور اليمين المسيحي الأمريكي في صنع القرار كأحد التيارات الدينية في الولايات المتحدة الأمريكية، وربط ذلك بأثره على العلاقات الدولية من خلال دراسة حالتي (جنوب السودان، الصراع العربي الإسرائيلي).
أهداف الدراسة:
تهدف الدراسة إلى تحقيق الأهداف التالية:
1- التعرف على الدور الذي يقوم به اليمين المحافظ اليميني في السياسة الخارجية الأمريكية وخصوصاً.
2- محاولة فهم حقيقة العلاقة بين اليمين المسيحي الأمريكي والصراع العربي الإسرائيلي وكيفية تأثيره بها.
3- ماهية الدور الذي يقوم به اليمين المسيحي تجاه قضية جنوب السودان ومحاولاته المستمرة في الضغط على الحكومة الأمريكية للعب دور فاعل لخدمة مصالح الجنوبيين في السودان.
منهج الدراسة:
تم إتباع منهج صنع القرار الذي يسعى لتفسير السياسة الخارجية التي تصدر من جانب السلطة من خلال معرفة دور اليمين المسيحي الأمريكي في عملية صنع القرار في حالتي الدراسة التي تمت الإشارة إليهما (جنوب السودان، الصراع العربي الإسرائيلي). ويمكن النظر إلى عملية اتخاذ القرار على أنها من أهم وأخطر المواقف التي تحدد فيها الدولة الإطار العام لتوجهاتها على مستوى سياستها الخارجية والتي تعد انعكاس لسياستها الداخلية.
فعملية اتخاذ القرار تضم مجموعة من القواعد ولإجراءات والتي يعمل من خلالها المشاركون لحل مشكلة معينة فهي تضم الاختيارات المتاحة والتوفيق بين الآراء المختلفة داخل مجموعة اتخاذ القرار.[1] ومن خلالها تجري عملية مفاضلة بين البدائل المختلفة ومن ثم أخذ البديل المطلوب سواء باتخاذه أو تنفيذه.
وعند الحديث عن عملية اتخاذ القرار لابد من التمييز بين عملية إعداد القرار وعملية صنع القرار وأيضا تنفيذه بين انواع ثلاث: خبير السلطة والدبلوماسي والسياسي.[2] إن هذا التمييز يبرز لنا أيضا التمييز بين دور وزير الخارجية في عملية صنع القرار ودور رئيس الدولة في التأثير على ذلك. كون شخصية صانع القرار تلعب دور كبير في عملية اتخاذ القرار نتيجة التأثيرات الناجمة عن البيئة الداخلية والخارجية إضافة إلى المعتقدات والتي تكون لدى صانع القرار، وبشكل خاص تأثير البيئة النفسية( إدراك، والتصورات...)، والخصائص الشخصية لصانع القرار، وتأثيرات الشخصية الكاريزمية للقائد السياسي.[3] فعملية اتخاذ القرار عملية ديناميكية تمر بمراحل عديدة وبمواقف.
تعتبر دراسات لاسويل وسنايدر من الدراسات المهمة التي تناولت أثر البيئة الداخلية والخارجية على عملية صنع القرار في السياسة الخارجية.[4] حيث أن عملية اتخاذ القرار تمر بعدة مراحل مختلفة،(من مرحلة سابقة على إعداد القرار تتضمن المبادأة و التخطيط وجمع المعلومات..، ومرحلة الاختيار بين البدائل المختلفة إلى مرحلة التنفيذ والنتائج).[5]
اما فيشير كارل دويتش فقد ركز على حجم المعلومات المستمدة من البيئة الداخلية والخارجية، وأهميتها داخل عملية اتخاذ القرا، في تعديل وتغيير المعلومات بما يتناسب مع اتخاذ قرار.[6]
فرضية الدراسة:
تقوم هذه الدراسة على عدة فرضيات وهي على شكل سؤالين رئيسيين :
1. هل ظهر الأثر الفاعل لليمين المسيحي الأمريكي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بشكل أكبر مما كان علية قبل الأحداث؟
2. ما هو مدى الدور الذي يضطلع به اليمين المسيحي الأمريكي في التأثير على صنع القرار الأمريكي في العلاقات الدولية(جوانب اهتمامه)؟
الدراسات السابقة:
هنالك العديد من الدراسات السابقة من أبرزها:
1- عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، منتديان نجم الموقع، 18 أكتوبر 2002. لمزيد من التفاصيل star.com www.sits
2- ستيفن سايزر، الصهيون المسيحيون على الطريق إلى هرمجدون، تحرير رشا غريب، مجلة النهضة، المجلد السادس العدد4 أكتوبر 2005.
3- نجلاء محمد مرعي، السياسة الأمريكية تجاه السودان خلال الفترة 1989- 2002، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، 2006.
4- عبد الله صالح، اليمين المسيحي وتأثيره في السياسة الخارجية الأمريكية، مجلة العصر، 10 يوليو 2004.
5- أحمد حانونه، مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بعد 11 سبتمبر، صحيفة الجزيرة، العدد 10907، 9 آب 2002.
تقسيم الدراسة:
قسمت هذه الدراسة إلى ثلاثة فصول، تناول الفصل الأول تأثير اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية من حيث نشأته وتصاعد دوره، أما الفصل الثاني فقد تناول دور اليمين المسيحي تجاه قضية جنوب السودان، وركز الفصل الثالث على تأثير اليمين المسيحي في الصراع العربي الإسرائيلي.
الفصل الأول
تأثير اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية
المبحث الأول : نشأة اليمين المسيحي الأمريكي.
على الرغم من عودة بعض جذور تيار اليمين المسيحي إلى الفترة الاستعمارية إلا أن نشأة اليمين المسيحي تعود إلى البدايات الأولى لتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في القرن السابع عشر على أيدي المهاجرين البروتستانت، الذين هاجروا من بريطانيا بسبب الاضطهاد الذي كان يلاحق البروتستانت في أوروبا بصفة عامة وفي إنجلترا بصفة خاصة،والذين اعتبروا أن أمريكا هي الملجأ والملاذ بوصفها أرضا جديدة يمكن أن يبنوا فيها أحلامهم وعالمهم الخاص. وقد كان هؤلاء البروتستانت ـ الذين يُسمون أيضا الطهوريين ـ يشكلون السواد الأعظم من المهاجرين الأوروبيين إلى أمريكا في القرن السابع عشر، ولذلك فقد سادت كنيستهم ومذهبهم الأرض الجديدة[7].
فقد سيطروا على كل سلطة في معظم المناطق التي استقروا فيها حتى أواخر القرن الثامن عشر، عندما شهدت الولايات المتحدة هجرات كثيفة من الكاثوليك ، مما أشعل مخاوف الكنائس البروتستانتية من منافسة الكنيسة الكاثوليكية لها ومشاركتها في الامتيازات والسلطات الدينية التي حققتها في مواجهة الدولة ، ومن ثم فقد تحركت هذه الكنائس البروتستانتية للمطالبة بفصل الدين عن الدولة في مواجهة الكاثوليك ، إلى أن تمكنت بالفعل من إدخال مبدأ الفصل في صلب الدستور الأمريكي من خلال التعديل الدستوري الأول الذي أجري عام 1789، والذي نص على أن " الكونجرس لن يصدر أي قانون بصدد ترسيخ الدين أو منع ممارسته " ، ثم لم يلبث أن ألحقت بذلك التعديل فقرة تنص على " الحق في حرية التعبير الديني لكل الأديان ".[8]
استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية بفضل هؤلاء المهاجرين الجدد في أن تشيد لنفسها بناء اقتصاديا وعسكريا قويا قبل أن تفكر في بدء مرحلة التوسع خارج الحدود ، مما جعل هؤلاء المهاجرين البروتستانت يشعرون ـ بدءا من منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بأن هذا المجتمع الذي شيدوه على أكتافهم مجتمع متميز ووطن استثماري ، فانعكس ذلك في شعورهم بالاستعلاء والتميز تجاه الآخرين .ان فكرة التميز هذه أفرزت داخل تيار اليمين المسيحي الأمريكي ما يسمى بالأصولية البروتستانتية المتشددة ، التي أصلت لفكرة أن هذا التميز لابد أن يسود العالم كله وأرجاء المعمورة قاطبة ، وهي الفكرة التي أفرزت وغذت فيما بعد مبدأ التوسع الإمبراطوري أو الإمبريالي كما يطلق عليه بهدف نشر هذا التميز الذي ولدته قيم وروافد الثقافة الأمريكية، وفقا لمزاعم أصحاب هذا التيار البروتستانتي .[9]
وفي أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، بدأت عدة مجموعات تنسلخ من تحت عباءة الكنيسة البروتستانتية بهدف تنظيم نفسها في المجتمع المدني، فعمدت إلى إنشاء تحالفات ومنظمات وجمعيات وهيئات عديدة ضمن منظومة المجتمع المدني، مثل منظمة الأغلبية الأخلاقية والتحالف الإنجيلي الوطني وعشرات المنظمات والأحلاف الأخرى، ثم بعد أن اجتازت هذه الجمعيات والمنظمات والهيئات مرحلة التنظيم وتكوين الأحلاف بدأت في التغلغل والانتشار في جسد المجتمع الأمريكي كله، وبخاصة في الإعلام والثقافة والسياسة، مستثمرة في ذلك تمويلها للحملات الانتخابية، والتي لم تقتصر على المرشحين البروتستانت فقط، وإنما امتدت لتشمل مرشحين علمانيين ويهودا أيضا بيد أنها ظلت في الوقت نفسه محافظة على تدينها بالبروتستانتية.[10]
إلا أن التقاء الدين بالسياسة أدى لظهور اليمين المسيحي في بداية السبعينيات من القرن الماضي ليؤكد صوته السياسي .وقد كان لظهور اليمين المسيحي الجديد والفجوة المتزايدة بين الدين الليبرالي والمحافظ في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ،بعد أن كان الدين في الخمسينيات في الولايات المتحدة الأمريكية يتسم بالانقسام بين المسيحيين واليهود ،وبين المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت ،وبين طوائف البروتستانت المختلفة ،وابتعد الدين المحافظ عن الأصولية.وابتعد الليبراليون عن الحداثة واقتراب كل منهما من المواقف الوسطية، وأن يبقى دور الدين على أمور الدين فقط والعمل على كسب مهتدين جدد.[11]
من أبرزأنصار هذا التيار بيل غراهام، فرانكلين بيل، بات روبرتسون،جيري فولويل،كينيث كوبلاند،روكس هاميرد،أورال روبرتس،جيم بيكر،جيمي سواغرت،وهؤلاء ومنظماتهم ومؤسساتهم وجمعياتهم لديهم قنوات اتصال مع أكثر من مائة ألف قسيس.[12]
يعتبر العام 1942 نقطة تحول في تاريخ اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية،حيث شهد تأسيس (الرابطة الوطنية للإنجيليينnational association of evangelicats)،حيث تضم هذه الرابطة آلاف من التجمعات المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية ،تبع ذلك تأسيس منظمات مرتبطة بهذا التيار المحافظ الديني مثل الأغلبية الأخلاقية moral majority،مجلس بحوث الأسرة family research council ).وباتخاذ هذا التيار شكله المؤسسي تمكن من أن يكون له تأثير على السلطة التشريعية والتنفيذية في الولايات المتحدة الأمريكية.
ويرى موين اليمين المسيحي أنه "يتكون الآن من منظمات مختلفة راسخة ذات عضوية ، يستخدم قادتها لغة العصر وينظمون الأتباع على مستوى القاعدة. إن الحملة القوية لربط الدين بالحكومة حل محلها جهد هادئ لحشد المواطنين المتعاطفين وكسب الانتخابات ،لقد واءم اليمين المسيحي نفسه مع الممارسات التقليدية للسياسة الأمريكية".[13]
وهناك قضايا جدلية سياسية كأخلاقيات الإجهاض ، ومنع الحمل بوسائل اصطناعية، وتكنولوجيا التناسل الحديثة ودور كل من الرجل والمرأة، وامتد ذلك لعلاقة الكنيسة بالدولة.ثم حدث تحول في أواخر السبعينيات تمثل بالعلاقة الوثيقة بين اليمين المسيحي الجديد والحزب الجمهوري، كالعلاقة بين بيلي جراهام ودوايت أيزنهاور وتطورت لفتح آفاق جديدة أثناء فترة رئاسة نيكسون. ثم امتدت لفترة الترشيح الثاني لريغان لمنصب الرئاسة الأمريكية.
يؤيد هذا التيار عودة القيم التقليدية (البناء التقليدي للأسرة، والقيود على الإجهاض، والحدود على حقوق الشواذ، رعاية المسنين في منازلهم وتقييد التدخل الحكومي في كيفية تنشئة الأبناء). وقضايا التعليم (إقامة الصلاة والعبادة في المدارس العامة، تعليم علوم الخلق، إلغاء تدريس أنماط الحياة غير التقليدية ،تأسيس شبكة للمدارس المسيحية التي لا تخضع للنظم الحكومية). وكذلك تأييد القضايا العسكرية باعتبار الولايات المتحدة الأمريكية القوة العسكرية العظمى الأولى في العالم .وفي القضايا الاقتصادية من خلال تقليل التدخل الحكومي في تنظيم الأعمال والصناعة ونقل المسؤولية عن الرفاهة من الحكومة الفيدرالية إلى القطاع الخاص. وفي قضايا الجريمة باتخاذ موقف صارم بموجب القانون والنظام ،وتعدى ذلك إلى الأهداف السياسية وتسجيل الناخبين وتمويل المرشحين ممن تتوافق أولوياتهم معهم.[14]
تصاعد دور اليمين المسيحي عبر الإدارات الجمهورية والديمقراطية ، فالرئيس كارتر الديمقراطي والرئيس الجمهوري ريغان استخدما مقولات اليمين المسيحي الديني، كما كان مستشاروهم المقربون (جيري فولونيل مؤسس منظمة الأغلبية الأخلاقية )، وساهم هذا التيار مساهمة فاعلة في حملة الرئيس ريغان الانتخابية وكان شعارهم (الولادة مرة أخرى كمسيحيين the born again Christians ).[15]
وبغية تحقيق أهداف هذا التيار بضرورة أن يكون للمسيحيين صوت في الحكومة، فإنهم يروا أن العالم منقسم إلى معسكرين الخير والشر،فالمسيحيون هم معسكر الخير باستثناء المسيحيين الذين لا يؤمنون بقيم اليمين الديني الأمريكي وينظر أنصار هذا التيار على أنهم المختارون وقد تزايد دور اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية خصوصا في التسعينيات فبلغت نسبتهم من الذين يمارسون السياسة حوالي 30% من السكان الأمريكيين وكان لهم عامل الحسم في فوز الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في الولايات الجنوبية والحدودية.[16]
لقد مكنتهم أحداث الحادي عشر من سبتمبر توفير درجة عالية لديهم من التنظير، والقدرة على جمع الأموال والتحالف مع التيارات الأخرى مما أدى للقدرة للتأثير على الرأي العام الأمريكي والضغط على صانعي القرار السياسي الأمريكي الخارجي وكذلك ولعب دورا في القضايا التي امتزج فيها العامل السياسي بالعامل الديني مثل الصراع العربي الإسرائيلي، وفي قضية جنوب السودان التي وضعت على الأجندة السياسية لجورج بوش الابن وإدارته.[17]
بدأ اليمين الديني ينشط في المجتمع المدني الأمريكي مستعينا بالتحالف مع اللوبي الصهيوني بوصفه صاحب الخبرة الأبرز والأكبر في التنظيم من خلال الهيئات والمؤسسات والجمعيات المدنية ، فضلا عن إجادته للعبة ممارسة الضغوط وتوظيف المصالح، وهو ما تمخض في نهاية الأمر عن ظهور تيار قوي ومهم داخل المذهب البروتستانتي عرف باسم الصهيونية المسيحية الأصولي، والتي يقودها الآن في أمريكا القس 'بات روبرتسون' تحت ما يسمي باسم التحالف المسيحي الذي يضم في عضويته مليون عضو ويدير مجموعة هائلة تهيمن على عدد كبير من المؤسسات الإعلامية ، منها شبكة 'فوكس' الإخبارية وشبكة 'إن. بي. سي' وشبكة 'سي. إن. إن' التليفزيونية.[18]
ترتكز المقومات العقائدية لتيار الصهيونية المسيحية على اعتناق ثلاثة مبادئ رئيسية : الإيمان بعودة المسيح وبأن تلك العودة مشروطة بقيام دولة إسرائيل ، وأن قيام إسرائيل لن يتحقق إلا بتجمّع اليهود في فلسطين ، وأن شريعة الله وحدها ( التوراة ) هي التي يجب أن تطبق على اليهود في فلسطين بوصفهم شعب الله المختار.. وقد لعبت هذه الأفكار الثلاثة دورا أساسيا ومحوريا في صناعة وعد بلفور وقرار قيام إسرائيل وتهجير اليهود إليها ، وفي دعمها ومساعدتها وإعفائها من الانصياع للقوانين والمواثيق الدولية فيما بعد .[19]
بلغ نشاط تيار " الصهيونية المسيحية " الذروة في مطلع الثمانينيات، وتحديدا مع وصول الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان إلى سدة الحكم في البيت الأبيض عام 1980، حيث تم التزاوج بين اليمين الديني الأمريكي واليمين السياسي، إذ على الرغم من أن ريجان كان ينتمي إلى التيار اليمين السياسي المحافظ وليس متدينا إلا أنه نجح في توظيف اليمين الديني واستخدامه كأحد الأسلحة المحورية خلال إحيائه المواجهة والحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، الذي كان ريجان يطلق عليه آنذاك لقبإمبراطورية الشر، وذلك على النقيض من سياسة الوفاق التي اتبعها سلفه ريتشارد نيكسون في فترة السبعينيات .[20]
في عهد الرئيس كلينتون تنامى نفوذ هذا التيار بصورة واضحة ، وتجسد هذا النفوذ بشكل صريح في نجاحه في فرض صدور أحد أهم القوانين الأمريكية ، ألا وهو قانون الحرية الدينية الذي أعطى الولايات المتحدة الأمريكية حرية التدخل في شئون دول العالم كافة على أساس ديني ، ومن ثم أصبح هذا القانون بمثابة مؤشر لا تخطئه العين على أن الدين قد بات أحد اللبنات الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية .[21]
يعد جورج بوش الابن أحد أبناء هذا اليمين الديني الأصولي،في العام 1995 أعلن أنه لابد أن يعود إلى الله ، وهو ما يعني حسب التعبيرات الدينية البروتستانتية " التجدد " ، بمعنى أنه أصبح شخصا قد ولد من جديد ، وأصبح شخصا متدينا .ووفقا لهذا المعنى أيضا يمكن القول أن هذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي يصبح فيها اليمين الديني مشاركا في الإدارة الأمريكية ومكونا أساسيا في تشكيلها بعد أن أصبح يسيطر الآن علي أغلب الوزارات في إدارة بوش ، فضلا عن انتماء نائب الرئيس ووزير الدفاع ووزير العدل ونائب وزير الدفاع إليه.
المبحث الثاني
اليمين المسيحي الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر
شهد العام 2000 حملات انتخابية أثارت الجدل حول ما إذا كانت أمريكا علمانية أم متدينة فالمرشح الجمهوري جورج بوش أعلن أن الفيلسوف المفضل لديه هو يسوع المسيح وأنه يعتقد أنه لكي يدخل الجنة فيجب أن يكون مسيحيا وكذلك فان المرشح الديمقراطي أل جور اختار جوزيف ليبرمان نائبا مرشحا له في سباق الرئاسة ليس فقط للفوز بصوت الالتزام الديني والمنادين بأن يكون للدين دور في السياسة. فجوهر النظرة الأمريكية للسياسة الخارجية وللعلاقات الدولية يقوم على المصلحة الأمريكية القومية العليا والتي تتكون من الثروة والدين والقوة،وتعتبر الإدارة الأمريكية الحالية معبرة عن اليمين الديني برؤاه "المانوية"للعالم القائمة على ثنائية الخير والشر والالتزام بتحقيق الإرادة الإلهية في تنقية أمريكا والعالم من الشر.وهذه الرؤية ممكن تحقيقها من خلال المحور(الثقافي،الحضاري،الديني)، المحور (الجغرافي -السياسي: السيطرة على الثروات والموارد)، ومحور (استخدام القوة بأنواعها المختلفة: النووية،الكيماوية والبيولوجية). [22]
لقد شكلت أحداث سبتمبر 2001 نقطة تحول كبيرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية وبداية واضحة لسيطرة اليمين المحافظ الأمريكي وبالأخص فرصة في إبراز وتبني الأفكار والمبادئ التي جاء فيها تيار اليمين، وبالأخص اليمين المحافظ الديني والمحافظ الجديد حول رؤيته للعالم وشكلت بداية فعلية للتحالف بين التيارين ونقاط مشتركة حول بعض القضايا الدولية( جنوب السودان، الصراع العربي – الإسرائيلي).فشكل شهر يناير 2001 للمرة الأولى هذا تحالف بين الجناح المتشدد في الحزب الجمهوري الأمريكي مع اليمين الديني، بيد أن هذا التحالف لم تنتبه المنطقة العربية إلي تأثيره وتداعياته على السياسة الأمريكية الخارجية وعلى العلاقات الدولية بشكل عام إلا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. فلربما كانت النظرة الفاحصة والواعية لمعتقدات اليمين الأمريكي الذي يطغى على تشكيلها ومنطلقاته الدينية ورؤاه الفكرية مدخلا للتحليل والفهم .[23]
الحركة التدبيرية التي تعد واحدة من بين أهم وأخطر الحركات الصهيونية المسيحية الأصولية ـ كافيا لفهم المعتقدات الدينية والأيديولوجية الفكرية لعشرات الحركات والمنظمات التي تنتمي للصهيونية المسيحية ، فهذه الحركة نشأت في الولايات المتحدة بعد قيام دولة إسرائيل ، وكانت تضمّ في أواسط الثمانينيات نحو أكثر من أربعين مليون أمريكي في عضويتها ، وهي تسيطر الآن على قطاع واسع من المنابر الإعلامية الأمريكية وتمتلك محطات تلفزة خاصة بها ، ويشارك قادتها كبار المسئولين في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي الأمريكي ووزارة الخارجية في صناعة القرارات السياسية والعسكرية المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي.[24]
وتعتقد هذه الحركة أنّ الله قد وضع في الكتاب المقدس نبوءات واضحة حول كيفية تدبيره لشؤون الكون ونهايته،تتمثل في قيام دولة إسرائيل وعودة اليهود إليها،ثم هجوم أعداء الله على إسرائيل ووقوع محرقة هرمجدون النووية ( وأعداء إسرائيل هم الروس والعرب،أو بعبارة أدق الشيوعيون والمسلمون بشكل عام)، التي سيعقبها انتشار الخراب والدمار ومقتل الملايين، ومن ثم يظهر المسيح المخلص لتخليص أتباعه ( أي المؤمنين به ) من هذه المحرقة ، وهو ما سيترتب عليه إيمان اليهود الذين نجوا من المحرقة بالمسيح ، وانتشار السلام في مملكة المسيح في أرض جديدة وتحت سماء جديدة لمدة ألف عام.[25]
يؤمن أعضاء تلك الحركة مثل باقي حركات ومنظمات اليمين الديني والصهيونية المسيحية المختلفة بأن قيام الدولة اليهودية في فلسطين إشارة إلى قرب مجيء المسيح عليه السلام، وبأنه ما لم يسيطر اليهود على فلسطين كاملة وتصبح القدس عاصمة لهم، فإن ذلك سيعطل مجيء المسيح، الذي لابد أن يسبق ظهوره حرب نووية مُدمرة ستقع بين إسرائيل وأعدائها، تحصد ما لا يُعدّ ولا يُحصى من أرواح البشر وتنتهي بخراب الأرض. ولعل هذا الاعتقاد هو ما يفسر لنا بوضوح هذا الإصرار الأمريكي الشديد على الالتزام دوما بتسليح إسرائيل بأضخم ترسانات الأسلحة وأحدث التقنيات التكنولوجية، وبدعمها في كل مخططاتها داخل فلسطين وخارجها، استعدادا لتحقيق مزاعم تلك النبوءة ، وضمان انتصار إسرائيل وحلفائها في هذه الحرب المدمرة ضد أعداء الله حسب زعمهم : أكرم إسرائيل .. يكرمك الله. ووفقا لنبوءة هرمجدون هذه ( هرمجدون كلمة عبرية معناها تل مجيدون .[26] ويوجد بشمال فلسطين تلة كبيرة اسمها تل المجيدية )، فإن أعضاء هذه الحركة وأتباعها يؤمنون بأن مهمتهم الأساسية في الحياة هي تدبير وتهيئة كل الأمور التي يمكن أن تعجّل بعودة المسيح إلى الأرض، وعلى رأسها ضرورة إضعاف العرب عسكريا ، وتوفير كافة أشكال الدعم المالي والسياسي والعسكري لإسرائيل ، وتعزيز ترسانتها النووية، فضلا عن إيمانهم التام ـ شأنهم شأن أغلب الحركات المسيحية الأصولية ـ بأن لليهود حقاً تاريخياً ولاهوتياً وقانونياً فيما يسمى "أرض إسرائيل" ، وأن الله يتعامل مع الأمم حسبما تتعامل هذه الأمم مع إسرائيل، ومن ثم فإن الوقوف ضد إسرائيل هو وقوف ضد الله، وهو نفس المعنى الذي عبر عنه "روجر جيسون" عضو الكونغرس عام 1981 أمام المؤتمر الصهيوني حين قال " إن أسباب البركة في الولايات المتحدة ترجع إلى أننا أكرمنا اليهود الذين لجأوا إلى هذه البلاد ، وبُورك فينا لأننا دافعنا عن إسرائيل بانتظام، وبورك فينا لأننا اعترفنا بحق إسرائيل في الأرض ".[27]
ساعد على تعزيز تلك المعتقدات في نفوس الأمريكيين بصفة عامة وفي أوساط اليمين الديني بصفة خاصة مثلما تؤكد الكاتبة الأمريكية " غريس هالسل " في كتابها " النبوءة والسياسة [28]" تتابع انتصارات إسرائيل على دول الجوار العربية ، والتي بلغت ذروتها بعد الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان ، لدرجة أن استطلاعا للرأي أجرته مؤسسة " باتكيلو فيتش " عام 1984 أظهر أن 39 بالمائة من الشعب الأمريكي يؤمنون بأن ( تدمير الأرض بالنار يعني أننا نحن أنفسنا ـ أي الأمريكيين ـ سوف نُدمّر الأرض بـ " هرمجدون " نووية ) ، في حين أظهرت دراسة أخرى أجرتها مؤسسة " نلسن " الأمريكية أن 61 مليون أمريكي يستمعون بانتظام إلى مُبشّرين يقولون : إننا لا نستطيع أن نفعل شيئا لمنع حرب نووية تتفجر في حياتنا ( من المعروف أن الشعب الأمريكي يبلغ عدد سكانه 270 مليون نسمة ، منهم 50 مليون كاثوليكي و15 مليون ملحد وخمسة ملايين يهودي وستة ملايين مسلم تقريبا و199 مليونا ينتمون للعديد من الطوائف والمذاهب والمعتقدات الأخرى ) .[29]
مصطلح " هرمجدون " يحكم الإدارة الأمريكية ففي عام 1998 ارتفعت نسبة المؤمنين بهذه النبوءة بين صفوف الشعب الأمريكي ، حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته مجلة (تايم) الأمريكية أن 51% من الشعب الأمريكي يؤمن بهذه النبوءة ، وأن من بين هؤلاء عددا كبيرا من أعضاء النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة ، بعضهم وزراء وأعضاء في الكونجرس وحكّام ولايات ، فضلا عن إيمان عدد من الرؤساء الأمريكيين مثل جيمي كارتر ورونالد ريجان وجورج بوش بهذه النبوءة ، لدرجة أن ريجان كان يتخذ معظم قراراته السياسية أثناء توليه الرئاسة الأمريكية على أساس النبوءات التوراتية.ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى أن هناك نحو 200 معهد في أنحاء الولايات المتحدة تخرّج طلاّباً مؤمنين بأفكار الحركة التدبيرية وبقرب هرمجدون النوويّة ، وأنه من بين كل أربعة أصوليين إنجيليين هناك ثلاثة أشخاص ينتمون للحركة التدبيرية ويعتقدون أن وقوع كارثة نووية هو وحده فقط الذي يمكن أن يعيد المسيح إلى الأرض .. فضلا عن أنه من بين 80 ألف قسّيس إنجيلي يذيعون يوميا برامج فإن الأكثرية الساحقة منهم ينتمون إلى التدبيرين ، وهم يبثون عبر 1400 محطة دينية في أمريكا رسالة تحت عنوان " هرمجدون قادمة " ، مفادها أنه " لن يكون هناك سلام حتى يعود المسيح، وأن أي تبشير بالسلام قبل هذه العودة هو هرطقة ( تخريف وكفر، وضد كلمة الله والمسيح".[30]
يعد بات روبرتسون من أشهر هؤلاء الأصوليين الإنجيليين الذين يُبشرون على شاشة التلفزيون بنظرية ( هرمجدون ) ، إذ يملك شبكة تلفزيونية مسيحية مكونة من ثلاث محطات ، وتبلغ عائداته السنوية 200 مليون دولار ، وهو مساهم أيضا في محطة تلفزيون الشرق الأوسط في جنوب لبنان ، ويشاهد برامجه أكثر من 16 مليون عائلة أمريكية .. بينما يمتلك جيمي سواجرت ثاني أكبر المحطات الإنجيلية شهرة ، ويشاهد برامجه نحو 9 ملايين منزل ، في حين يملك جيم بيكر ثالث أشهر محطة تبشيرية ، وتتراوح عائداته السنوية ما بين 50 و100 مليون دولار ، ويشاهد برامجه حوالي 6 ملايين منزل .كما تشهد أشرطة الفيديو والكاسيت التي تحمل برامج هؤلاء المنصرين التوراتيين رواجًا شديدا للغاية في أوساط الطبقة المتوسطة الأمريكية ( معظم المؤمنين بهذه النبوءة ينتسبون لتلك الطبقة وهم بالملايين) ، وكذلك الكتب الخاصة بها والتي صارت تباع في شوارع كبريات المدن والولايات الأمريكية كالخبز؛ لدرجة أن كتابا مثل (الكرة الأرضية العظيمة المأسوف عليها) للمنصّر التوراتي هول ليفدسي بيعت منه أكثر من 25 مليون نسخة بعد أيام من طرحه في الأسواق .[31]
هؤلاء المنصّرون الذين يمثّلون الصهيونية المسيحية استطاعوا من خلال نشاطهم إقامة ما يعرف باسم (حزام التوراة) في مجموعة ولايات الجنوب والوسط الأمريكي ، التي تكونت فيها قطاعات واسعة من المسيحيين المتشددين دينيًّا والمؤمنين بنبوءة (هرمجدّون) ، أو نهاية العالم الوشيكة المرتبطة بنزول المسيح المخلص من الشر والخطيئة ، والتي سيسبقها اندلاع حرب نووية ستزهق أرواح أكثر من 3 مليارات إنسان ، وتندلع شرارتها من جبل الهرمجدون الواقع على بعد 55 ميلاً عن تل أبيب ومسافة 15 ميلاً من شاطئ البحر المتوسط ، وهو المكان الذي أخذ أكبر حيز من اهتمام المسيحيين بعد الجنة والنار!.[32]
أفرزت الصهيونية المسيحية أكثر من ألف ومائتي حركة دينية متطرفة، يؤمن أعضاؤها بنبوءة نهاية العالم الموشكة في معركة هرمجدّون ، وهذه الحركات تنتج أفلاماً سياسية على أنها أفلام دينية ( حتى يضمنوا بثها مجاناً في الإذاعات الأمريكيّة تخدم فكرة دعم إسرائيل بوصفها ساحة المواجهة الأخيرة قبل نزول المسيح عليه السلام ، مثل فيلم "إسرائيل مفتاح أمريكا إلى النّجاة " ، وفيلم " القدس د.س ".[33] الذي يأخذ رسالة حول رسالة واضحة للإدارة الأمريكية بإرسال الأسلحة لإسرائيل.
لعل فكرة نزول المسيح هذه وارتباطها بنشوب معركة هرمجدون هي التي دفعت بعض هذه الحركات إلى القيام بانتحارات جماعية بهدف التعجيل بعودة المسيح المخلّص وقيام القيامة ، ومنها جماعة (كوكلس كلان) العنصرية، والنازيون الجدد، وحليقو الرؤوس، وجماعة (دان كورش) الشهيرة ، التي قاد زعيمها (كورش) أتباعه لانتحار جماعي قبل عدة سنوات بمدينة (أكوا) بولاية تكساس من أجل الإسراع بنهاية العالم ، وكذلك القس (جونز) الذي قاد انتحارًا جماعيًّا لأتباعه أيضًا في (جواينا) لنفس السبب، كما كان (ماك تيموثي) الذي دبّر انفجار (أوكلاهوما الشهير) من المنتمين لهذه الجماعات.
تكمن الخطورة بالأفكار التي جاء بها اليمين المسيحي في أنها اتسمت بالبعد الديني في الصراع الدولي. وهذا ما أتضح بالتهديد الأمريكي للسودان بعد أحداث 11 سبتمبر بضرورة إيجاد حل سريع للجنوب المسيحي، إضافة إلى اضفائها شرعية على الممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينية فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي وهذا ما سوف نتناوله لاحقاً.
ربما كانت مقولات إيرفين كريستول الأب الروحي لهذا التيار أبلغ تجسيد لفكر هذا التيار وأجندته السياسية ، فهو يرى أن العناصر الأساسية لفكر اليمين الديني لابد أن تتضمن ثلاثة مقومات أساسية هي : الدين والقومية والنمو الاقتصادي ، إذ يؤمن كريستول بأن الدين هو القوة الرئيسية التي تشكل خصائص البشر وتنظم دوافعهم ، وأن القومية تعبر عن الارتباط بالتاريخ وتتجلى في الدور العقائدي ، ومن ثم فهو يصف الأمة الأمريكية بأنها أمة عقائدية ، بالإضافة إلى النمو الاقتصادي الذي يرى أنه ينبغي أن يكون ملتزما بالأخلاق البروتستانتية .كما يؤمن كريستول ـ وهذا هو الأهم والأخطر ـ بأن الولايات المتحدة الأمريكية دولة خلقت لتكون إمبراطورية ، ويعتبر أن ذلك أحد المسئوليات التي فرضت على الولايات المتحدة تاريخيا وبحكم الجغرافيا ، وأنها ليس لها حيلة فيما وضعت فيه ، حتى ولو كانت قد منيت بالهزيمة في فيتنام أو صادفت بعض الانكسارات في الصومال أو غيرها .. وهذه الأفكار هي التي اعتنقها تيار اليمين الديني داخل الإدارة الأمريكية ، فضلا عن العديد من الأكاديميين والإعلاميين ، الذين شنوا حربا شعواء على أنصار الانفتاح على العالم العربي وانصار فهم القضايا العربية بشكل أكثر موضوعية.[34]
الفصل الثاني
دور اليمين المسيحي تجاه قضية جنوب السودان
استمر النزاع المسلح بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان بقيادة جون جارانج لأكثر من عقدين، بعد أن أعلنت الحركة العصيان ومقاومة سلطة حكومة الخرطوم استهدافا لاستئثار قادتها بحكم جنوب السودان وإعادة توزيع ثروات هذه المنطقة الغنية بما يضمن حصولهم على نصيب عادل منها، وهي المعركة التي نجحت فيها حركة جارنج في استقطاب الإدارة الأمريكية التي لم تتوقف عن اتهام الحكومة السودانية بقتل وإبادة أبناء الجنوب، وقد مارست الإدارة الأمريكية ضغوطا على حكومة السودان خلال جولات المباحثات المستفيضة التي عقدت بين الجانبين في أكثر من عاصمة لقبول الكثير من شروط جارنج إلى أن تم توقيع اتفاق السلام( مشاكس و نيفاشا) والذي تمت بموجبه الاستجابة لعدد من المطالب الجنوبية من حيث مشاركة قادته في تولي المناصب الرسمية، توزيع الثروة.
لعب اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية دورا بما يحدث في السودان باعتباره حربا بين الشمال العربي والجنوب الأفريقي وقامت منظمات تبشيرية مثل منظمة التضامن المسيحي الدولي ومجلس الكنائس العالمي اليمين المسيحي المتطرف، والمجموعة المضادة للعبودية الأمريكية واستطاعت أن تشكل ضغطا على الحكومة الأمريكية[35]، حيث مثلت احدى الطرفين المتصارعين في السياسة الأمريكية تجاه السودان مع لوبي شركات النفط وهو الاتجاه المعارض للحل السياسي السلمي، فهو يحمل أجندة حرب فقد أيدت هذه المنظمات إدارة الرئيس كلينتون لأسباب بعضها أيديولوجي وبعضها نفعي .
تلك الإدارة التي كانت تمارس سياسة عدائية ضد السودان، تتكون من عنصرين كلاهما يتعارض مع مصلحة شركات النفط الأمريكية بمنعها من دخول ساحة التنقيب عن النفط وإنتاجه في السودان، وأخذت تمد قوات جارنج بالأسلحة والمال والدعم اللوجستي [36]، وأولت هذه المنظمات اهتماما أكبر لسلاح الدعاية، من خلال حملة إعلاميه في الوسائل العالمية المتاحة لهم، قوامها تحقيقات صحفية وأفلام تسجيلية ومقابلات تلفزيونية وإخبارية تتعلق بجنوب السودان وجون جارنج، ومن ثم تربط بين النفط السوداني ومستقبل شعب جنوب السودان.
تتكون الرسالة الإعلامية من عنصرين : أولهما أن العائدات المالية المتنامية لصادرات النفط تمكن الحكومة السودانية من تصعيد الحرب، وبالتالي قتل المزيد من مواطني الجنوب، وثانيهما أن شركات النفط الأجنبية العاملة في السودان تساعد الحكومة السودانية على انتهاج سياسة "الأرض المحروقة "في الجنوب ،فالحكومة بناء على طلب هذه الشركات تمارس عمليات إخلاء جماعي لمجموعات من المواطنين الجنوبيين في مناطق جديدة للتنقيب النفطي تقع في أراضي جنوب السودان [37].
بناء على الرسالة الإعلامية المسيحية الأمريكية، قامت جماعات ضغط مثل التضامن المسيحي العالمي والمجموعة المضادة للعبودية الأمريكية وهم من المؤيدين لإسرائيل والمسيحيين الإنجيليين الأمريكيين بتحريف قضيتهم الرئيسية وهي العبودية في السودان، وقاموا بترويج "إسلام مقابل مسيحية"، حيث يرون أن الحرب في السودان امتداد نزاع أوسع بين الأصوليين الإسلاميين المعادون للولايات المتحدة الأمريكية والمسيحيين السلميين،لذا طالبوا باتخاذ إجراءات قاسية في التعامل مع الأصوليين الإسلاميين في الخرطوم، بسبب الاضطهاد الديني ، الأمر الذي أدى لتحالف السياسيين اليمينيين والحزب الجمهوري وأعضاء لجنة الكونجرس التحضيرية الديمقراطية السوداء،فقد تقدمت منظمة التضامن المسيحي العالمي بعد زيارات إلى أجزاء إلى أجزاء جنوبية في السودان بطلبات إلى منظمة مكافحة العبودية الدولية، إحدى منظمات حقوق الإنسان والتي تهتم بقضايا العبودية والممارسات شبة العبودية في العالم، للتحقيق فيما يتعلق بإدعاءات العبودية وممارسات شبة العبودية في السودان وانتشار تجارة العبيد، حيث قامت باتهام القوات الحكومية بالقيام بمداهمات للاستيلاء على العبيد، ولكن وضعت منظمة مكافحة العبودية الدولية مخاوف حول نوع الطلبات المقدمة، حيث شكت بأن تصبح القضية أداه للإجحاف العشوائي والغير مستحق كلياً ضد العرب المسلمون، كما شكلت بطلبات أخرى قدمت أيضا من قبل منظمة التضامن، في إدعاءاتها بأن عشرات الآلاف من الناس استعبدوا في السودان في العام 2004، ورغم هذا التشكيك إلا أن التضامن المسيحي العالمي مستمر في تقديم هذه الطلبات.[38]
لذا يرى بعض المراقبين أن التضامن المسيحي ليس موجود في السودان لضمان إعادة تأكيد الهوية السودانية، بل تحويل الجنوب إلى المسيحية،.بينما يرى مدافعي السلام ( نشطاء في حقوق الإنسان وموظفي الكنيسة) أن الحرب في السودان ليست مسيحي مقابل مسلم أو أفريقي مقابل العربي، كما يرى الإنجيلين ، لكن الكفاح لتصميم النفس ضد الدكتاتورية أصولية، وأتخذ الأسقف الكاثوليكي جون ريكاردو هذا الخط من بيساكولا تالاهاسي، الذي قاد جولة بالمؤتمر الأساقفة الكائوليكيين في السودان، حيث يرى أن كل المحاولات لتحويل الحرب إلى أي عامل واحد يحرف الحقيقة ولا يخدم قضية السلام، حيث يوجد في النزاع بعض الجنوبيين في صفوف الجيش الحكومي، بينما هنالك العديد من المسلمين يعيشون في الجنوب، وفي نفس الوقت جنوبيين يحاربون ضد أحدهما الآخر،ظ فمن هنا نجد الأساقفة الكاثوليك الأمريكان اتخذوا خط معتدل وأكثر واقعية، يوحي بأهمية وجود مبعوث خاص للسودان.[39]
لا يمكن إخفاء دور منظمات اليمين المسيحي في لجنة الحرية الدينية الأمريكية، حيث أن المواقف من المسألة السودانية متبلور بتفصيلاته منذ سنوات شأنه شأن مواقف أخرى تجاه قضايا عديدة، وذلك في إطار ما يمكن تسميته(تديين العلاقات الدولية) أي إعادة النظر في دور الدين في العلاقات الدولية، أو إدراج البعد الديني في هذه العلاقات على الأقل، أنها عودة لحالة كان يعرفها العالم قبل معاهدة وستفاليا 1648، حيث تم توظيف الدين لبلوغ المصالح أو تغطيتها، ففي أكتوبر 1998، أقر الكونجرس الأمريكي بمجلسيه( الشيوخ والنواب) قانون الحرية الدينية في العالم، وهو القانون الذي بموجبه فوضت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها لرصد ومتابعة أوضاع الحرية الدينية في العالم، وتخويل الإدارة الأمريكية باتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة، وقد صدر القانون والذي أبرز دور اليمين المسيحي واللوبي اليهودي من عام 1995 وكان السودان على قمة الدول التي تم الاهتمام بها وقد سمي هذا القانون باسم قانون ووالف سبكتور[40]، فقد خص السودان بقسم كبير حيث اشتمل على ثلاثة عشر قسماً، وأعتبر السودان من الدول الراعية للإرهاب ، ويلاحظ في مسودة هذا القانون عام 1997 ما يلي: [41]
1- أن السودان المطلوب معاقبته، أو أي جهة سودانية تتحالف مع حكومة الشماليين.
2- أن الحديث عن العقوبات الاقتصادية يحمل بدرجة أو أخرى أهمية السيطرة على الثروات الطبيعية السودانية وخاصة النفط والغاز.
لقد بدأ الاهتمام الأمريكي بالسودان بشكل كبير بعد أحداث 11 سبتمبر وكنتيجة للحرب الأمريكية على الإرهاب، شكل التعاون السوداني مع الولايات المتحدة جانب مهم في تسهيل دخول الولايات المتحدة وبقوة في السودان.
فالحرب على الإرهاب دفعت السودان لفتح الملفات الأمنية، فتنبهت الولايات المتحدة للحجم الكبير من المعلومات التي حصلت عليها حول الجماعات الإرهابية وخاصة القاعدة، إضافة إلى الإمكانيات الاقتصادية الكبيرة للسودان، حيث يشكل النفط جانب كبير من اهتمام الولايات المتحدة في السودان، لاسيما إذا ما أدركنا بأن أغلبية النفط في السودان يتركز في جنوب السودان، والتي يتمركز فيه أيضاً الأغلبية المسيحية والتي تشكل مجال اهتمام وضغط اليمين المسيحي الأمريكي على الإدارة الأمريكية لحمايتهم وتميزهم عن أخرهم من الأقليات الأخرى.
أدركت الولايات المتحدة ضرورة زيادة تركيزها على حل الصراع في جنوب السودان بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان[42].
ويأتي هذا التصور من خلال مايلي:
1- الضغط الذي تمارسه اليمين المسيحي الأمريكي واللوبي اليهودي، بضرورة مساعدة الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان في النزاع مع حزب المؤتمر الوطني(حكومة الإنقاذ). والعمل على ممارسة الضغوطات الدولية والإقليمية وإستمرارفرض العقوبات الاقتصادية على السودان، أن لم تقدم الحومة السودانية تنازلت تضمن السيادة والسيطرة للحكومة الجنوبية على إقليم جنوب السودان.
2- إدراك الولايات المتحدة الأمريكية للأهمية الاقتصادية التي يتمتع بها السودان من ثروات نفطية ومعادن، وضرورة دخول الولايات المتحدة بقوة من خلال الاستثمارات والشركات الأمريكية، لاسيما أن الولايات المتحدة بدأت تخشى من النفوذ الاقتصادي لدول مثل: الصين، اندونيسيا وماليزيا...
3- أصبح لدى الولايات المتحدة الأمريكية تصور بأن الحرب على الإرهاب ، حرب تدفع الولايات المتحدة للتدخل في الشؤون الداخلية لجميع الدول ، ذلك أن الشؤون الداخلية لم تعد أمراً سيادياً للدولة في ظل وجود الجماعات الإرهابية وبالذات النظرة الأمريكية إلى أن مصدر الإرهاب هي الدول بحد ذاتها، لذلك فمشكلة السودان( النزاع في جنوب السودان) لم يعد شأنناً داخلياً سودانياً، لاحتمالية استغلال هذا الوضع من الجماعات الإرهابية لتمارس نشاطاتها، خاصة بأنها بدأت تبحث عن مصادر عدم استقرار في العالم كنتيجة لخروجها من أفغانستان بعد سقوط حكومة طالبان.
تمهيد:
شكل تيار اليمين المسيحي في الولايات المتحدة أحد القوى المؤثرة في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية، وبصفة خاصة تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، حيث سعى دائماً لممارسة الضغوط على الإدارات لأمريكية المتعاقبة من أجل الدفع في اتجاه إقامة وطن لليهود في فلسطين، واستخدم لتحقيق ذلك كافة وسائل العمل السياسي والإعلامي والمنابر اللاهوتية.[43]وأسهمت التحولات العميقة في الثقافة الدينية الأمريكية منذ السبعينيات إلى اليوم بخروج الكنائس من الزوايا وهوامش المجتمع، إلى صدارة الحدث السياسي والاجتماعي، بفضل ثورة الإعلام والاتصال، وانتشرت ظاهرة "الكنائس التلفازية"، وتوسعت الطوائف الأصولية على حساب المسيحية التقليدية.
لم تكن الأصولية البروتستانتية التقليدية فيما مضى تهتم بالمشاركة في العمل السياسي، الذي كان ينظر إليه باعتباره صراعاً دنيوياً لا يجوز الانخراط فيه، ولكن هذا الأمر تغير في نهاية السبعينات، بفضل جهود الجمهوريين المحافظين، الذين أدركوا أن عزلة الحزب الجمهوري وعدم انفتاحه على قضايا وقوى أمريكية جديدة، ستحوله إلى حزب أقلية، لاسيما أن الحزب على مدى الخمس عقود الماضية، لم يتمكن من الفوز إلا في 12 انتخابات رئاسية، ولم يسيطر على الكونجرس إلا خلال دورتي انعقاد فقط من بين 24 دورة انعقاد للكونجرس.[44]
برز التأثير الكبير لليمين المسيحي على الإدارات الأمريكية منذ وصول "المحافظين الجدد" إلى الحكم في عهد الرئيس رونالد ريجان عام 1980، مما جعل مفكرو هذا اليمين المحافظ يعبرون عن جوهر فكر اليمين المسيحي، ويوظفونه في السياسة الخارجية الأمريكية، وتشكل تحالف وثيق بين المحافظين الجدد واليمين المسيحي، عبر عن نفسه بصورة واضحة في سياسات إدارة بوش الحالية.ومع تصاعد نفوذ قادة اليمين الديني وتبنيهم مواقف محافظة من القضايا التي تحظى بقدر كبير من الجدل، مثل حقوق المرأة، والإجهاض، وتعليم الثقافة الجنسية والسماح بالعلاقات المثلية، استطاع الجمهوريون أن يجتذبوا الملايين من المسيحيين الأصوليين، من خلال العديد من المنظمات التي أنشئت لهذا الغرض، فضلاً عن برامج الإذاعة والتليفزيون الموجهة بهدف اجتذاب قطاع كبير من المسيحيين الأصوليين، وبذلك استطاع الجمهوريون أن يفوزوا في أربعة من بين ستة انتخابات رئاسية، وأن يهيمنوا على مجلس الشيوخ لسبع دورات انعقاد من بين 12 دورة انعقاد للمجلس، فضلاً عن سيطرتهم على مجلس النواب خلال العقد الأخير.[45]
أصبح قادة اليمين المسيحي يتمتعون بنفوذ كبير في تحديد أولويات
وتوجهات الحزب الجمهوري في حوالي نصف الولايات الأمريكية، وبصفة خاصة في ولايات
الوسط والجنوب وكما أشارت صحيفة "واشنطون بوست"، فإنه للمرة الأولى منذ صعود
المسيحيين المحافظين كقوة سياسية معاصرة، أصبح الرئيس الأمريكي بمثابة القائد
الفعلي لهم من الناحية الواقعية، وقد عبر عن ذلك أحد قادة اليمين المسيحي بقوله "إن
الرب يعرف أن جورج بوش يستحق أن يكون قائداً للحركة المسيحية الأصولية، ولهذا
اختاره لهذه المهمة".
وخلال العقود الماضية، كانت مواقف الجمهوريين تجاه إسرائيل أكثر اعتدالاً، بالنظر
إلى روابط الحزب مع شركات النفط العربية، فضلاً عن اعتقاد المحافظين آنذاك بأن
مزيداً من التأييد لإسرائيل، سوف يدفع العرب، وخاصة من ذوي التوجهات القومية، نحو
السوفيت. ولكن الأمور تغيرت بفضل تزايد نفوذ اليمين المسيحي.ورغم أن تأييد الأصولية
المسيحية لإسرائيل يرجع لسنوات عديدة سابقة فإن قضية دعم إسرائيل لم تحتل مكانة
متقدمة ضمن أولويات الحركة إلا خلال السنوات الأخيرة.[46]وقد
أدرك اليهود الأمريكيين ضرورة التحالف مع اليمين المسيحي، لاعتبارات ديموغرافية
بحتة، حيث إن اليهود في الولايات المتحدة لا يشكلون سوى 3% من الشعب الأمريكي، وقد
أدرك الإسرائيليون أيضاً النفوذ السياسي لليمين المسيحي منذ عدة سنوات، وبصفة خاصة
منذ نهاية التسعينات، وهناك تصريح لرئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو يقول فيه:
ليس لدينا أصدقاء وحلفاء أوثق من الجناح اليميني المسيحي في أمريكا.[47]
هناك العديد من المواقف التي تمكن الحزب الجمهوري خلالها أن يقاوم ضغوط جماعات الضغط اليهودية، وعلى سبيل المثال، فإن إدارة الرئيس ايزنهاور مارست ضغوطاً كبيرة على إسرائيل خلال أزمة السويس عام 1956، كما أن إدارة الرئيس ريجان قامت بتصدير طائرات الإيواكس (الانذار المبكر) للمملكة السعودية عام 1981 رغم معارضة إسرائيل الشديدة لذلك، وأيضا قررت إدارة بوش تأجيل مبلغ العشرة مليارات دولارات، ضمانات القروض لإسرائيل، انتظاراً لما سوف تسفر عنه انتخابات عام 1992، ولم تفلح ضغوط اللوبي اليهودي في ثني الولايات المتحدة عن قرارها.[48]
مع تصاعد نفوذ اليمين المسيحي، أصبح لدى الحزب الجمهوري هيئة ناخبة عريضة من المسيحيين الأصوليين لا يمكن تجاهلها. وكما قال أحد القادة الجمهوريين، فإن هؤلاء أصبح صوتهم عالياً، وقد استطاعوا أن يحولوا قضية دعم ومساندة إسرائيل إلى قضية محورية، تحظى بمكانة متقدمة على قائمة أولويات الأحزاب الأمريكية، بل والإدارة الأمريكية نفسها، إلى درجة أصبح معها تأييد الرئيس بوش لشارون يفوق بمراحل، التأييد الذي تحظى به إسرائيل من جانب أكثر الصهاينة اليهود تشدداً.
لا بد من التعرف على سياق العلاقة الأمريكية الإسرائيلية التاريخي، حيث بدأت هذه العلاقة تؤتي ثمارها ما بين الحركة الصهيونية والولايات المتحدة الأمريكية بداية من القرن العشرين عندما لعبت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي ودرو ويلسون (1913-1921) صاحب مبدأ ويلسون في حق الشعوب في تقرير مصيرها دوراً رئيساً في صدور وعد بلفور سنة 1917م حيث رافق صدور الوعد تنسيق مشترك بين الحكومة البريطانية والولايات المتحدة الأمريكية، وتم إتباع سياسة مشتركة بريطانية أمريكية في إحلال الوجود الصهيوني اليهودي محل الوجود الفلسطيني العربي في فلسطين ، حيث أن التدخل المباشر الأمريكي جاء متأخراً نسبياً في المنطقة رغم أهمية المنطقة الإستراتيجية ،التي كانت ضمن مناطق الحليف البريطاني من خلال التنسيق الذي تم بين بلفور وبراند أيس مستشار الرئيس ويلسون وأركان الإدارة الأمريكية.[49]
ومن يرى الدور الأمريكي، يظن أنه ليس من دور لبريطانيا في صدور الوعد. وكانت إدارة ويلسون من وراء حصول بريطانيا على قرار انتداب فلسطين في مؤتمر سان ريمو، حيث وافق المجلس الأعلى للحلفاء - المنتصرين - في جلسته المنعقدة في سان ريمو (إيطاليا) بتاريخ 25 نيسان 1920م على وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، حيث تم تكليف هربرت صموئيل اليهودي الأصل - الصهيوني المتحمِّس لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين - بأعمال المندوب السامي لبريطانيا في فلسطين، وتم ذلك اعتباراً من تموز 1920، وفي 11/أيلول 1922م أصدر مجلس الشيوخ والنواب قراراً يؤيد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين حيث اتّبعت الولايات المتحدة سياسة مؤيدة «مبدأ ويلسون الذي عرف باسمه، والذي يقضي بحل كل مسألة سواء تتعلق بالأرض أو السيادة أو المسائل الاقتصادية والسياسية، يجب أن يبنى على قبول الناس (الشعوب) الذين يتعلق بهم قبولاً حراً، لا على المصالح المادية أو لفائدة أية دولة أو أمة أخرى ترغب في حل آخر خدمة لنفوذها الخارجي، أو لسيادتها، ذلك في 4/ تموز/1981م» للصهيونية بشكل واضح من حيث التشريع والتسهيل، ووصلت ذروتها بتبني مشروع بيلتمور الشهير Biltmore Program(9). والأهم في السياسة الأمريكية الرسمية يتمثل بالعمل المباشر لخدمة المشروع الصهيوني تشجيع الهجرة اليهودية (الصهيونية) إلى فلسطين، وقد أعلن الحزب الديمقراطي الذي كان يرأسه روزفلت ضمن برنامجه الانتخابي بتاريخ 20/7/1944م، تم فتح باب الهجرة والاستعمار الصهيوني في فلسطين، واتخذ ترومان خطوته الحاسمة الأولى لتشجيع الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، عندما طلب من اتلي رئيس الحكومة البريطاني باسم حكومة الولايات المتحدة بإدخال مائة ألف يهودي إلى فلسطين بتاريخ 4/10/1946م، وطالب كذلك بإدخال مائة ألف يهودي آخرين وأوصى بمشروع تقسيم فلسطين على غرار الخطوط التي اقترحتها الوكالة اليهودية .[50]
وقد كان الضغط الأمريكي وراء الهدنة الأولى التي فرضها مجلس الأمن في حزيران يونيو 1948م ، وكذلك اتفاقية الهدنة الدائمة بين الدول العربية وإسرائيل حيث سعت إدارة ترومان للمساعدة في إدخال إسرائيل في عضوية الأمم المتحدة 11949/5/1 ، رغم عدم توفر شروط العضوية والاكتفاء بتعهد إسرائيلي شكلي دون تحفظ بالالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، وتعهدها بتطبيق القرار 194 (د-3) الصادر في 11/12/1948م ، والتي تضمنها قرار الجمعية العامة/ رقم 273 (د-3) بتاريخ 1949، وكذلك دور واشنطن في إثارة موضوع التعويضات من ألمانيا الغربية، لضحايا الاضطهاد الهتلري، وإجبار حكومة بون على دفع تعويضات إلى إسرائيل بوصفها ممثلة وحيدة للشعب اليهودي كله، هذا من حيث قدم العلاقات ، أما من حيث عمق العلاقات فقد واصلت تجذرها وذروتها من حيث الأهمية في عهد الرئيس ترومان الذي عمل على السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، وكان أول رئيس في العالم يعترف بالدولة العبرية بعد إعلانها بـ11 دقيقة، إضافة للأدوار التي لعبتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة وتعهدها في دعم وحماية ومساندة إسرائيل وضمان تفوقها منذ اللحظة التي اعترفت بها في أيار 1948م، وتقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية والدعم السياسي المتواصل في مجلس الأمن في الأمم المتحدة، أو في تسليحها ابتداء من إنشاء أول مفاعل نووي إسرائيلي سنة 1952م ، وصولاً إلى الدعم التكنولوجي والمالي، وتقديم التسهيلات، وضمانات القروض، وهذا نابع من المنطلق الديني فقد نشرت حميدة النعنع في مقالتها «لهذا تدعم الولايات المتحدة إسرائيل، أن صانعي القرار في أمريكا يحرصون على عدم إظهار خلفياتهم الدينية التي تدفعهم لدعم إسرائيل لكن زلات اللسان أحياناً تفضح أصحابها رغم أن اليهود عادوا إلى فلسطين بموجب وعد بلفور، وليس بموجب وعد إلهي .[51]
وفي هذه المقالة تشير الكاتبة إلى كتاب «العرب اليهود في التاريخ» للكاتب أحمد سوسة،[52] والذي يخصص للجانب الديني في الدعم الذي تقدمه أمريكا لإسرائيل أربعة أجزاء، والذي يعتبر مرجعاً مهماً في هذا المجال، والكاتب سوسة هو مثقف ومفكر عراقي ولد لأسرة يهودية في الثلاثينيات من القرن العشرين اعتنق الديانة الإسلامية بعد دراسته للإسلام واليهودية، يثبت من خلال فصول الكتاب الأربعة الخلفية الدينية للدعم الأمريكي لإسرائيل ولليهود على أساس ما يزعم من أن اليهود هم شعب الله المختار والأمة المفضلة على كل الأمم، وأن عودة اليهود إلى فلسطين وعد إلهي كما يدعون، وخطوة حاسمة على الطريق نحو العودة الثانية كما يدعون، للمسيح مرتبطة بتجميع اليهود في فلسطين وإعادة بناء الهيكل المزعوم، وأن فلسطين العربية المسلمة أرض لميعاد اليهود وفقاً لتفسيرهم للتوراة، ويشار هنا إلى تصاعد قوة اليمين المسيحي باطراد خلال العقدين الماضيين، وتحقيقه مركزاً قوياً في الحزب الجمهوري، وأوساط الكونغرس، شبكة ضغط واسعة وحديثة الظهور نسبياً كقوة سياسية دينية، كما أن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن معروف بتعاطفه مع المسيحيين الإنجيليين الذين يصطفون حالياً مع حق إسرائيل .[53]
بهذا فإن اليمين المسيحي الأمريكي يشكِّل مفتاح الدعم لليمين الصهيوني، فقد صرح تشيني نائب الرئيس الأمريكي في نفس الإطار «أن هذه الصداقة بين أمريكا وإسرائيل - ولدت من قيم ومصالح يتقاسمها إيماننا المشترك» .[54]
هنالك عدة إشارات لدعم اليمين المسيحي الأمريكي لإسرائيل وذلك وفقاً
لما يلي:
1- التعاطف والشعور بالرغبة في تعويضهم عن المعاناة والظلم الذي لحق بهم، ومساعدة
اليهود على بناء دولة لهم وتحقيق أماني اليهود في وطن لهم، يبعدهم عن الخطر إلى
مكان آخر خارج أوروبا التي كان يعيش اليهود فيها ضمن جيتوهات معزولة، والتعبير عن
التعاطف الأمريكي مع اليهود، وتعبيراً عن عقد الذنب الانعكاسية لما حصل مع اليهود،
والتي لاقت ترجمة فعلية وحقيقية لها في شعار «دع العرب يدفعون ثمن استهداف هتلر
لليهود» ، رغم أن (المحرقة) قد قام بها غربيون ألمان وسقط ضحيتها غربيون يقدر عددهم
بـ 6 ملايين خلال حرب الإبادة النازية «بولنديون وأرمن ويهود ومعاقون ومسنون
ألمان»، وبسبب القصف وأعمال السخرة، والموت من الجوع.[55]
2- التوافق الثقافي الرأسمالي: كونها تحلم بما يعرف بالفكر الرأسمالي الحر والديمقراطي، حيث تمثل واحة الديمقراطية في المنطقة، ومركزاً للثقافة الرأسمالية والاستعمارية الإمبريالية (العولمة حالياً)، وقاعدة استعمارية متقدمة في المنطقة العربية، لمحاربة المد الشيوعي في المنطقة سابقاً - رغم أن غالبية الدول العربية سنت قوانين لمحاربة الشيوعية وجزء من التحالف المناهض للثقافة العربية والإسلامية، وللعرب وللمسلمين،.وجزء من حلف ما بعد 11/ أيلول، وكذلك مناهض لأي تحالف مستقبلي ممكن أن يتكوّن.[56]
3- التحالف الاستراتيجي: إسرائيل حليف استراتيجي قوي لأمريكا وقاعدة استعمارية توسعية، تمتلك ترسانة نووية كبيرة، حيث كشفت جهة رسمية في سلاح الجو الأمريكي عن أن بعض القنابل النووية التي تمتلكها إسرائيل، وتشمل قنابل هيدروجين تفوق شدة انفجارها القنابل الذرية العادية بين 100 و1000 مرة طبقاً للمعطيات فإن إسرائيل تحتل المكان الخامس بين الدول النووية، كشفت مقالة نشرت على صفحات موقع الإنترنت التابع لمعهد منع انتشار السلاح النووي، الذي يديره سلاح الجو الأمريكي، أن إسرائيل تملك ما يزيد على 400 رأس نووي وقنابل هيدروجينية، وتصف المقالة تاريخ تطوير القدرة النووية الإسرائيلية، وتدعي أن هذه القدرة تعد أحد الأسباب التي تعزز استمرار الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، وتقوم بدور استراتيجي في المنطقة العربية في التجسس لحساب مشترك أمريكي - إسرائيلي - عسكري وأمني ، حيث أعلن في 30/8/1981م عن اتفاقية التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، رسمياً.[57]
بذلك فإن إسرائيل تكون في قلب المصالح الحيوية لأمريكا، وتقوم بدور استراتيجي، وتتلقى الدعم والإسناد على أساس دورها الحيوي في المنطقة العربية، مع ضمان تفوقها النوعي عسكرياً واقتصادياً وأمنياً، من أجل العمل على تهديد المشاريع العربية الوطنية، واستنزاف العرب، وطلب الاحتماء بأمريكا من إسرائيل. العلاقة بينهما أصيلة، وأن أول من ابتكر لفظ الشرق الأوسط هو الاستراتيجي البحري الأمريكي الأميرال الفرد ماهان في سنة 1902م الذي لفت الانتباه لها مبكراً كمنطقة حيوية ودائمة في مواجهة الإستراتيجية والجغرافيا السياسية بين القوى المتناحرة. ويهدف التحالف الاستراتيجي إلى الحفاظ على الأطماع الإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وحرية المرور المائي، والجوي للولايات المتحدة، وحلفائها في المنطقة العربية وقناة السويس، والبحر الأحمر، وضمان استمرار تدفق النفط العربي الذي يقدر بأكبر مخزون استراتيجي نفطي في العالم، واضعاف المناعة القطرية والإقليمية العربية، وتهديد الأمن والسيادة للمصالح «الجيو استراتيجية»، وضرب أي إمكانية للتقدم التكنولوجي والتقني العربي، وخصوصاً في مجال الصناعات العسكرية، وكذلك السيطرة على مصادر المياه، ، واستمرار فتح الأسواق العربية أمام المنتجات الغربية، ذلك في الوقت الذي كان البحر الأبيض المتوسط مغلقاً أمام حاملات الطائرات الأمريكية.[58]وقد قدمت الولايات المتحدة الأمريكية الدعم لإسرائيل في عدوانها عام 1967، وفي حرب 1973. وفي حرب الخليج الثانية حيث زودت إسرائيل ببطاريات صواريخ الباتريوت المضادة للصواريخ، اضافة إلى ملياري دولار سنوياً مساعدات عسكرية إضافية، ومشروع الدرع الصاروخي.
4- القانوني (البنيوي): ان الرباط الذي يربط المجتمع الأمريكي هو القانون الذي يحكم جميع نواحي الحياة بتشريعات تفصيلية، حيث ان هذه القوانين قد أصبحت قوانين مستقرة بعد أن استقر الوضع السياسي في أمريكا بعد سنوات من انتهاء الحرب الأهلية. وفي هذا الإطار فقد نظمت القوانين والتشريعات العلاقة ما بين الأمريكيين أنفسهم، ومن بينهم اليهودي والأمريكي، وكذلك بين الأمريكيين واليهود من خلال الإطار القانوني نفسه، وان اسرائيل حاضرة بقوة في نسيج المجتمع الأمريكي، حيث ان إقرار أي مساعدات مالية لإسرائيل أو اتفاقيات أو عقود يكون من خلال قانون تشريعي يعرض على الكونغرس ومجلس النواب لإقراره، وتكون إسرائيل حاضرة وبقوة عند نقاش أي قانون أو معاهدة مع أمريكا، ويصبح ساري المفعول بعد المصادقة عليها من قبل الرئيس الأمريكي الذي يقع ضمن صلاحياته عدم إقرار القانون، والقانون في حالتنا هذه يعبر عن التوجه والإطار السياسي الذي تسعى الإدارة الأمريكية لتكريسه كإرادة سياسية، ومن بين هذه القضايا والاهتمامات للإدارات الأمريكية تقع اسرائيل في المقدمة منها، وكذلك فهي جزء هام من البرنامج الانتخابي للرئاسة الأمريكية.[59]
5- التاريخ المشترك والمصالح المشتركة: استطاعت إسرائيل تعظيم المصالح
المشتركة عبر سنوات التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأن تنجح في تنمية
القواسم والمصالح المشتركة، المتداخلة أصلاً، والتي يصعب معها الفصل بين المصالح
الأمريكية والمصالح الإسرائيلية، باعتمادها على أرضية التاريخ المشترك، ففي الوقت
الذي عزلت دول العالم دولة جنوب أفريقيا بسبب ممارستها السابقة والتمييز والفصل
العنصري، بقيت إسرائيل تربطها بجنوب أفريقيا علاقات وثيقة بالرغم من شجب وإدانة
أمريكا لهذا النظام، ولكن إسرائيل مستمرة في إتباع نظام التمييز والفصل العنصري،
وقال فيوت غينغريش الرئيس السابق لمجلس النواب الأمريكي «حسب نفس المصدر» إن
إسرائيل والولايات المتحدة لهما ماض مشترك وجاء ذلك في إطار دفاعه لتعليل القمع
الإسرائيلي للفلسطينيين، ولكن سياسة التمييز والفصل العنصري لا تمثل ماضياً فقط
ولكنها تمثل ماضي وحاضر ومستقبل إسرائيل، وأنها لن تلقى الانتقاد من حليفتها
أمريكيا بسبب التاريخ المشترك فيما يتعلق بنفس السياسة.[60]
6- السياسة الداخلية: ويصف د. محمد عزيز شكري أستاذ القانون الدولي أن علاقة
التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بأنه تحالف استراتيجي نما وتطور بفعل
مجموعة من العوامل الثابتة والمتغيرة في السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية،
واليهود جزء من النسيج الاجتماعي الداخلي الأمريكي يشاركون في الحياة السياسية
والانتخابات بفاعلية كبيرة، ولليهود 306 منظمات صهيونية ومراكز دراسات ، ويتمتعون
بقوة كبيرة داخلية نابعة من فاعلية المشاركة في الانتخابات، والتنظيم الجيد والقوة
المالية والسيطرة على الإعلام، وذلك على النحو التالي:[61]
· الانتخابات: اليهود يتربعون على أعلى قمة مصالح الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والحزبان يتنافسان على الأصوات اليهودية، وعادة ما يكون الرئيس الأمريكي من أحد الحزبين الوحيدين، ويقدَّر عدد الناشطين اليهود في الحياة الحزبية السياسية الأمريكية بمليوني يهودي، وهم الجزء المهم المنظم من النخبة السياسية التي تدفع بمصالح اليهود وإسرائيل، حيث تتقاطع عندهم اللوبيات الثلاث الأهم في أمريكا (لوبي النفط ولوبي الصناعات العسكرية والتكنولوجيا والمال واللوبي الصيهوني). [62] فكل سياسي أمريكي يفكر في الوصول إلى الكونجرس أو الرئاسة ينصح بالقيام بالحج الإجباري إلى إسرائيل، بمعنى أن العواطف الموالية لإسرائيل أصبحت مكوناً حاسماً من المكونات الأساسية لبدايات كل سياسي أمريكي، وبدونها فإنه لا يستطيع جمع الأموال اللازمة والضرورية لحملته الانتخابية.
· المال: وعادة ما يقدم رأس المال اليهودي المنح والتسهيلات والتبرعات المالية للمرشحين لمجلسي النواب الشيوخ، والتصويت لهم مقابل ضمان وقوفهم إلى جانب إسرائيل، فاليهود قوة اقتصادية ومالية كبيرة مؤثرة وخصوصاً في ظل دولة رأسمالية كبيرة كالولايات المتحدة الأمريكية، حيث يستثمر اليهود أموالاً طائلة في الأسواق المالية الأمريكية، وأسهم عدد كبير من شركات التقنيات الإسرائيلية مدرجة في أسواق المال الأمريكية.[63]
· الإعلام: يستطيع اليهود في أمريكا فرض الرؤية والأولويات الإسرائيلية على السياسة الخارجية الأمريكية فيما يتعلق في المنطقة العربية والسياسة الخارجية الأمريكية، خصوصاً ضمن السيطرة اليهودية الكبيرة على الإعلام ومحطات التلفزة المحلية في جميع الولايات الأمريكية، اليهود في أمريكا يمثلون 2% من عدد السكان، ويتحكمون في 98% من وسائل الإعلام (38)، والأخبار، والمحطات المحلية، وشركات الإعلام، والإنتاج السينمائي والتلفزيوني، ودور النشر، والصحف الرئيسة، ومحطات البث الإذاعي، والمجلات المتخصصة، وشركات العلاقات العامة، ومراكز الأبحاث والدراسات، وحسب بحث قامت به جو ووتش Jew Watch في 15/12/99 أن هناك 28 ظهوراً إعلامياً، أو برنامجاً يهودياً في الأخبار يومياً، الأمر الذي يعني أن وسائل الإعلام والصحافة، وأدوات الإعلام مملوكة لرأس المال اليهودي، وتقوم برسم صورة إعلامية، وبث وتوجيه رسائل إعلامية موجهة من قبل اليهود وإسرائيل، والتي تملأ الفضاء الأمريكي بالصورة والصوت، وعلى مدار الساعة يومياً بهدف خلق ثقافة إسرائيلية بحتة للشعب الأمريكي، وخصوصاً إذا ما علمنا أن وسائل الإعلام تبث برامجها لغالبية الشعب الأمريكي، وتتزود المحطات الأوروبية بالمواد الإعلامية والأخبار، ضمن نفس الرؤية الإسرائيلية، وقد كتب في هذا الإطار د. وليام بيرس المعروف بانتقاداته للسيطرة اليهودية على وسائل الإعلام الأمريكية، وقد وصفها بأنها تهدف وتتلاءم مع الأجندة الإسرائيلية فان اللوبي الصهيوني نجح في إرهاب وسائل الإعلام الأمريكية،عبر تعريض كل فرد يتجرأ على إسرائيل لتهمة معاداة السامية.[64]
لقد شكلت أحداث 11 سبتمبر فرصة كبيرة لليمين الأمريكي ولليهود لتأجيج الصراع العربي الإسرائيلي لصالحهم، ويتضح ذلك بأن استغلت إسرائيل الحملة الأمريكية في الحرب على الإرهاب، ونظرت نفسها بأنها إزاء تحالف تاريخي مع الولايات المتحدة في هذه الحرب، وأنها قد وقعت بنفس الأزمة التي وقعت بها الولايات المتحدة في تعرضها للإرهاب.
اعتبرت إسرائيل نفسها بأنها في مواجهة مجموعات إرهابية من الفلسطينيين، بحاجة إلى دعم وتحالف الولايات المتحدة، إلى درجة اعتبار اليمين المسيحي الأمريكي إلى أن الخطر الإرهابي الذي يواجه إسرائيل هو نفسه الذي تواجه الولايات المتحدة، وتأكيداً لهذه الصورة فقد جاء هذا الأمر في خطاب بوش في فبراير 2002 بأن مصدر الإرهاب في الشرق الأوسط أصبح الآن في يد حفنه من الإرهابيين، بإشارة واضحة إلى الفلسطينيين، وقد استغلت إسرائيل هذا الأمر وأصبحت تنظر إلى المنظمات الفلسطينية أنه جزء من الإرهاب العالمي.[65]
ظهر التأثير البالغ لليمين المسيحي على السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في العديد من المواقف، وعلى سبيل المثال، فإنه في أعقاب إدانة بوش المبدئية لمحاولة اغتيال عبد العزيز الرنتيسى في يونيو 2003، قام اليمين المسيحي بتعبئة أنصاره، الذين قاموا بإرسال آلاف من رسائل البريد الاليكتروني، للاحتجاج على انتقادات الولايات المتحدة للسلوك الإسرائيلي.[66]
كان العنصر الهام في هذه الرسائل الاليكترونية هو التهديد الذي تضمنته ومفاده أنه إذا استمرت الضغوط الأمريكية على إسرائيل، فإن اليمين المسيحي سيقاطع الانتخابات. وخلال 24 ساعة، كان هناك تغير ملحوظ في لهجة الرئيس الأمريكي، إذ دافعت الإدارة الأمريكية، كما فعلت مع عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين زعيم حركة حماس في الشهر السابق على اغتيال الرنتيسي، بقوة عن السلوك الإسرائيلي ضد ما أسمته بالإرهاب الفلسطيني.[67]
عندما أصرت الإدارة الأمريكية على ضرورة أن توقف إسرائيل عدوانها على الضفة الغربية في أبريل 2002، تلقى البيت الأبيض أكثر من 100 ألف رسالة إليكترونية من اليمين المحافظ، تحتج على انتقاد الإدارة الأمريكية للتصرفات الإسرائيلية، وهو ما دفع بوش في الحال إلى التراجع، وتبرير العدوان الإسرائيلي، باعتباره رد فعل على الهجمات الفلسطينية التي ينفذها رجال المقاومة.
حين أعلن بوش تأييده لخارطة الطريق، انهالت عليه آلاف البطاقات
البريدية من جانب المسيحيين الأصوليين، الذين أعلنوا اعتراضهم على أية خطة تتحدث عن
دولة فلسطينية، وهو ما دفع بوش للإعلان عن سحب تأييده لخارطة الطريق.
ويعتقد المسيحيون الأصوليون بأن سيطرة إسرائيل وتوسعها الإقليمي ضروري لتسهيل
العودة الثانية للمسيح. ورغم أن هذه العقيدة تشكل عنصراً هاماً في تأييد اليمين
المسيحي لإقامة دولة يهودية توسعية وعدوانية، فإن الأصوليين المسيحيين في الولايات
المتحدة يستندون في تأييدهم لهذه الدولة اليهودية إلى اعتقاد أكثر خطورة، مفاده أن
هناك انقساما في العالم بين خير مطلق وشر مطلق، وهذه العقيدة تعززت بقوة في أعقاب
أحداث 11 سبتمبر.[68]
في اليوم التالي لهجمات 11 سبتمبر، أعلن الرئيس بوش أن هناك صراعاً بين قوى الخير وقوى الشر، وأن الولايات المتحدة ستحارب تنظيمات الإرهاب ومن يساندها ويقف وراءها، مشيراً إلى ثقته في أن الخير سينتصر في النهاية، وستتمكن الولايات المتحدة من قهر أعدائها. وقد أكد بوش على أن الحرب على الإرهاب هي مهمة عهد الرب إليه بها، من أجل الدفاع عن دولته العظمى وهيبتها والتخلص من قوى الشر.[69]
من جانب آخر، فإن كثيراً من أنصار اليمين المسيحي يعتبرون أن ما تتبعه إسرائيل من سياسة توسعية هو جزء من مهمة إلهية مقدسة. ورغم ذلك، فإن هناك خلافات إيديولوجية كبيرة بين مسيحيي الولايات المتحدة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية، ويعتقد البعض أن الفجوة الأيديولوجية بين المسيحيين المحافظين وبين بقية الأمريكيين فيما يتعلق بالغزو الأمريكي للعراق والحرب على "الإرهاب" أكثر عمقاً من الفجوة القائمة بين المسيحيين المحافظين وبقية الأمريكيين فيما يتعلق بإسرائيل والفلسطينيين. ورغم أن هناك دلائل قوية على أن المساندة الأمريكية للسياسات التوسعية الإسرائيلية لا تخدم مصالح أمريكا، فإن هناك اعتقادا أمريكيا قويا بأن إسرائيل تشكل عنصراً جوهرياً لا غنى عنه في سياسة أمريكا تجاه الشرق الأوسط. [70]
إن مساندة أمريكا لإسرائيل، وقبولها بحكومات إسرائيلية قمعية، هو جزء من حسابات إستراتيجية أمريكية، أكثر من كونها مجرد سياسات انحيازية، فعندما يتطلب الأمر اتخاذ قرار ما، فإن اعتبارات الجغرافيا السياسية تتغلب على الو لاءات الدينية، وعلى سبيل المثال فإنه خلال ربع القرن الأخير، ساندت الولايات المتحدة غزو اندونيسيا لتيمور الشرقية، وتساند الآن الغزو المغربي للصحراء الغربية، على الرغم من غياب جماعات الضغط الاندونيسية الأمريكية، أو المغربية الأمريكية. ومما ساعد الولايات المتحدة على مساندة الغزو الأندونيسى والمغربي هو العامل المتعلق بالجغرافيا السياسية، وضعف أهمية البلدين في إطار الإستراتيجية الأمريكية، وهو ما لا ينطبق على الوضع القائم بين إسرائيل والفلسطينيين.[71]
ظل اليمين المسيحي هدفاً
مفضلاً للحزب الديمقراطي، خاصة جناحه الليبرالي، ولاسيما مع تصاعد النفوذ السياسي
لهذا اليمين المسيحي، بل إن مواقف معظم الليبراليين الديمقراطيين في الكونجرس فيما
يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، تعد أقرب إلى هؤلاء المنتمين إلى الائتلاف
المسيحي الرجعي، منه إلى أنصار المجلس الوطني للكنائس المعتدلين، وأقرب إلى
الأغلبية المفرطة في المحافظة، منه إلى الكنائس الليبرالية فيما يتعلق بالسلام في
الشرق الأوسط.
وهناك اتهام بمعاداة السامية يوجه لهؤلاء الذين يطالبون بالحقوق المشروعة
للفلسطينيين ومن بينهم جماعات الضغط العربية، التي توجه انتقادات لاذعة
للديمقراطيين في الكونجرس، متهمة إياهم بأنهم سقطوا أسرى لليمين المسيحي. وهذه
القوى العربية تعتقد أن هذا التوبيخ سوف يؤتى ثماره، ويزيد من قدرة المساندين
للسلام والعدالة وحكم القانون، وربما يحرك البعض للتنديد بممارسات إسرائيل
التوسعية.[72]
مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بعد 11/أيلول، لا يمكن فصله عن تاريخ العلاقة بينهما، وعن القضية الفلسطينية وعلاقات العرب مع أمريكا، وكذلك الحروب، والمتغيرات التي حصلت في العالم وبشكل خاص في المنطقة العربية، والانتفاضة الفلسطينية، ومناقشة إمكانية انفكاك العلاقة والتحالف الاستراتيجي الوثيق المشتق من وظيفة إسرائيل في المنطقة وخادم للمصالح الأمريكية تربطها مع أمريكا روابط وثيقة ومتجذرة، والولايات المتحدة الأمريكية تنطلق من مجموعة من المنطلقات التي تؤيد دعمها لإسرائيل والأهم تطور المنطلق الديني الذي كان مستتراً، والذي أصبح يتقاطع مع الفهم الصهيوني، على اعتبار أن فلسطين كما يزعمون أرض الميعاد المنتظرة للمسيح المخلص القادم أثرت في توجهات الإدارات الأمريكية.[73]
في مقابلة مع الرئيس الأمريكي ريغان (1981-1989) في صحيفة فيلت ام سونتاغ الألمانية الغربية في شباط 1982م، أوضح أن أمريكا تعتبر إسرائيل حليفتها الوحيدة بالمنطقة، وأشاد بقوة إسرائيل، وديمقراطيتها، وأنها تقف حاجزاً ضد ما وصفه بالتوسع السوفيتي، وأكد أن إسرائيل كنز استراتيجي لأنه بعد الإطاحة بشاه إيران تبقى إسرائيل الحليف الوحيد الموثوق به لأمريكا في المنطقة، بالمقارنة مع الدول الأخرى الموالية للغرب، وتمتلك الأسس التقنية والعسكرية التي تمكنها من أن تظل حليفاً قوياً للولايات المتحدة، وفي حال نشوب حرب فإن إسرائيل قادرة على مساعدة أمريكا في الدفاع عن منطقة البحر المتوسط، وخلص ريغان في مقابلته للتأكيد على ضرورة مساعدة إسرائيل بكافة الوسائل[74]
بعد حرب الخليج الثانية، شهد العالم خروج قوات أمريكية مقاتلة وبأعداد كبيرة للقتال خارج أمريكا، في تحول ملموس بعد الحرب في فيتنام والتخلص من عقدة الحرب الفيتنامية وتبعاتها الاقتصادية، بعد أن كانت تتجه نحو الضربات الخاطفة والسريعة، كما حصل مع ليبيا في عهد ريغان، وكذلك التبعات المالية الكبيرة للحرب الباردة، وسباق التسلح وحرب النجوم بسبب انهيار الاتحاد السوفيتي، كذلك قيادة تحالف دولي من خلال تفويض وقرارات مجلس الأمن أو من خلال الاشتراك المباشر في الحرب، والأهم أن فترة انهيار المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفيتي شهدت ولادة المولود الأمريكي الجديد «وهو النظام العالمي الجديد» في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب (1989-1993م) وكذلك في عهد الرئيس الأمريكي كلينتون لضرب كوسوفو، وفي إطار الترتيبات اللاحقة لمؤتمر مدريد فقد حصلت إسرائيل على دور استراتيجي وعسكري إقليمي وأمني في المنطقة إلى جانب تركيا - ذلك بعد سقوط شاه إيران وفقدان أمريكا للحليف القوي - غير العربي - في المنطقة، وتوقيع اتفاقية تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان سنة 1981- وقد عملت إدارة الرئيس بوش الأب الذي يعتبر امتدادا لعهد الرئيس الأمريكي ريغان إلى شطب القرار الذي يساوي بين الصهيونية والعنصرية، تمهيداً لتهيئة إسرائيل للدور الإقليمي. إن حرب الخليج الثانية مثلت منعطفاً مهماً في تاريخ العلاقة بين العرب وأمريكا، وخصوصاً بعد أن تحالفوا مع أمريكا.[75]
إن أحداث أيلول مثلت التحول الثاني في العلاقة ما بين العرب والأمريكان، فقد عكست حاجة أمريكا - قليلاً - للموقف العربي هذه الأيام بعد أن كانت بحاجة ماسة للموقف العربي في بداية الأزمة، من أجل تأييد تحالفها المناهض للإرهاب والموجه ضد الجهات التي تمارس العمل العسكري بعد افغانستان، واشترطت على العرب، إدانتهم العلنية للعمليات الفدائية التي تستهدف الإسرائيليين داخل الخط الأخضر، وان كانت بداية من خلال تفويض شارون بهذه المهمة، والذي لم يكن له ليتجرأ على القيام بعمليات التدمير والقتل الواسعة لولا ذلك التفويض والغطاء الأمريكيان، والتي يمكن أن تنفذ بشكل مباشر أمريكياً، وهذا يتفق مع تسريبات إسرائيلية لوسائل الإعلام بهذا الخصوص، وهذا يعني أن المرحلة الثانية من الحملة الأمريكية قد بدأت مبكراً، وتحت عنوان الإصلاحات والانتخابات وإنهاء السلطة الوطنية الفلسطينية، واستبدالها، وإمكانية فرض عقوبات أو شطب مساعدات أو عدم اعتراف بالدولة الفلسطينية حال قيامها.[76]
بعد أحداث 11/أيلول 2001م، شكَّل هذا الحدث منعطفاً كبيراً في التاريخ الأمريكي، وبذلك فإن التاريخ سيشهد قراءتين قبل وبعد 11/ أيلول مرتبطة بالحدث وبالرؤية السياسية الأمريكية، والتي بدأت مضخمة وتحت تأثير مفاجأة الحدث الضخم، فقد توجهت الإدارة الأمريكية للحسم العسكري - بحكم التفوق العسكري الكبير للولايات المتحدة - في حملتها على (الإرهاب)، بشكل واسع وكبير حيث أصبحت السياسة الأمريكية محكومة أكثر من أي وقت بمنطق القوة والاستبداد السياسي - على قاعدة إما مع أمريكا أو مع الإرهاب - والسعي إلى تحويل التفوق العسكري إلى هيمنة ، وتم تشكيل حلف ما بعد 11 أيلول الذي يضم أمريكا وبريطانيا وإسرائيل تحت عنوان الإرهاب غير المحدد والمُوصف الحرب الجديدة المفتوحة الدائمة للحماية من الإرهاب والموجّه ضدّ العرب والمسلمين، والهيمنة على العالم من خلال القوة العسكرية، وأدوات العولمة .[77]
كما أن إسرائيل قد استفادت من أحداث 11/أيلول، بل إن إسرائيل حصلت على دور إضافي أكبر في إطار حلف ما بعد 11/أيلول، حيث ان شارون والحكومة الإسرائيلية منذ أحداث 11 أيلول التقطوا أنفاسهم ووجدوا بالعمل الذي حدث في نيويورك وواشنطن ذريعة لهم، ووجدوا ضالتهم، والمبرر المقتبس عن النص الأمريكي في حق الدفاع عن النفس، واستخدام قوة إسرائيل وتفوقها العسكري الكبير، فارتكبت المجازر والجرائم ضد الشعب الفلسطيني، واصفة نضاله الوطني المشروع أنه يندرج تحت العنوان الأمريكي للإرهاب، وعدت إسرائيل جزءاً أساسياً ومهماً من حلف ما بعد 11 أيلول، إضافة لأمريكا وبريطانيا.
وبذلك كانت إسرائيل والحركة الصهيونية أكبر المستفيدين من أحداث 11/ أيلول في انتقالهم للعمل والتأثير والحصول على دور شريك استراتيجي حاصل على دور عالمي فقد أطلقت إسرائيل في 28/5/2002م قمرها الاصطناعي الخامس للتجسس، ولكن هذه المرة ضمن الرؤية الإسرائيلية «للتجسس على العالم»[78] فقبل ذلك كانت أهداف أقمار أفق الإسرائيلية المعلن المنطقة العربية، ولكن هذه المرة امتد بشكل كبير للتعبير عن الطموح الاستراتيجي الصهيوني العالمي بعد 11/ أيلول، والاعتماد على إمكانياتها المباشرة في الاستثمار في مجال التجسس، إضافة للقنوات الأمريكية المتاحة لها، عدا عن تجسسها على حليفتها أمريكا للحصول على معلومات إضافية، وذلك بعد أن تبنت أمريكا نفسها النهج الأمني الإسرائيلي، ويرى د. فؤاد المغربي حول سياسة الولايات المتحدة الخارجية والقضية الفلسطينية «بأنه ينظر إلى اسرائيل في داخل بيروقراطية الأمن القومي الأمريكي كنموذج أول للقتال ضد (الإرهاب). ورجح كذلك أن تتجه أمريكا بأولوياتها نحو توظيف الموارد بغية تعزيز الأمن الداخلي، وأن هذا التغيير في السياسة الأمريكية الداخلية يتجه نحو الأسرلة» وبذلك فإن أمريكا قد اتبعت سياسة إسرائيل خطوة بخطوة بعد أن كانت أسرائيل توائم سياساتها على أساس توجهات السياسة الأمريكية.[79]
الخاتمة:
يمكن تلخيص الدراسة في النقاط التالية:
1- ان الأفكار والرؤى التي جاء بها تيار اليمين المسيحي الأمريكي قد شكلت نقطة مؤثرة في السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصا في مرحلة مابعد 11 سبتمبر 2001، وذلك كنتيجة بإعتبار الأحداث شكلت فرصة لظهور هذا الدور في ظل الحرب الأمريكية على الإرهاب، والتي كان محورها وفق المنظور الأمريكي حرب بين الخير والشر، وهذا اعتبر من المبادئ التي جاء فيها هذا التيار، وظهور ذلك من خلال التحالف بينه وبين تيار المحافظين الجدد والذي كان الرئيس الأمريكي جورش بوش أحد أطرافه، وقد ساعد في دفع هذا الدور ايضا إيمانه بالمبادئ التي قام عليها اليمين المسيحي.
2- ان الفترة التي لعب بها اليمين المسيحي دور فاعل في السياسة الأمريكية ارتبطت كثيراً بالإدارات الأمريكية المختلفة، بحيث نجد أن دورهم قد زاد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد ظهر دورهم في إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر و ريغان ثم في ادارة الرئيس بوش الأب ودورهم في ولاية الرئيس كلينتون وأخيراً في ولاية الرئيس جورج بوش الابن. فقد كان تأثيرهم متفاوت، من خلال دورهم الفعال كمستشارين للرئيس الأمريكي واتضح ذلك في عهد الرئيس ريغان، ودورهم في الحملات الإنتخابية للرئاسة الأمريكية وقد كان ذلك في حشد الأصوات للرئيس جورج بوش في الولايات الجنوبية والحدودية مما كان له دور كبير في نجاحه في الإنتخابات الأمريكية عام 2000.
3- ان المتتبع لدراسة دور اليمين المسيحي الأمريكي في السياسة الأمريكية، يجد أنه بصدد دراسة دور الدين في السياسة الخارجية، كون الجوانب والمرتكزات التي قامت عليها ذات طابع ديني ونظرة مستقبلية لما يجب أن يكون عليه العالم. فإدراك حقيقة الصراع الدولي شكل هاجس ورؤية مفكري اليمين المسيحي. بحيث يروا بأن العالم صراع بين الشر والخير، فهم ينظرون على أن المسيحية لابد أن تتحالف في نهاية العالم مع الصهيونية من أجل محاربة قوى الشر. فمن هنا كان طابع دراساتهم وتأثيراتهم ذات طابع ديني تأخذ جانب ضرورة تغيير الظروف والعوائق التي تحول دون تحقيق نبوئتهم المستقبلية، ومحاولة فرض واقع واسباب تساهم في خلق الإستمرارية بالدور المستقبلي للتحالف المسيحي اليهودي.
4- لقد شكلت رؤية اليمين المسيحي جانب مؤثر في إدارة الرئيس جوج بوش فيما يتعلق بإبراز إهتمام كبير للصراع في جنوب السودان، كونها تدرك بأن هذا الصراع من حيث وجهة نظرها صراع ديني بين الحكومة السودانية المسلمة والحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان المسيحية. لذلك لعبت دور في الدفع نحو ضرورة أن يكون للولايات المتحدة الأمريكية دوراً فاعلاً في الوقوف الى جانب التيار المسيحي في جنوب السودان على عكس ما كان سابقاً في فترة ادارة الرئيس كلينتون من عدم الإهتمام في هذا الأمر، والإقتصار فقط على دور غير مركزي من خلال العقوبات الإقتصادية المفروضه على السودان ووضعة في قائمة الدول الراعية للإرهاب، مما ادى فيما بعد الى عقد اتفاقيات السلام بين طرفي النزاع وبرعاية امريكية كما كان في اتفاقيتي نيفاشا ومشاكوس.
5- بروز تأثير اليمين المسيحي في الصراع العربي الإسرائيلي، من خلال تأثيره المباشر في الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وضرورة وقوف الولايات المتحدة الأمريكية الى جانب اسرائيل في تدعيم اركان دولتها وفي ضمان أمنها وحمايتها، واتضح ذلك من خلال الإنحياز الأمريكي الواضح لإسرائيل طيلة فترة الصراع العربي الإسرائيلي.
6- لقد اعتبر اليمين المسيحي بأن الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع ذو طابع ديني، بين اليهودية والإسلام، فلابد من وقوف المسيحية الى جانب اليهودية في حربها ضد الإسلام، من أجل ضمان قيام التحالف المسيحي اليهودي المستقبلي، وفق ما سمي (هيرمجدون). لقد ظهرت دعاويهم الى دعم هذا التحالف بكافة السبل الممكنه، وقد ظهر ذلك من خلال تأثيرهم على الإدارات الأمريكية المختلفة بضرورة الإنحياز الكامل لإسرائيل في صراعها مع العرب، وظهور اتجاه المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة كجانب لهذه الرؤية.
7- لقد ظهر تأثير اليمين المسيحي الأمريكي تجاه الصراع العربي الإسرائيلي بعد أحداث 11 سيبتمبر من خلال توظيف الحرب الأمريكية على الإرهاب. بأن الحرب الأمريكية على الإرهاب هي على قوى الشر والتي إعتبرتها على أنها الدول والجماعات التي تقف موقف معادي لإسرائيل.
المراجع الرئيسية:
الكتب:
1- اجلال رأفت وهاني رسلان، أبعاد الصراع في دارفور..الأزمة والآفاق المستقبلبة، مركز البحوث والدراسات السياسية، جامعة القاهرة، 2004.
2- ادوارد تيفنان، اللوبي ... القوة السياسية اليهودية والسياسة الخارجية الأمريكية، ترجمة حسن عبدربه المصري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003.
3- تشارلز كيجلي و يوجين ويتكوف، السياسة الخارجية الأمريكية ومصادرها الداخلية، ترجمة عبدالوهاب علوب، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2004.
4- ديبورا ج. جيرنو، الشرق الأوسط المعاصر، ترجمة أحمد عبدالحميد، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2003.
5- رضا هلال، اليمين الديني واليمين المحافظ الجديد في السياسة الأمريكية، تحرير اميمة عبود، مركز الدراسات الأمريكية، جامعة القاهرة، العدد 3 مارس 2003.
6- عبد القادر اسماعيل، مفاوضات التسوية السلمية في جنوب السودان، دار النورس، القاهرة، 2004.
7- عبدالوهاب المسيري، من هو اليهودي؟( دار الشروق، القاهرة1997).
8- - فواز جرجس، السياسة الأمريكية تجاه العرب .. كيف تصنع؟ ومن يصنعها؟( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2001).
9- مايكل كوريت وجوليا كوريت، الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، ترجمة عصام فايز، الجزء الأول، 2001.
الدوريات:
1- ستيفن سايزر، الصهيون المسيحيون على الطريق الى هرمجدون، تحرير رشا غريب، مجلة النهضة، المجلد السادس العدد4 اوكتوبر 2005.
2- عبدالله صالح، اليمين المسيحي وتأثيرة في السياسة الخارجية الأمريكية، مجلة العصر، 10 يوليو 2004.
3- عصام عبدالشافي، دور الدين في السياسة الخارجية الأمريكية: الأزمة العراقية نموذجاً، مجلة السياسة الدولية، العدد153 يوليو 2003.
4- محمد كمال، الفكر المحافظ والسياسة الخارجية لإدارة بوش، السياسة الدولية، العدد 159 يناير 2005.
5- هاني رسلان، أبعاد انغير في السياسة الخارجية الأمريكية تجاة السودان، مجلة السياسة الدولية، العدد 149، يوليو 2004،
الرسائل الجامعية:
1- خالد ظاهر شنيكات، سياسة الولايات المتحدة تجاة هيئةالأمم المتحدة، رسالة دكتوراة، (جامعة القاهرة،2005)
2- نجلاء محمد مرعي، السياسة الأمريكية تجاة السودان خلال الفترة 1989- 2002، رسالة ماجستير،( جامعة القاهرة، 2006).
الصحف:
1- أحمد حانونه. مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بعد 11 سبتمبر. صحيفة الجزيرة السعودية، العدد 10907، 9 اب 2002.
2- صلاح الدين حافظ، ماذا تريد أمريكا من القمة العربية، قناة العربية 8 مارس 2006.
3- غازي السعدي، اليمين المسيحي ــ الأمريكي تحالف غير مقدس مع التطرف، صحيفة الزمان، عدد 1328، اوكتوبر 2002
4- محمد أحمد النابلسي، رؤية مستقبلية للمشروع الشرق الأوسطي، صحيفة الشاهد مايو 2005.
مواقع الإنترنت:
1- موقع اذاعة سويسرا العالمية، اليمين المسيحي " لاعب سياسي أمريكي بارز" ، 30 اغسطس 2004.
2- لمزيد من المعلومات ، انظر ، الصهيونية المسيحية ترسم السياسة الأمريكية اوكتوبر 2002 www.sitestar.com
3- تحت عنوان اليمين المسيحي الأمريكي، من موقع اوبن سيكرتس. www.opensecerets.org
4- عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، منتديان نجم الموقع، 18 اوكتوبر 2002.لمزيد من التفاصيل star.com www.sits .
5- تحت عنوان نفوذ اليمين المسيحي في الحكومة الأمريكية، من موقع .www. adherents.com
6- محمد بن مختار الشنقيطي، بوش... طغيان الحماس الديني على البصيرة السياسية، المعرفة، عن موقع الجزيرة نت 17 مايو 2006.
[1] - سندس إسماعيل السامرائي، السياسة الخارجية تجاه العراق للفترة 1967-1988، رسالة ماجستير, جامعة بغداد, تشرين الأول 1988، ص158.
[2] - أحمد نوري النعيمي، السياسة الخارجية، وزارة التعليم العالي العراقية, جامعة بغداد, 2001، ص486.
[3] - محمد السيد سليم، التحليل السياسي الناصري، دراسة في العقائد والسياسة الخارجية ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،1983) ص ص 379-382.
[4] - مازن إسماعيل الرمضاني، السياسة الخارجية- دراسة نظرية، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة بغداد، 1991. ص ص 34-35.
[5] - ودوده بدران، السياسة الخارجية الأمريكية في عهد كينيدي، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، 1971. ص 12.
[6] -Karl W, Deutsh, "The Nerves of Government", second Edition, New York: The free press. 1966.p53
[7] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، منتديان نجم الموقع، 18 أكتوبر 2002.
لمزيد من التفاصيل star.com www.sits
[8] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، المرجع نفسه.
[9] - مايكل كوريت وجوليا كوريت، الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، ترجمة عصام فايز، الجزء الأول، 2001. ص 65.
[10] - محمد كمال، الفكر المحافظ والسياسة الخارجية لإدارة بوش، السياسة الدولية، العدد 159 يناير 2005. ص 37.
[11] - محمد كمال، الفكر المحافظ والسياسة الخارجية لإدارة بوش، المرجع نفسه، ص 138.
[12] - ستيفن سايزر، الصهيون المسيحيون على الطريق إلى هرمجدون، تحرير رشا غريب، مجلة النهضة، المجلد السادس العدد4 أكتوبر 2005. ص ص 122-117.
[13] - - ستيفن سايزر، الصهيون المسيحيون على الطريق إلى هرمجدون، تحرير رشا غريب، المرجع نفسه، ص 115.
[14] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، المرجع السابق.
[15] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، المرجع نفسه.
[16] - تحت عنوان نفوذ اليمين المسيحي في الحكومة الأمريكية، من موقع .www. adherents.com
[17] - عن الموقع نفسه .www. adherents.com
[18] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، المرجع السابق.
[19] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، المرجع السابق.
[20] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، المرجع السابق.
[21] - تحت عنوان اليمين المسيحي الأمريكي، من موقع اوبن سيكرتس. www.opensecerets.org
[22] - عصام عبد الشافي، دور الدين في السياسة الخارجية الأمريكية: الأزمة العراقية نموذجاً، مجلة السياسة الدولية، العدد153 يوليو 2003. ص ص 133-137.
[23] - محمد كمال، الفكر المحافظ والسياسة الخارجية لإدارة بوش، المرجع السابق، ص 139.
[24] - عصام عبد الشافي، دور الدين في السياسة الخارجية الأمريكية: الأزمة العراقية نموذجاً، المرجع السابق. ص ص133- 134.
[25] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، المرجع السابق.
[26] - ستيفن سايزر، الصهيون المسيحيون على الطريق إلى هرمجدون، تحرير رشا غريب، المرجع السابق، ص 117.
[27] - ستيفن سايزر، الصهيون المسيحيون على الطريق إلى هرمجدون، تحرير رشا غريب، المرجع نفسه، ص 116.
[28] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، المرجع السابق.
[29] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، المرجع السابق.
[30] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، المرجع نفسه.
[31] - ستيفن سايزر، الصهيون المسيحيون على الطريق الى هرمجدون، تحرير رشا غريب، المرجع نفسه، ص 114.
[32] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، المرجع السابق.
[33] - عصام عبد الشافي، دور الدين في السياسة الخارجية الأمريكية: الأزمة العراقية نموذجاً، المرجع السابق. ص 134.
[34] - عمرو سلمان، الصهيونية الأمريكية ترسم السياسة الأمريكية، المرجع السابق.
[35] - نجلاء محمد مرعي، السياسة الأمريكية تجاه السودان خلال الفترة 1989- 2002، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، 2006. ص ص 46-47.
[36]- نجلاء محمد مرعي، السياسة الأمريكية تجاه السودان خلال الفترة 1989- 2002، المرجع نفسه. ص 46.
[37] - نجلاء محمد مرعي، السياسة الأمريكية تجاه السودان خلال الفترة 1989- 2002، المرجع نفسه، ص 47.
[38] - عبد القادر إسماعيل، مفاوضات التسوية السلمية في جنوب السودان، دار النورس، القاهرة، 2004. ص 45.
[39] - نجلاء محمد مرعي، السياسة الأمريكية تجاه السودان خلال الفترة 1989- 2002، المرجع السابق، ص 51.
[40]- هاني رسلان، أبعاد الغير في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه السودان، مجلة السياسة الدولية، العدد 149، يوليو 2004، ص 134.
[41] - نجلاء محمد مرعي، السياسة الأمريكية تجاه السودان خلال الفترة 1989- 2002، المرجع السابق، ص 48.
[42] - إجلال رأفت وهاني رسلان، أبعاد الصراع في دارفور..الأزمة والآفاق المستقبلية، مركز البحوث والدراسات السياسية، جامعة القاهرة، 2004، ص 37.
[43] - عبد الله صالح، اليمين المسيحي وتأثيره في السياسة الخارجية الأمريكية، مجلة العصر، 10 يوليو 2004.
[44] - عبد الله صالح، اليمين المسيحي وتأثيره في السياسة الخارجية الأمريكية، المرجع نفسه.
[45] - رضا هلال، اليمين الديني واليمين المحافظ الجديد في السياسة الأمريكية، تحرير اميمة عبود، مركز الدراسات الأمريكية، جامعة القاهرة،؟ العدد 3، مارس 2003، ص ص 5- 14.
[46] - محمد بن مختار الشنقيطي، بوش... طغيان الحماس الديني على البصيرة السياسية، المعرفة، عن موقع الجزيرة نت 17 مايو 2006.
[47] - عبد الله صالح، اليمين المسيحي وتأثيره في السياسة الخارجية الأمريكية، المرجع السابق.
[48] - ادوارد تيفنان، اللوبي ... القوة السياسية اليهودية والسياسة الخارجية الأمريكية، ترجمة حسن عبد ربه المصري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003.ص ص 21-43.
[49] - فواز جرجس، السياسة الأمريكية تجاه العرب .. كيف تصنع؟ ومن يصنعها؟( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2001). ص 163.
[50]- خالد ظاهر شنيكات، سياسة الولايات المتحدة تجاه هيئة الأمم المتحدة، رسالة دكتوراه، (جامعة القاهرة،2005) ص376.
[51] - عبدا لوهاب المسيري، من هو اليهودي؟( دار الشروق، القاهرة1997) ص19.
[52] - أحمد حانونه. مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بعد 11 سبتمبر. صحيفة الجزيرة، العدد 10907، 9 آب 2002.
[53] - أحمد حانونه، المرجع السابق، مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بعد 11 سبتمبر.
[54] -أحمد حانونه، المرجع نفسه.
[55] - أحمد حانونه، المرجع نفسة.
[56]- أحمد حانونه، المرجع نفسة.
[57] - أحمد حانونه، المرجع نفسة.
[58] - فواز جرجس، مرجع سابق، ص 166.
[59] - فواز جرجس، المرجع السابق، 168.
[60] - أحمد حانونه، المرجع السابق.
[61] - لمزيد من المعلومات ، انظر ، الصهيونية المسيحية ترسم السياسة الأمريكية
أكتوبر 2002 www.sitestar.com
[62]- المرجع نفسه،الصهيونية المسيحية ترسم السياسة الأمريكية
أكتوبر 2002 www.sitestar.com
[63] - المرجع السابق، الصهيونية المسيحية ترسم السياسة الأمريكية
أكتوبر 2002 www.sitestar.com
[64] - المرجع السابق،الصهيونية المسيحية ترسم السياسة الأمريكية أكتوبر 2002 www.sitestar.com
[65] - محمد أحمد النابلسي، رؤية مستقبلية للمشروع الشرق الأوسطي، صحيفة الشاهد مايو 2005.
[66] - صلاح الدين حافظ، ماذا تريد أمريكا من القمة العربية، قناة العربية 8 مارس 2006.
[67] - صلاح الدين حافظ، ماذا تريد أمريكا من القمة العربية، المرجع نفسه.
[68] - ادوارد تيفنان، المرجع السابق، ص 54.
[69] - ادوارد تيفنان، المرجع السابق، ص 63.
[70] - تشارلز كيجلي و يوجين ويتكوف، السياسة الخارجية الأمريكية ومصادرها الداخلية، ترجمة عبدا لوهاب علوب، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2004. ص ص 107-143.
[71] - عبد الله صالح، اليمين المسيحي وتأثيره في السياسة الخارجية الأمريكية، المرجع السابق.
[72] - عبدالله صالح، اليمين المسيحي وتأثيره في السياسة الخارجية الأمريكية، المرجع السابق.
[73] - أحمد حانونه، مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بعد 11 سبتمبر، المرجع السابق.
[74] - أحمد حانونه، مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بعد 11 سبتمبر، المرجع نفسه،
-[75] المرجع السابق،الصهيونية المسيحية ترسم السياسة الأمريكية
أكتوبر 2002 www.sitestar.com
[76] - غازي السعدي، اليمين المسيحي ــ الأمريكي تحالف غير مقدس مع التطرف، صحيفة الزمان، عدد 1328، أكتوبر 2002.
[77] - المرجع السابق،الصهيونية المسيحية ترسم السياسة الأمريكية
أكتوبر 2002 www.sitestar.com
[78] - ديبورا ج. جيرنو، الشرق الأوسط المعاصر، ترجمة أحمد عبدالحميد، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2003. ص 267.
[79] - موقع اذاعة سويسرا العالمية، اليمين المسيحي " لاعب سياسي أمريكي بارز" ، 30 اغسطس 2004.
مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 43: خريف 2009 - 7th Year, :July Issue 43