مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 43: خريف 2009 - 7th Year, :July Issue 43
الخيار الأردني في التصور الإسرائيلي
أ. عارف موسى الوريكات
رئيس قسم فلسطين في وزارة الخارجية الاردنية
مقدمة:
أبرزت المحطات المتعاقبة في العمل الصهيوني، قبل إنشاء الدولة، وفي المراحل اللاحقة، سعي قادته لجعل الأردن البنية التي تستوعب نتائج التطبيقات العملية للمشروع الصهيوني. والبادرة الأولى التي أشّارت إلى هذا الاتجاه كانت في عام 1937، حين وافقت الصهيونية على مقترحات لجنة بيل التي تنص على قيام دولة يهودية وضم جزء من فلسطين إلى إمارة شرق الأردن، بينما رفضت اللجنة العربية العليا المشروع، بعد الإعلان عن دولة إسرائيل،
مع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية 1964، ، وجد الأردن نفسه في وضع صعب، جزء من الأراضي الفلسطينية متحد مع مملكته ومع أن حرب 1970 بين النظام الأردني وفصائل المقاومة، توقفت وجرى تجاوز أخطر آثارها (الصراع بين الشعبين)، فقد استمر التنافس السياسي الذي بات واضحاً أنه يتم على إيقاع مشاريع (التسوية). فكان مشروع المملكة المتحدة شرارة جديدة، لكنها سياسية، بين المنظمة والمملكة. وطوي المشروع، وبقي التنافس الخفي إلى أن عاد إلى الاحتدام عشية قمة الرباط 1974. ليجد الأردن نفسه في وضع صعب من جديد حيث أن قسم كبير من الفلسطينيين الذي تتحدث المنظمة باسمهم يعيشون تحت العرش الهاشمي .
وعلى إيقاع نغمات الدبلوماسية والمشاريع المطروحة، راحت التناقضات ترتفع وتخبو أو تهدأ. واستمرت على هذا المنوال في محطات 1984-1985، اتفاق العمل المشترك بين الطرفين، ثم إلغاؤه من جانب الملك حسين في شباط 1986. فك الارتباط مع الضفة الغربية 1988. التمثيل الفلسطيني تحت العباءة الأردنية في مدريد 1991. مفاجأة أوسلو 1993، والإسراع باتفاق وادي عربة 1994 .
في غالبية تلك المحطات كان هناك هاجس اكبر يخيف الأردن يتمثل في مفهوم الخيار الأردني وهو أمر أثبتت الإحداث والسنيين الطويلة انه خيار لا يرضى أن يموت وإنما يعيش أحيانا في طور السكون ومع اية فرصة تلوح في الأفق كان هذا الخيار يطل برأسه من جديد ، تهدف هذه الورقة للبحث في التصور الإسرائيلي للخيار الأردني عبر المراحل التاريخية التي مر بها هذا المفهوم وموقف الأحزاب والكتل الإسرائيلية من الموضوع ، ومن ثم عرض للمواقف الأردنية والفلسطينية من موضوع الخيار الأردني.
الجذور التاريخية لفكرة الخيار الأردني
المبحث الأول: تحديد المفهوم
يتضح من أدبيات الخطاب السياسي الصهيوني انه قد تعامل مع مفهوم الخيار الأردني من خلال تصور وجود ثلاث "سيناريوهات" أو مفاهيم لفكرة الخيار الأردني:
§ الوطن البديل الأردن هو فلسطين
§ ضم الأردن للضفة الغربية
§ اتحاد أردني مع كيان سياسي ضعيف في الضفة
يعتبر الكاتب الإسرائيلي (عوديد ينبون) والذي عمل في وزارة الخارجية الإسرائيلية من اشد الإسرائيليين دعوة لخيار إقامة دولة فلسطينية في شرق الأردن فقد سبق وان صرح :
واليوم تتاح أمام إسرائيل إمكانيات هائلة لتغيير الأوضاع من أساسها .... ليس هناك أي إمكانية لان يبقى الأردن قائما على صورته وبنيته الحالية في المدى الطويل وينبغي أن تؤدي سياسة إسرائيل حربا أم سلما إلى تصفية الأردن بنظامه الحالي ونقل السلطة إلى الأكثرية الفلسطينية فتبديل الحكم شرقي النهر سوف يؤدي إلى تصفية مشكلة المناطق الآهلة بالعرب غربي النهر ([1])
من جانب أخر تحدث البعض عن الخيار الأردني من خلال معالجة إقامة فدرالية أردنية فلسطينية إسرائيلية فالصحفي (مئير عميت) اقترح في مقالة له عن إقامة اتحاد فدرالي او كونفدرالي او ثلاثي فالجزء الفلسطيني يمكن ان يكون اوثق ارتباطا بالأردن منه بإسرائيل ان الأمر يتعلق بتسوية بين دولتين ذات سيادة وبين إقليم ستكون له سمات دولة دون ان يصبح دولة بالمعنى الكامل لهذه الكلمة .([2])
أشارت إحدي الدراسات الإسرائيلية التي أعدت في مارس 2005 علي ضوء خطة الانفصال الأحادي الجانب عن قطاع غزة، طرح الخيار الأردني مرة أخري كبديل لدولة فلسطينية، وأوضحت " أن الخيار الأردني يعني توحد الكيان الفلسطيني فدراليا مع الأردن([3])
المبحث الثاني : الانتداب البريطاني والخيار الأردني
يعتقد الكثيرون أن الخيار الأردني الذي تعود بعض قادة الكيان الصهيوني التلويح به كوطن بديل للفلسطينيين هو اختراع أمريكي ، بينما هو في واقع الأمر خيار بريطاني قديم سبقت اليه بريطانيا أمريكا بعقود يوم كانت صاحبة الكلمة الأقوى في السياسة العالمية في النصف الأول من القرن العشرين المنصرم . ([4])
يذكرالاستاذ إميل الغوري فــي الجزء الثاني مــن كتابه (( فلسطين عبر ستين عاما )) (ص133-136) أنَّ السيد موسى العلمي الذي كان يشغل منصب مساعد السكرتير العام لحكومة الإنتداب البريطاني في فلسطين إستضاف في 30/6/1937مفتي فلسطين الحاج امين الحسيني في منزله الريفي في قرية ( شرفات ) القريبة من القدس .
ويذكر الغوري أن الحاج أمين الحسيني لبَّى دعوة العلمي، وإثناء جلوسه مع العلمي على شرفة منزله سمع صوت سيارة تدخل الى حديقة المنزل مسرعة ، ليتفاجأ بالسكرتير العام لحكومة الانتداب البريطاني المستر هول ينزل من السيارة ويتجه الى حيث يجلس المفتي ليبادره بعد إلقاء التحية بانه سعيد جدا لهذه المصادفة (يرجِّح الغوري أن الأمر كان مرتبا بين العلمي والمستر هول ولم يكن للمصادفة دور فيه )، ولم يلبث المستر هول أن أبلغ المفتي بأن هناك اتجاها لدى حكومته لحل القضية الفلسطينية على أساس إنشاء دولة يهودية في قسم من فلسطين ، وضم القسم الباقي من فلسطين الى شرقي الأردن وإجراء استفتاء شعبي ٍ في ذلك القسم من فلسطين وفي شرقي الأردن لاختيار رئيس للدولة الجديدة ، وفي محاولة للإيقاع بين المفتي والأمير عبدالله طمأن المستر هول المفتي بأن بريطانيا على يقين بأن الاستفتاء الشعبي سوف يكون لصالحه ليكون رئيسا للدولة المقترحة.
ومن الواضح ان الملك عبدالله كان يدرك بوجود مثل هذا المخطط البريطاني حيث تشير رسالته الى محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء المصري في ذلك الوقت إلى تلك المخاوف حيث جاء في رسالته :
ان دولتكم على علم من ان الجامعة العربية تدخلت لإنقاذ فلسطين منكرة التقسيم والتجزئة ، عاملة على حفظ شرف العرب والإسلام التاريخي وتعلمون اننا نخشى على سلامة بلادنا ومركزنا من أي دولة ضعيفة قد تتكون في فلسطين تنتسب للعرب ، ويستحوذ عليها اليهود وتعترف بها منظمة الأمم المتحدة التي اعترفت باليهود فيكون التقسيم امرا واقعا الأمر الذي حاربناه ووقفنا ضده وفي وقوع هذا أيضا قطع الطريق على أهل فلسطين في أن يختاروا لأنفسهم مايريدون بعد إنهاء المعضلة .ويضيف قائلا اننا تفاديا من ان يسبب هؤلاء بحركاتهم – واعني بهم امين الحسيني ومن معه – سيجر الى مافيه اختلال لعصمة الجامعة العربية واتحادها ،أقول أنني سأحارب هؤلاء حيثما كانوا كما أحارب اليهود أنفسهم ([5])
وهكذا وفي سبيل قطع الطريق على بريطانيا ومن تعاون معها من الفلسطينيين قام الملك عبدالله مشروعا بديلا عن مشروع لجن بيل واهم بنوده :إنشاء دولة عربية تضم الاردن وفلسطين ([6])
ولم يكن من قبيل الصدفة انه في نفس اليوم الذي عقد فيه المجلس الوطني بزعامة الحاج امين الحسيني في مدينة غزة وهو الاجتماع الذي انبثقت عنه حكومة عموم فلسطين ، كان ينعقد في المقابل مؤتمرا موازيا في مدينة اريحا من وجهاء بعض العائلات الفلسطينية من اجل التمهيد إلى خلق وحدة بين الأردن وما تبقى من فلسطين والمناداة بالملك عبد الله ملكا على الدولة الجديدة ([7])
المبحث الثالث : المفهوم الإسرائيلي للحدود الشرقية :
كثيراً ما يربط الإسرائيليون بين الحدود والأمن، ويطالبوا بحدود آمنة، أي أنهم يريدون حدوداً لتأمين سلامتهم.
من المعروف أن أية دولة تشتمل على ثلاثة ركائز أساسية : إقليم: شعب: ونظام سياسي، وأن مهمة الأمن القومي هي تأمين ورعاية هذه الركائز الثلاث، فالأمن القومي لأي دولة يعرف بأنه دفاع ووقاية ضد أخطار داخلية أو خارجية مثل وقوع الدولة تحت سيطرة دولة أو معسكر أجنبي نتيجة لضعف أو انهيار داخلي أو ضغوط خارجية، ولكن نظرية الأمن الإسرائيلية تتخطى مثل هذه التعريفات والحدود كما قال بن غوريون ((إن أمن الدولة ليس قضية حماية الاستقلال أو الأراضي أو الحدود أو السيادة، إنما هي قضية البقاء على قيد الحياة))، أي أن المفهوم الإسرائيلي للأمن يعني بقاء إسرائيل والشعب اليهودي ككل، ومن هنا نجد أن تعبير الأمن يشكل محوراً ومبرراً لكثير من المبادئ أو الأنشطة الإسرائيلية، ويرجع تعاظم مفهوم الأمن من وجهة النظر الإسرائيلية إلى عاملين أساسيين ([8]):
العامل الأول: وهو نابع من العقلية الإسرائيلية ذاتها إذ أن هذه العقلية قد تشكلت داخل إطار الدائرة الدينية والتي تستمد مقوماتها من التوراة والتلمود وكلاهما مليء بأماني الأمن سواء في شكل عقيدة الخلاص أو في شكل قصص تحكي عن سيادة بني إسرائيل وتحطيم سواهم من البشر، والدائرة الثانية هي الدائرة الاجتماعية التي عاش اليهود في إطارها فترات طويلة يعانون من الاضطهاد والعزلة مما أدى إلى غرس الخوف والقلق في نفوس اليهود بصفة مستمرة .
فمنذ تشتت اليهود في بقاع العالم واضطهادهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، تميزت حياتهم بالشعور العميق بعدم الاستقرار حيث عاشوا في مجتمعات مغلقة "الجيتو" وحاولوا أن يجدوا أمنهم في تكوين وحدات لحراسة أحياء "الجيتو" وفي تنظيم قوى داخلها تمارس سلطة الحفاظ على الأمن .
العامل الثاني: وهو ناشئ عن الوضعية والكيفية التي أقيمت بها إسرائيل وقد زرعت إسرائيل في المنطقة دون رغبة أهل البلاد، ومن ثم فهي تشكل عنصراً غريباً في الجسد العربي الذي سيعمل على لفظه بصفة مستمرة، كما أن إسرائيل قد أقيمت مستندة على ركيزتين أساسيتين هما التأكيد الخارجي والقوى المسلحة .
حدود إسرائيل من وجهة نظر الديانة اليهودية تمثلت نجد أن التلمود قد حاول تحديد الرقعة التي يدعون أنها أرض إسرائيل مع مراعاة إضفاء مرونة كبيرة على المطالب الإقليمية اليهودية حيث تعكس تلك المرونة الفكر التوسعي للإسرائيليين، فقد ربط التلمود إلى حد كبير بين موضوع حجم الرقعة المطلوب الاستيلاء عليها وبين حجم القوى البشرية لإسرائيل، مع الإشارة إلى ضرورة إجراء التوسع الإقليمي بشكل تدريجي بما يتمشى وتزايد السكان اليهود، حتى أنه شبه حدود إسرائيل بجلد الغزال الذي لديه المرونة للاتساع بحيث يمكنه أن يستوعب لحمه وعظامه، ومن خلال النصوص في التوراة وتلك التفسيرات التلمودية وتفسيرات الربانيين أو العلمانيين، نجد أن حدود الأرض التي يعني بها اليهود ليست ذات تحديد واحد ثابت، بل هناك اختلافاً حول تحديد ماهية هذه الحدود، إلا أنه يمكن القول بأنه هناك حد أدنى لهذه الحدود، وحد أقصى، والانتقال بينها يرتبط بعدة عوامل دينية ومادية تتوقف على مدى إطاعة اليهود لتعاليم الرب، وتطور الموقف البشري لليهود، وكذا موقف السكان الأصليين الذين يسكنون الأرض المطلوب الاستيلاء عليها .
ويشتمل الحد الأدنى لحدود إسرائيل من وجهة نظر الديانة اليهودية على المنطقة من دان شمالاً إلى بئر السبع جنوباً، وتحتوي كذلك على ضفتي الأردن حيث تحدها من الشرق بادية الشام وفي الغرب البحر الأبيض المتوسط، وتشير المراجع اليهودية إلى أن تلك المنطقة تشمل أرض كنعان التي حددت في معاهدة السلام بين رمسيس الثاني والحيثيين في سنة 1270 ق.م([9])
وهي حدود قابلة للتعديل بموجب المتطلبات الصهيونية فقد خاطب هرتزل المستشار الالماني وعبر له عن ذلك قائلا ((سوف نطالب بما نحتاج الهي كلما ازداد عدد المهاجرين وكلما ازدادت حاجتنا الى الارض))([10])
من جانب اخر فان الخطاب السياسي الإسرائيلي يتصف بعدم الوضوح في مجال الحديث عن قضية حدود اسرائيل حيث يتم التركيز دوما على الحدود الآمنة وقضية ربط الحدود بالأمن تعتبر قضية بالغة الخطورة فالحدود الآمنة ربما تكون الجولان وربما يكون الخليج العربي .
وهو الأمر الذي يفسر سعي الأردن في مفاوضات السلام على توقيع اتفاق يتضمن اعتراف إسرائيلي بترسيم الحدود بين البلدين حيث وهو ما تم حيث اعتمدت الحدود الدولية بين الأردن وإسرائيل على أساس تعريف الحدود زمن الانتداب ([11])
المبحث الأول : حزب العمل الإسرائيلي :
أمنت الدولة اليهودية منذ وقت مبكر بان الأردن يشكل الطرح الأمثل لإيجاد حل لمشكلة الفلسطينيين فقد عرضت الوكالة اليهودية على الملك عبدالله مشروع للسلام تضمن مجموعة من النقاط :([12])
1. ان يعلن الملك الصلح مع اليهود ، ولا يبعث بجيشه إلى فلسطين من اجل المشاركة في الحرب
2. ان يرسل جلالته واليا ليحكم القسم العربي من فلسطين وفقا لقارا التقسيم
3. في مقابل ذلك تتعهد الوكالة اليهودية بضم القسم العربي من فلسطين الى التاج الهاشمي
وهكذا تبنت حكومات حزب العمل برئاسة ليفي اشكول (1967 ـــــ 1969)، وغولدا مئير (1969 ـــــ 1974) وإسحاق رابين (1974 ـــــ 1977) الخيار الأردني الذي كان يعني أن يقوم حل المشكلة الفلسطينية على نقل السيادة على أكثرية أرض الضفة إلى الملك الأردني. تمت صياغة الخيار بعد نحو سنة من انتهاء حرب الأيام الستة، وبعدما فشلت محاولات تحقيق «الخيار الفلسطيني» فقط.
في جلسات الحكومة بعد انتهاء حرب الأيام الستة، تحولت اقتراحات أكثر وزراء الحكومة من حكم ذاتي فلسطيني إلى دولة مستقلة في الضفة، فيما أيد أصحاب الحل والعقد فيها، رئيس الحكومة ليفي اشكول، ووزير الدفاع موشيه ديان، ووزير العمل يغئال ألون، ووزير الإعلام يسرائيل غليلي، الخيار الفلسطيني.
في جلسة الحكومة التي عُقدت في التاسع عشر من حزيران 1967، حذّر ألون من الخيار الأردني. قال: « لقد تلهينا في عام 1948 بكل ما يتعلق بالبيت الهاشمي، وبدل أن نحتل القدس التي كانت قريبة المنال، والضفة الغربية كلها، وكانت المسألة مسألة ثلاثة أيام أو أربعة، تلهينا مع البيت الهاشمي، ودفعنا عن ذلك ثمناً باهظاً. أخاف من أن يتكرر هذا الأمر. آخر أمر هو إعادة إنش واحد من الضفة الغربية. لا يجب أن نرى (الملك) حسين كأنه باق إلى الأبد.. اليوم يوجد حسين، وفي الغد النابلسي، وبعد غد شخص ما سوري سيسيطر عليهم، وبعد ذلك سيعقدون اتفاقاً دفاعياً مع الاتحاد السوفيتي ومع الصين وسنجد أنفسنا في وضع أصعب. نحن نبحث مسألة ليست أبدية، ونقيم ذلك على ظاهرة حيّة، وقد يعيش في الحد الأقصى ستين سنة بعد، إذا لم يتلقَّ رصاصة في أثناء ذلك».
وادعى ألون أن الحل المنطقي الوحيد الذي يمكن أن يرد على المشكلات الأمنية لإسرائيل في جبهتها الشرقية هو إقامة دولة فلسطينية. قال: «أنا آخذ إمكاناً في الحد الأقصى. لا كانتون، ولا منطقة ذات حكم ذاتي، بل دولة عربية مستقلة متفق عليها بيننا وبينهم في جيب تحيط به منطقة إسرائيلية.. حتى لو كانت مستقلة بسياستها الخارجية».
عبّر اشكول وديان أيضاً عن معارضة مفاوضة الملك حسين، وأيدا امتحان
إمكان تحقيق تسوية تكون قائمة على الخيار الفلسطيني. خلال نقاش للجنة السياسية في
المعراخ في السابع من تموز 1967، بيّن اشكول موقفه المبدئي من موضوع مستقبل الضفة.
بحسب تصوره، من أجل ضمان الاحتياجات الأمنية، لا مناص من الاستمرار في السيطرة
العسكرية على جميع الأرض حتى نهر الأردن. لكن لكي لا تصبح إسرائيل دولة ثنائية
القومية، يجب إحداث وضع خاص لسكان الضفة العرب.
قال أشكول: «أرى منطقة نصف مستقلة فقط، لأن الأمن والأرض بيد إسرائيل. لا يهمني اذا
أرادوا آخر الأمر تمثيلاً في الأمم المتحدة. بدأت بمنطقة ذات حكم ذاتي، لكن اذا
تبين أن الأمر غير ممكن، فسيحصلون على استقلال.
هاجم غليلي بشدة الملك الأردني، في جلسة الحكومة في السابع عشر من
تشرين الأول 1967. قال: «أنا أتفق على أن البرايا مشفقة على الملك الرضيع المستحق
للشفقة، لكن من المناسب أن نُبرز الأوجه كلها، إن حسين لم يُعبر قط عن الرغبة في
السلام مع إسرائيل. (هو) شارك في المؤتمر التأسيسي لمنظمة الشقيري. وقصف القدس. ومن
المعلوم نظرته إلى الأماكن المقدسة. يجب أن نُبرز من هو الشريك، الذي يُنميه راغبو
السلام على اختلافهم كحليف في التفاوض السلمي».([13])
في محاولة لتحقيق الخيار الفلسطيني، وبعدما تبين له أن وزراءه الكبار يرفضون الخيار
الأردني، اتخذ اشكول سلسلة من الخطوات من أجل فحص إمكان التوصل إلى تسوية سياسية.
في نقاش تم في مكتبه في الثاني عشر من تشرين الثاني 1967، أثار الحاجة إلى إجراء
اتصالات سياسية بعرب المناطق. قال: «ينبغي فحص إمكان إقامة حركة لدولة مستقلة في
الضفة، وأن نفحص منْ من القادة يحسن بنا لقاؤهم، وأي وزير يلقى من، وربما رئيس
الحكومة نفسه».
في بداية شباط 1968، قرر اشكول إجراء سلسلة محادثات سرية مع قادة من المناطق.
استمرت المحادثات حتى أيلول. حاول أن يوضح مع محادثيه إمكان قيادة المسيرة نحو
إنشاء حكم ذاتي في الضفة. لكن عندما أثار اشكول، في حديثه الى حكمت المصري ووليد
الشكعة من نابلس، في السادس والعشرين من شباط 1968، فكرة المضي الى تسوية بين
إسرائيل وسكان الضفة، أجابه المصري بأنه يجب تسوية المشكلة مع العالم العربي كله.
فأجابه اشكول: اذا كنتم تزعمون أنكم لا تستطيعون العمل كفلسطينيين، فقد وصلنا الى
طريق مسدود.
خلال الأشهر الأولى من عام 1968، احتار اشكول بين الرغبة في تقديم فكرة الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة والاعتراف بالحاجة إلى محادثة ملك الأردن. حتى نهاية ايلول 1968، أجاز اشكول ما لا يقل عن ستة لقاءات مع الحسين، منها ما كان بمشاركة وزير الخارجية آبا ايبان ووزير العمل ألون.
في مقابل ذلك، بيّنت الإدارة الأميركية لإسرائيل أنه يمكن التوصل الى تسوية بتوسط الحسين فقط. كتب الرئيس ليندون جونسون، في رسالة إلى اشكول في بداية نيسان 1968: «الحسين مستعد للتفاوض لكن وضعه ضعيف. يجب على إسرائيل أن تأخذ ضائقته بالحسبان وأن تأخذ بموقف مريح منه.
خطة ألون
يبدو أن أحد التطورات التي أثرت أكثر من كل شيء في التخلي عن الخيار الفلسطيني مصدره تغير توجه ألون. بوضعه «خطة ألون» الأصلية على طاولة الحكومة، في السابع والعشرين من تموز 1967، اقترح أن يُقام في الضفة حكم ذاتي فلسطيني. رفضت الأكثرية الساحقة من وزراء الحكومة الخطة عندما عُرضت على الحكومة كاملة، في الثلاثين من تموز 1967. لكن النظر الى الخطة تغير بالتدريج، وبقدر كبير أيضاً لأنه لم تُثر خطط بديلة.
في بداية 1968، بدأ ألون يصوغ تصوراً جديداً. استقر رأيه على ترك الخيار الفلسطيني، وتبنى ما عُرف مع الوقت باسم «الخيار الأردني». كانت الفكرة التي أثارها ألون بسيطة: فبدل مواجهة القضية المعقدة لإنشاء الحكم الذاتي، سيُسلم الأردن المنطقة، وهكذا ستُعفى إسرائيل من الحاجة الى مواجهة المشكلة الفلسطينية. لم يُغير ألون الخريطة التي خطها في تموز 1967 (ما عدا إضافة ممر يصل الأردن بالضفة في منطقة أريحا)، واقترح أن يظل غور الأردن في يد إسرائيل، وكذلك منطقة (غوش عتصيون) وجزء من جبل الخليل والقدس الموحدة. أما ما بقي فيُسلم الى الملك حسين.([14])
أُجري نقاش مهم لهذا الموضوع في اللجنة السياسية للمعراخ (حزب العمل حالياً) في العشرين من نيسان 1968. طُرحت قضية لقاء آبا ايبان المتوقع للملك حسين. أيد جميع المتحدثين إتمام هذا اللقاء وعرض أكثرهم (ما عدا موشيه ديان وشمعون بيريز، الذي عمل أمين سر حزب رافي) موقفاً مؤيداً لـ«خطة ألون» قاعدة للسياسة.
في أواخر أيلول 1968، تم اللقاء الحاسم مع الملك حسين في لندن بمشاركة الوزيرين آبا ايبان وألون أيضاً. وصاحب الملك حسين مستشاره المقرب، زيد الرفاعي.
أثار ايبان أمام الملك مبادئ تُلخص تناول إسرائيل للتسوية السياسية مع الأردن :
· نزع السلاح في الضفة
· نشر قوات من الجيش الإسرائيلي في غور الأردن
· أن تكون القدس موحدة تحت سيطرة إسرائيل
· إقامة سلطة مشتركة للاجئين.
وبموجب هذا المشروع فان الأرض لإسرائيل والسكان للأردن ، وفي الوقت ذاته السكان العرب مواطنون أردنيون في الخارج وخاضعون للسيادة الأردنية في أمور يمكن تحديدها ومن جملتها جوازات سفر أردنية وممارسات انتخابية سياسية ([15])
عرض ألون أيضاً خريطة الخطة، وقال لحسين إنه «ليس الحديث عن تعديلات وقتية تظل سارية المفعول ما بقيت ملكاً، وما بقيت أنا وايبان على قيد الحياة، بل الحديث عن تسويات تظل سارية المفعول إلى الأجيال المقبلة.. أنت خسرت الحرب وعليك أن تتحمل النتيجة».
أجاب حسين: «مشكلتي هي كيف سأُبيّن الحل لشعبي، إذا لم يكن حلاً يقبله
الرأي العام العربي».
بعد بضعة أيام، عرض الرفاعي وثيقة فيها ستة مبادئ للحسين، رداً على المبادئ الستة
التي أثارها ايبان. كتب الحسين، من جملة ما كتب، أن «الأردنيين يقبلون مبادئ القرار
242، وفي ضمنها إقرار بأنه لا يجب امتلاك الأرض بالقوة. نحن نعرف انه يجب أن تتم
تغييرات لخطوط وقف إطلاق النار. يجب أن تكون التغييرات على أساس متبادل». وفي
تناوله القدس، قرر أن «أقصى ما يمكن أن نكون مستعدين للموافقة عليه هو الاعتراف بحق
إسرائيل في الأماكن المقدسة لليهود». تنتهي الوثيقة الأردنية كما يلي: «تتعلق
قدرتنا على الإسهام في التسوية تعلقاً تاماً بقدرتنا على السيطرة على الوضع الداخلي
في الأردن وقدرتنا على بيان التسوية للعالم العربي. لهذا يجب أن يكون كل اقتراح يتم
بحثه اقتراحاً يستطيع العالم العربي قبوله، لا اقتراحاً يُفرض علينا.
مشروع آبا أيبان *
تضمنت خطة آبا ايبان العديد من النقاط والتي تفهم على أنها كانت تستند على الخيار الأردني في تسوية المشكلة الفلسطينية حيث جاء فيها :([16])
1. التعامل مع الدول. يرى المشروع بان الصراع في المنطقة هو نزاع بين دول وان السلام لا يستقر إلا بالتوصل إلى معاهدات مع دول مجاورة ( الأردن، مصر، سوريا، لبنان )
2. لا محتوى قومي وسياسي لفلسطين . إن عرب إسرائيل شاركوا فقط في حياة المملكة الأردنية الهاشمية ولم يكن لفلسطين محتوى سياسيا أو قوميا بعد الاحتلال الروماني وان استمرار وقت الانتداب قصد به إقامة قومي لليهود
3. ان الشعب العربي في فلسطين قاوم كل محاولة لاعتباره وحدة منفصلة عن سوريا وقد رفضوا عام 47 إقامة دولة منفصلة مع إخوانهم في اللغة والقومية على ضفتي نهر الأردن
4. ان كل عربي يتحدث عن فلسطين إنما يدعوا إليها كبديل لإسرائيل وليس مكملا لها وان إقامة دولة فلسطينية غربي النهر سيؤدي إلى ضغط إسرائيل إقليميا
وثيقة المبادئ 14
اقترح حزب العمل غداة حرب أكتوبر وثيقة مبادئ تضمنت بنود من بينها فيما يختص بالأردن نجد:([17])
1. وجود دولتين مستقلتين إسرائيل وعاصمتها القدس الموحدة، دولة عربية إلى الشرق منها
2. الدولة العربية المقترحة تمكن الهوية الفلسطينية والأردنية التعبير عن ذاتها وان تقام علاقات جوار بينها
تحدث رابين عن احتمال قيام كونفدرلية ( أردنية ، فلسطينية ، إسرائيلية ) على المدى البعيد ([18])
المبحث الثاني : حزب الليكود
أراد التيار التنقيحي بزعامة جابوتنسكي ان يقيم دولة إسرائيل لتشمل فلسطين وشرق الأردن. ويعبر هذا التيار عن الأصول الفكرية والإيديولوجية لحزب حيروت الذي يعرف الآن باسم الليكود. وقد مر تطوّر موقف الليكود من الأردن بعدة مراحل واضحة المعالم. وقد تميزت المرحلة الأولى، التي امتدت منذ عام 1922 وحتى عام 1965 بإصرار اتباع جابوتنسكي على رفض قرار عصبة الامم عام 1922 والقاضي باستثناء الأردن من وعد بلفور. وأدى قبول الحركة الصهيونية لقرار استثناء شرق الأردن من وعد بلفور الى بروز التيار الصهيوني التنقيحي بزعامة جابوتنسكي كتيار مميز عن الحركة العمالية. ولكن لم ينجح جابوتنسكي ولا إتباعه في السيطرة على المؤسسات الصهيونية وبالتالي بقي موقفهم من الأردن دعائيا وصعب الترجمة الى سياسات.
إلا أن تولي مناحيم بيغن لقيادة التيار التنقيحي ورغبته في الوصول الى السلطة قد أفضى الى تحالفات فصائلية وحزبية أثرت على موقف الحزب من الأردن. ففي عام 1965 عمل بيغن على تقوية حزبه (حيروت) عن طريق إقامة جبهة غاهال مما اضطر الى قبول مواقف شريكه الآخر في التحالف (الأحرار)، الأمر الذي أدى إلى اعتراف بيغن ومن معه بحدود الهدنة، وبالتالي الاعتراف بالأردن. لكنهم اعتبروا أن الأردن هي فلسطين. وقد تبنى مقولة الأردن فلسطين بعض الدوائر اليمينية وبخاصة شارون وشامير. وقد كتب الأخير مقالة مهمة في مجلة (الفورين افيرز) عام 1988 يطالب فيها اعتبار الأردن مملكة فلسطينية كحل للصراع العربي الإسرائيلي. ولكن الظروف لم تكن مواتية لهذا التيار وحدثت تطورات أخرى جعلتهم يعيدون النظر بموقفهم من الأردن.
انتهت فترة حكم العمال رسميا يوم 17/5/1977حيث تم انتخاب حكومة الليكود بزعامة بيغن وفيما يتعلق بالخيار الأردني نجد أن هذه الفكرة قد انعكست تاريخيا في مبادرتين لليكود:([19])
1. خطة دايان
2. خطة شارون
خطة دايان أشارت إلى انه لن يكون هناك إعادة للأرض ولن يكون هناك تقسيم للأرض وإنما سيكون هناك تقسيم وظيفي يقوم الأردن بموجبه بالشؤون الوظيفية فيما تتولى إسرائيل الشؤون العسكرية ([20])
اعتبر شارون فك الارتباط ضربة لمشروع الخيار الأردني،( وكذلك لانها تقوي المنظمة سياسيا، ولحق ذلك إعلان الدولة الفلسطينية في الجزائر ضاربة عرض الحائط الخيار الأردني الكلاسيكي) كانت عملية فك الارتباط الأردني عن الضفة بداية تحول في مشروع الخيار الأردني شكليا ولكن ليس في جوهر الموضوع. بعد فك الارتباط تبنى شارون بشكل عملي مشروع "ألون"، وطالب بضم مناطق إلى إسرائيل بشكل أحادى الجانب (نفس الفلسفة التي وجهت شارون في فك الارتباط)، ولذلك نجد أن شارون اقترح على الفلسطينيين عمليا 45% من مناطق الضفة الغربية، وهو التصور "النهائي المرحلي" لشارون، لماذا مرحلي لان الخيار النهائي الأبدي بالنسبة له هو الخيار الأردني. بعد عملية فك الارتباط الأردني عام 1988 اقترح شارون في حينه بشكل عملي أيضا ضم مناطق إلى إسرائيل وإبقاء ما مساحته 42% من الضفة الغربية للفلسطينيين
في مقال نشره شارون بتاريخ 26/2/1988 في يديعوت احرونوت قال فيه:" أنا شخصياً أؤمن ببرنامج الاوتونوميا كجسر سلام بيننا وبين الدولة الفلسطينية القائمة في الأردن. في المستقبل الأبعد سوف تقود الاوتونوميا إلى فدرالية أو كونفدرالية إسرائيلية فلسطينية على ضفتي الأردن". ويقصد أن الأردن هي دولة فلسطينية ولكن ليس بالضرورة بمعنى تغيير النظام السائد في المملكة الأردنية.
وفي مجلة "نتيف" وهي مجلة تصدر عن معهد "ارييل" اليميني للدراسات السياسية نشرت في العام 2004 مقالا لشارون كان قد نشره في العام 1982 تحت عنوان "الخيار الأردني". قال فيه: :" لم اقل انه يجب تحويل الأردن إلى دولة فلسطينية، وإنما أن الأردن هو دولة فلسطينية"، حاول المركز اليميني ان يقول لشارون انك تخليت عن الخيار الأردني من خلال فك الارتباط كما نشرته ووضعت تصوراته في العام 1982. ([21])
المرحلة الثالثة هي بعد توقيع أوسلو. وقد شهد الحزب مراجعة جذرية لموقفه من الأردن. فقد اعترف نتنياهو بأن حزب الليكود يعتبر الأردن بلداً مستقلاً، ولا يمكن ان يكون وطنا بديلا للفلسطينيين. وعندما وقّع الأردن على معاهدة السلام صوّت حزب الليكود لصالح المعاهدة ما أوصل رسالة مباشرة للأردنيين بأن الليكود جاد في موقفه.
ونجد ان انتخابات 1996 بالنسبة لليكود أول انتخابات لم تكن فيها إسرائيل الكبرى قضية رئيسية في حملته الانتخابية ([22])
ولكنه عاد لاحقا وتحدث علانية عن الحاجة إلى "إدخال قوات أردنية" إلى الضفة الغربية "للمساعدة في فرض النظام"، فيما اقترح الباحث في "مركز شاليم" المتماهي مع اليمين، ميخائيل أورن، العودة إلى فكرة "الحكم الذاتي" على أن يبقى "الأمن خاضعاً لمسؤولية إسرائيلية- أردنية مشتركة".([23])
بتاريخ (الأربعاء 4/7/2007) نشرت صحيفة هآرتس مقالة بقلم وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، موشيه آرنس (محسوب على التيار المركزي في اليمين)، رفدت في مضمونها وفحواها هذه الطروحات ذاتها، حيث كتب آرنس في مقالته التي نشرت تحت عنوان "من يريد دولة كهذه؟!" (أي دولة فلسطينية مستقلة في حدود العام 67) قائلاً: لقد حان الوقت لإعادة النظر في نموذج الحل القائم على "دولتين لشعبين".([24])
ودعا آرنس بشكل لا يقبل التأويل في تتمة مقالته إلى ضرورة تخلي صناع القرار في إسرائيل عن هذا "النموذج لحل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني" والبحث عن حلول وبدائل أخرى لم يستثنِ منها بشكل جازم تكريس "فصل" قطاع غزة (في ضوء سيطرة "حماس" على السلطة هناك) عن الضفة الغربية وتجزئة الحل حتى ولو كانت خيارات "إعادة المنطقتين إلى وضعهما السابق لحرب حزيران 1967" مطروحة في هذه الأثناء كـ "مسائل نظرية". وأكد قائلاً إن نموذج حل الدولتين الذي "بدا حتى الآن مسألة مفروغا منها أصبح محل علامة استفهام في أعقاب أعمال العنف الأخيرة في غزة". وتساءل آرنس "هل من المتوقع حقاً أن ينجح (الرئيس) محمود عباس في فرض سلطته في يهودا السامرة وأن يجتاز التحدي الأصعب المتمثل في استعادة السلطة في غزة من أيدي حماس؟!" وختم مقاله قائلاً "حسبما تبدو الأمور الآن، من الأفضل- لإسرائيل- الشروع بالبحث عن نموذج جديد للحل".
وبعد ثلاثة أيام (في 7/7/2007) نشرت الصحيفة ذاتها مقالاً أقرب إلى التقرير الإخباري، وفي هذه المرة للكاتب الصحافي (اليساري) المتابع فيها للشؤون الفلسطينية، داني روبنشتاين، أنبأ فيه تحت عنوان "هل يصبح الخيار الأردني مطلباً فلسطينياً؟" بما وصفه بـ"ميل متجدد" في الآونة الأخيرة بين الفلسطينيين في الضفة الغربية لإحياء "العلاقة مع الحكم الهاشمي في عمان" كما قال. ومع أن روبنشتاين أورد أن "الملك عبد الله الثاني ورجاله لا يريدون ذلك"، إلا أنه لم يستبعد إمكانية إحياء "الخيار الأردني"، المطروح إسرائيلياً، بقوله: للوهلة الأولى يمكن للأردن أن يقول اليوم للفلسطينيين: "أنتم غير قادرين على التوصل إلى تسوية مع إسرائيل، اسمحوا لنا القيام بذلك نيابة عنكم".([25])
وفي حقيقة الأمر أن ذلك حدث فعلا حيث تعالت أصوات فلسطينية كما سنجد لاحقا تتطالب بعودة الخيار الأردني.
المبحث الثالث : كاديما
انتقل فكر شارون السياسي بشان مستقبل الضفة الغربية لحزبه الجديد ونجد ان شارون الذي وافق على معاهدة كامب ديفيد مع مصر, بما انطوت عليه من تدمير مستوطنة ياميت والانسحاب منها, رفض معاهدة وادي عربة للسلام مع الأردن وصوت ضدها في الكنيست.بعد ذلك, وحين أصبح وزيرا للخارجية في حكومة بنيامين نتنياهو, أعلن عن تخليه عن نظرية الوطن البديل نظريا, لكنه ظل ينتهج سياسات تؤدي إلى تطبيقها عمليا تمثلت في:
1 ـ العمل على قمع الانتفاضة الفلسطينية
2 ـ رفض الالتزام باتفاقية أوسلو
3 ـ التوسع في الاستيطان بما يحول دون قيام دولة فلسطينية
4 ـ إقامة جدار العزل والنهب المكلف بتطويق الأراضي الفلسطينية من داخلها, بما يفرض على الفلسطينيين الهجرة إلى الأردن
برنامج حزب "كاديما" الذي قرر شارون تأسيسه بعد انسحابه من الليكود, يكشف عن أن شارون لا يزال ينظر للأردن كما كان ينظر له قبل خمسين سنة. إنه الوطن البديل للفلسطينيين..!
الأردن كان واجه مشروع الوطن البديل عبر جملة خطوات سارها على عدة محاور.
أولاً: توطيد العلاقات مع القيادة الفلسطينية. ولم تكن مجرد مصادفة اللجوء لذلك بشكل جلي اعتبارا من عام 1996 بالتزامن مع تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو, الذي يريد الوطن الفلسطيني البديل في الأردن خطوة على طريق احتلال الضفة الأخرى لنهر الأردن .
ثانيا: تأييد المطلب الفلسطيني بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على التراب الفلسطيني باعتبارها صمام أمان للكيان الأردني.
ثالثا: الحصول على ضمانات أميركية لبقاء الكيان الأردني.
رابعا: اتخاذ قرار صارم بمنع أي هجرة فلسطينية إلى داخل الأراضي الأردنية.
خامسا: خوض معركة قانونية على المستوى الدولي, والحصول على قرار من محكمة العدل الدولية بوقف إقامة الجدار الإسرائيلي.
لكن تواصل العمل بالجدار ويواصل تلويه داخل الأراضي الفلسطينية, مهدداً الأردن بهجرات يحول دونها تشبث الفلسطينيين بأرضهم.
وهكذا تابع الأردن تطورات الحالة الصحية لشارون بمزيد من القلق, لعاملين متكاملين, وإن بديا متعاكسان:
الأول: أن وفاة شارون قد تؤدي إلى عرقلة ما بدا أنه خطوات بدأها على طريق التماهي مع خارطة الطريق, كان يدفع الأردن باتجاه أن تكون جزءا من تطبيقات خارطة الطريق التي تقود إلى قيام دولة فلسطينية, تمثل صمام أمان للكيان الأردني.
الثاني: برنامج حزب شارون "كاديما", الذي يجدد طرح مشروع الوطن البديل.
في الوقت الذي كان الأردن يدفع فيه باتجاه جعل مبادرة شارون للانسحاب من قطاع غزة جزءا من تطبيقات خارطة الطريق, كان شارون يطبق برامج عملية تصب في صالح نظرية الوطن البديل.
لكن الأردن الذي يبدي الآن مخاوف علنية من دفن مشروع الدولة أو الكيان الفلسطيني يبدي مزيدا من القلق غير المعلن من أن تؤدي وفاة شارون إلى تجديد علني لمشروع الوطن البديل. يكتم الأردن قلقه, حتى لا يعطي أطراف إسرائيلية فرصة للتعبير العلني عما يجيش في باطنها من طموحات تتجاوز حدود الطمع .
المواقف الأردنية والفلسطينية :
المبحث الأول الموقف الأردني :
لفترات طويلة لم يتحمس الأردن في وجود كيان فلسطيني غربي نهر الأردن، فقد كان يعتبر نفسه مستهدف من أية خطوة في هذا الاتجاه وهو أمر صحيح لدرجة ما ذلك ان فكرة الكيان الفلسطيني تبنتها بعض الأنظمة العربية كعامل ضغط على بعضها ونجد انه في أواخر عام 1959 وأوائل عام 1960 تبنت بعض الأنظمة العربية فكرة إقامة دولة أو كيان فلسطيني وذلك بغرض النكاية بعضها البعض وهكذا جاء طرح عبد الناصر بإنشاء كيان فلسطيني بهدف ضرب النظام الأردني وإضعافه من خلال حرمانه من الضفة الغربية ([26])
كان الفلسطينيون، والمقصود هنا هو منظمة التحرير وقادتها وفصائلها كلها بدون أي استثناء، حتى بما في ذلك الفصائل التي تعتبر نفسها تنظيمات قومية مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (بقيادة الدكتور جورج حبش) وجبهة التحرير العربية، التابعة لحزب البعث العراقي الذي حكم في العراق لنحو خمسة وثلاثين عاماً، وطلائع حرب التحرير الشعبية، «الصاعقة» التابعة للبعث السوري، قد رفعوا شعار أن هذه المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وقد حصلوا على قرار بهذا الخصوص من قمة الرباط في عام 1974 ومن قمة الجزائر التي سبقتها في العام نفسه وكان المقصود بهذا هو الأردن وليس أي دولة أو أي جهة أخرى.
في الخامس عشر من آذار 1972، في محاولة لمنع ما كان يبدو له خطوة قادمة من قبل حكومة إسرائيل ــ ضم الضفة ــ اقترح الملك حسين توحيد الضفتين في "المملكة العربية المتحدة"،. رفضت م.ت.ف اقتراح الملك رفضا باتا. *
عندما انعقدت قمة الجزائر التي سبقت قمة الرباط بشهور قليلة كانت أجواء حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قد أصبحت تخيم على المنطقة وكانت قد فتحت باباً جديداً للصراع مع إسرائيل وهو باب التفاوض والعملية السلمية ولذلك فقد ذهب القادة الفلسطينيون الى ذلك المؤتمر والمؤتمر الذي تلاه وهم مصممون، ومعهم معظم الدول العربية، على إنتزاع حق تمثيل الضفة الغربية، التي كانت لاتزال تعتبر أرضاً أردنية رغم الاحتلال، من يد الأردن ووضعه بيد منظمة التحرير التي تم الاعتراف بها في هذه القمة الأولى وفي القمة الثانية التي تلتها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني.
في قمة الجزائر، التي انعقدت في قاعة قصر الصنوبر التي بناها الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا لتستقبل إحدى قمم حركة دول عدم الانحياز لكنه أُطيح بانقلاب عسكري قبل ان يحقق ما أراده، إنبرى الرئيس الأسبق هواري بومدين للدفاع عن وجهة نظر قادة منظمة التحرير وقد انتزع قراراً، بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، لم يعترض عليه إلاَّ عبد الحليم خدام الذي كان رئيس الوفد السوري وبهجت التلهوني الذي رأس وفد الأردن الى تلك القمة.
في قمة الرباط التي انعقدت في عام 1974، بعد قمة الجزائر هذه بشهورٍ قليلة، كان القرار العربي بوحدانية وشرعية تمثيل منظمة التحرير بالإجماع وقد خرج يومها ياسر عرفات، وهو يشعر بأنه حقق انتصاراً ما بعده انتصار وقد كان يرد على أي ذكر لـ«الخيار الأردني» بالقول وبإسلوب «التَريْقة» و«المسْخرة»: لا خياراً ولا فقُّوساً .. إن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وبقرار من العرب كلهم. وفي وقتها حدد الملك ملامح السياسة الأردنية اتجاه القضية الفلسطينية على مجموعة من المرتكزات:
1. مواصلة العمل من اجل الانسحاب الإسرائيلي الكامل وتامين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
2. عدم العمل بصورة منفردة حتى في مجال فصل القوات وإنما بمعرفة أشقائه العرب
3. بعد تحرير الضفة الغربية يترك لأهلها حق تقرير المصير تحت إشراف دولي محايد
4. بعد فصل القوات لا يرى الأردن إقامة سلطة منظمة التحرير على أي جزء مستعاد امرأ عمليا واقعا
5. التنسيق مع مصر وسوريا والأردن والمنظمة ودعم الأردن في استرجاع الضفة القدس على ان يجري بعد ذلك نقاش حول مستقبل الضفة الغربية
6. يدعم الأردن منظمة التحرير الفلسطينية في كل محفل دولي في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني وقضيته ([27])
بعد قمة الرباط هذه وبعد هذا القرار أحسَّ الأردن بأن الوحدة بين الضفتين، الضفة الغربية والضفة الشرقية، في إطار المملكة الأردنية الهاشمية قد أصبحت صفحة مطوية ولكنه ومع ذلك وللتسهيل على الفلسطينيين في أي مفاوضات مقبلة مع إسرائيل أبرم اتفاقية عام 1985 الشهيرة مع قيادة منظمة التحرير والمعروف أن (أبو عمار) قد تراجع عن هذه الاتفاقية بعد نحو ثلاثة أعوام من توقيعها الأمر الذي دفع الملك حسين، رحمه الله، إلى اتخاذ قرار «فك الارتباط» المعروف في عام 1988.
لقد باتت مسألة «الخيار الأردني»، أردنياً وفلسطينياً، منتهية بعد هذه الخطوة الأنفة الذكر ولم يلجأ الأردن الى فرد جناحيه فوق الفلسطينيين إلا خلال مؤتمر مدريد عام 1992 وفي بعض جلسات التفاوض اللاحقة وبطلب عربي ودولي ورجاء فلسطيني لتمرير مشاركة الفلسطينيين في العملية السلمية في البدايات حيث بعد ذلك تحولوا إلى وفد مستقل تجسيداً لقرار الرباط بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ([28])
وهكذا ومنذ ذلك الحين بعد إبرام معاهدة وادي عربة الأردنية ـ الإسرائيلية في عام 1994 أي بعد نحو عام من ذهاب الفلسطينيين الى مفاوضات أوسلو منفردين ثم بعد ذلك توقيع الاتفاقية التي تحمل هذا الإسم غدا قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي الفلسطينية التي أُحتلت في حرب يونيو (حزيران) عام 1967 هدفاً إستراتيجياً للأردن، على الصعيد الرسمي والشعبي، وغدا أي حديث عن أي علاقات وحدوية بين الأردنيين والفلسطينيين مشروطاً بقيام هذه الدولة جنباًَ الى جنب مع الدولة الإسرائيلية.([29])
باستثناء جماعة الإخوان المسلمين، التي بقيت ترفض الاعتراف بقرار «فك الارتباط» وتعتبره غير دستوري الى أن فازت حركة حماس بآخر انتخابات تشريعية فلسطينية وشكلت أول حكومة في السلطة الوطنية، فإن كل القوى السياسية الأردنية قد أعلنت إلتزامها بهذا القرار وأن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بقي وفيّاً لما قرره والده الراحل وبقي يتمسك باعتبار قيام الدولة الفلسطينية هدفاً إستراتيجياً أردنياً وبأنه لا حديث عن أي علاقات بين المملكة الأردنية الهاشمية وفلسطين إلا بعد قيام هذه الدولة
وهكذا نجد ان عمان لم تقبل فكرة المشروع الوطني الفلسطيني إلا بعد فك الارتباط. وهي تتقبله بتحفظات أهمها أن أي حل حسب مواصفات المشروع الوطني الفلسطيني لا بد أن يؤثر جوهريا على الأردن بحكم تواجد أعداد كبيرة من الفلسطينيين به. ودعاة المشروع الأردني و"الأردن أولا" يؤيدون فكا كاملا مع القضية الفلسطينية ينتهي عند قيام الدولة بين تخيير الفلسطينيين بين الهوية الأردنية أو الفلسطينية وعدم الجمع بينهما. وهذا يمثل موقف حكومة البخيت الحالية حسب تصريحات رئيس الوزراء الأردني الفترة الماضية.
وهناك اجتهادان رئيسيان في الساحة الأردنية بتداخل ملفت لموقف مكونيها الأردني والفلسطيني ومختلف أطياف النظام السياسي:
- الاجتهاد الأول يتمسك بمبدأ الفصل بين الأردن أرضا ونظاما عن القضية الفلسطيني قانونيا وسياسيا. وهو يمثل الموقف الرسمي الحالي. ولكن يتفاوت الموقف بين القوى المختلفة في كيفية التعامل مع امتدادات القضية وخاصة وضع الفلسطينيين في الأردن وحق العودة وطبيعة العلاقة مع الفلسطينيين في الأرض المحتلة في الوقت الراهن. وهذه متفاوتات كبيرة تتراوح بين التطابق مع المشروع الوطني الفلسطيني إلى التماهي مع الفهم الإسرائيلي. ان الذين يدعون الاتجاه الوطني لا يرغبون في ان يروا الضفة الغربية وقد أدمجت من جديد في الأردن والمؤكد أنهم لا يريدون ان يتحملوا تبعات السيطرة على مجتمع الضفة الغربية المنغمس انغماسا شديدا في السياسة ومن هنا فان هذه الفئة من الأردنيين تريد من الأردن ان يفض ارتباطه بالقضية الفلسطينية بقدر الإمكان. ([30])
- الاجتهاد الثاني لا يؤمن بإمكانية الفصل فعلا بين الأردن وفلسطين. ويؤمن بضرورة العودة لوحدة أردنية فلسطينية كاملة والتزام أردني فلسطيني بوحدة حقيقية. ويتفاوت موقف القوى التي تؤمن بهذا التوجه في كيفية ممارسة التكتيك السياسي الذي يعكس اختلاف الوضع القانوني للفلسطيني في الأرض المحتلة عن الأردن. ويشمل ذلك الظروف الأمنية والتدخل الإسرائيلي وحق المقاومة.
من الواضح اختلاف الاجتهاديين بالنتائج النهائية. ولكن ما هو غير واضح هو تداخل المواقف الوطنية المخلصة مع المواقف المتساوقة مع التوجه الإسرائيلي ضمن الاجتهاديين في نفس الوقت مما يجعل من الصعب دمغ من يؤمن باجتهاد معين بموقف سياسي تاريخي محدد. وأصبح هذا التداخل أكثر تعقيدا منذ دخول حماس للسلطة.
المبحث الثاني المواقف الفلسطينية
شكلت مسالة الكيانية الفلسطينية محور العلاقات الأردنية الفلسطينية منذ وقت مبكر وغدت شرعية التمثيل الفلسطيني التصور الاستراتيجي لصانع القرار الفلسطيني .
كان تاريخ 28 مايو / 1964 محطة حاسمة في مسيرة ها الكيان عندما تم الإعلان عن قيام منظمة التحرير الفلسطينية ورغم الإشكالات والاعتراضات والعقبات المختلفة التي واجهتها من بعض الدول العربية وبشكل خاص من الأردن إلا أن الدعم الذي حصلت عليه من مصر وتحديدا من الرئيس عبد الناصر ساهم في قيام المنظمة المنظمة ولعبت مصر دورا هاما في تليين الموقف الأردني الرافض لقيام المنظمة وفي تحسين صورة المنظمة عند القيادة الأردنية ([31])
وقد بقيت عقدة الخيار الأردني تلاحق الفلسطيننين وتطل برأسها من وقت لآخر حتى عندما كانت إسرائيل تتفاوض مع الفلسطينيين فقد قال الياكيمم روبنشتاين رئيس الجانب الإسرائيلي في مفاوضات السلام لحيدر عبد الشافي "إذا أراد الفلسطينيين حقوقا فليذهبوا هناك إلى الأردن " ([32])
ولذلك نجد ان المفكران الفلسطينيان رياض مالكي ورامي نصر الله اللذين يديران مؤسسة دراسات سياسية مرموقة اثارا شكوكاً حول إمكانية أن تُسفر المفاوضات الثنائية بين الفلسطينيين وإسرائيل عن قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة". وفي حزيران/ يونيو 2005 قال الناشر الفلسطيني حنا السنيورة خلال زيارة إلى واشنطن: "الاحتمالات الضعيفة المتوافرة الآن لتنفيذ حل قائم على مبدأ الدولتين تدفع بنا إلى إعادة التفكير بفرضية التوجه نحو الكونفيدرالية مع الأردن"
أن الشخصيات الموالية للأردن ضمن النخبة السياسية في الأرض المحتلة تتبنى الخيار الأردني بالكامل وتدافع عنه إذ أنها تخشى من أن تؤدي إقامة دولة فلسطينية مستقلة الى زعزعة أركان التركيبة التقليدية للمجتمع مما يهدد من مكانتها ويحد الى درجة كبيرة من امتيازاتها ولذلك وجدت إسرائيل في هذه الشخصيات إمكانية لتطور زعامة محلية تدفع باتجاه هذا النوع من الحل ولذلك منحت إسرائيل تلك ألشخصيات للعمل على تعزيز نفوذ الأردن في الأرض المحتلة ([33])
وهو ما يشجع إسرائيل على الحديث دوما عن ممثلي سكان الضفة الغربية وغزة بدلا عن ممثلي الفلسطينيين ([34] ) ولذلك يعتبر الأردن أن قرار فك الارتباط والذي جاء في 21 تموز 1988 كان فرصة للتخلص من الضغوط الدولية التي كانت تدفعه للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل على غرار كامب ديفيد ([35])
هناك تصور بان الترتيب النهائي لوضع الضفة الغربية لا بد أن يتم بمشاركة الأردن، باعتبار أن الضفة كانت جزءا منه، وباعتبار أن ما تبقى من الصراع العربي الإسرائيلي يقع معظمه إن لم يكن جميعه في الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والجولان عام 1967 وهو احتلال نشأ بعد حرب كان الأردن طرفا فيها، ولا يمكن تسوية تداعيات هذه الحرب وتحقيق الانسحاب المطلوب دون أن يكون الأردن طرفا أساسيا في التسوية، ولكن هذا لا ينفي دور الأردن الدائم في السعي من اجل حل القضية الفلسطينية([36]).
خاتمة
في قمة الرباط التي انعقدت في عام 1974، كان القرار العربي بوحدانية وشرعية تمثيل منظمة التحرير بالإجماع وقد خرج يومها ياسر عرفات، رحمه الله، وهو يشعر بأنه حقق انتصاراً ما بعده انتصار وقد كان يرد على أي ذكر لـ الخيار الأردني بالقول وبإسلوب ساخر : لا خياراً ولا فقُّوساً .. إن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وبقرار من العرب كلهم.
بعد قمة الرباط هذه وبعد هذا القرار أحسَّ الأردن بأن الوحدة بين الضفتين، الضفة الغربية والضفة الشرقية، في إطار المملكة الأردنية الهاشمية قد أصبحت صفحة مطوية ولكنه ومع ذلك وللتسهيل على الفلسطينيين في أي مفاوضات مقبلة مع إسرائيل أبرم اتفاقية عام 1985 الشهيرة مع قيادة منظمة التحرير والمعروف أن (أبو عمار) قد تراجع عن هذه الاتفاقية بعد نحو ثلاثة أعوام من توقيعها الأمر الذي دفع الملك حسين، رحمه الله، الى اتخاذ قرار فك الارتباط المعروف في عام 1988.
لقد باتت مسألة «الخيار الأردني»، أردنياً وفلسطينياً، منتهية بعد هذه الخطوة الأنفة الذكر ولم يلجأ الأردن الى فرد جناحيه فوق الفلسطينيين إلا خلال مؤتمر مدريد عام 1992 وفي بعض جلسات التفاوض اللاحقة وبطلب عربي ودولي ورجاء فلسطيني لتمرير مشاركة الفلسطينيين في العملية السلمية في البدايات حيث بعد ذلك تحولوا الى وفد مستقل تجسيداً لقرار الرباط بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
وهكذا ومنذ ذلك الحين بعد إبرام معاهدة وادي عربة الأردنية ـ الإسرائيلية في عام 1994 أي بعد نحو عام من ذهاب الفلسطينيين إلى مفاوضات أوسلو منفردين ثم بعد ذلك توقيع الاتفاقية التي تحمل هذا الاسم غدا قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي الفلسطينية التي أُحتلت في حرب يونيو (حزيران) عام 1967 هدفاً إستراتيجياً للأردن، على الصعيد الرسمي والشعبي، وغدا أي حديث عن أي علاقات وحدوية بين الأردنيين والفلسطينيين مشروطاً بقيام هذه الدولة جنباًَ الى جنب مع الدولة الإسرائيلية.
باستثناء جماعة الإخوان المسلمين، التي بقيت ترفض الاعتراف بقرار «فك الارتباط» وتعتبره غير دستوري الى أن فازت حركة حماس بآخر انتخابات تشريعية فلسطينية وشكلت أول حكومة في السلطة الوطنية، فإن كل القوى السياسية الأردنية قد أعلنت التزامها بهذا القرار وأن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بقي وفيّاً لما قرره والده الراحل وبقي يتمسك باعتبار قيام الدولة الفلسطينية هدفاً إستراتيجياً أردنياً وبأنه لا حديث عن أي علاقات بين المملكة الأردنية الهاشمية وفلسطين إلا بعد قيام هذه الدولة .
على الصعيد الإسرائيلي اتضح انه أيضا هناك تمسك بطرح الخيار الأردني وهو خيار كان دوما بعيون إسرائيلية منذ بداية طرحه حتى يومنا هذا، وعليه حكومات إسرائيل منذ احتلال العام 1967 للأراضي الفلسطينية المحتلة القدس العربية، الضفة الفلسطينية، قطاع غزة، كل حكومات إسرائيل العمالية والليكودية كانت دائماً تسعى باتجاه ما تتطلع عليه لتسوية "الخيار الأردني"، حكومات اليمين متمثلة بحكومات الليكود، وأخيراً بحكومة "كديما" برئاسة أولمرت، هذه الحكومات جميعاً ـ الحكومات اليمينية ـ كانت تدعو إلى الخيار الأردني بمفهومها الذي سماه شارون بكل وضوح "أن الأردن هو فلسطين، "بين البحر والنهر" كله أرض إسرائيل"، كذلك الحال حكومات حزب العمل كانت تطرح الخيار الأردني بصيغة أخرى تقول بوضوح لا للدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 4 حزيران/ يونيو 1967 عاصمتها القدس العربية المحتلة، لا حل لمشكلة اللاجئين، بل الحل يجب أن يقوم على قاعدة الخيار الأردني، وتعني بوضوح الأردن وأجزاء من الضفة الفلسطينية وغزة، وليس الأراضي الفلسطينية المحتلة بمجموعها.
المراجع
الكتب العربية
1. احمد الشقيري ، من القمة الى الهزيمة مع الملوك والرؤساء العرب ، بيروت ، دار العودة 1971،
2. احمد القضاة، "معركة السلام: وثائق اردنية: المسار الأردني- الإسرائيلي من مؤتمر مدريد إلى اعلان واشنطن"،عمان ، منشورات دائرة المطبوعات والنشر، 1994،
3. اسامة تليلان ،"السياسة الخارجية الأردنية والازمات العربية"،اربد ، مطبعة البهجة، 2000
4. اسعد مرزوق ، في التلمود والصهيونية ، بيروت : منظمة التحرير الفلسطينية، 1970.
5. إسماعيل فهمي ، التفاوض من اجل السلام في الشرق الأوسط ، القاهرة ، دار الشروق 2006.
6. انظر امل الشاذلي الليكود والتسوية ، القاهرة ، مركز الدراسات السياسية ، 1978 ،
7. برهان الدجاني ، حديث المفاوضات والمؤتمر الدولي ، المستقبل العربي، عدد ايلول 151، 1991
8. سعد ابو دية ، عملية اتخاذ القرار في سياسة الأردن الخارجية ، بيروت مركز دراسات الوحدة العربية ،1990
9. شفيق رشيدات ، فلسطين تاريخا وعبرة ومصيرا ،بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية 1991 .
10. عادل محمود رياض: الفكر الإسرائيلي وحدود الدولة، بيروت : معهد البحوث والدارسات العربية، ودار النهضة العربية، 1989،
11. عارف العارف ، النكبة ، صيدا ، المطبعة العصرية 19971.
12. على الجرباوي ، الانتفاضة والقيادات السياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، بحث في النخبة السياسية ، بيروت ، دار الطليعة ، 1989.
13. غازي إسماعيل ربابعة ، الإستراتيجية الإسرائيلية ( 1967-1980) رسالة دكتوراة ، القاهرة ، جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والسياسة 1979.
14. فيصل الرفوع ملامح عامة عن السياسة الخارجية الأردنية ، عمان ، وزارة الشباب 1999.
15. محمد الهزايمة ،السياسة الخارجية الاردنية في النظرية والتطبيق ، عمان ،دار عمان للنشر والتوزيع 1997،
16. محمد حسنين هيكل ، المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل :الأسطورة والإمبراطور والدولة اليهودية " ط7 القاهرة ، دار الشروق 1997
17. محمد حسنين هيكل ، سلام الأوهام 3 اوسلو ، ط4 القاهرة ، دار الشروق ، 1996
18. محمد فيصل كروان ، التوسع الإسرائيلي وتحليل مشروعات السلام الإسرائيلية
19. مهدي عبد الهادي ، المسالة الفلسطينية ، صيدا منشورات المكتبة العصرية ، 1997.
20. وليام كونت ، كامب ديفيد بعد 10 سنوات ، القاهرة ، مركز الأهرام للنشر ، 1989.
21. ون هرتيت ، حل القضية الفلسطينية ، دمشق ، ترجمة ونشر إدارة الاستطلاع ،1983.
دوريات
د احمد سعيد نوفل ، اتجاهات العلاقات الأردنية – الفلسطينية على ضوء اتفاقيات التسوية مع إسرائيل ، السياسة الدولية عدد ابريل 136.
د محمود حيدر ،الدولة الفلسطينية في الفكر السياسي الإسرائيلي ، شؤون الأوسط ، عدد رقم 93 اذار 2000 .
سهيلا سليمان الشلبي ، العلاقات الأردنية البريطانية ( 1950-1967) بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربي 1991.
Dan Diker and Pinchas Inbari. Re-energizing a West Bank- Jordan Alliance: Middle East Forum• VOLUME XIII: NUMBER2: 2006
د نيفين عبد الخالق ،فكر نتنياهو السياسي وازمة السلام العربية – الإسرائيلية المستقبل العربي العدد 238 كانون الأول ،1998.
صحف
بيسان العدوان الحوار المتمدن - العدد: 1349 -16/10/ 2005
رابين يتحدث عن كونفدرالية ( أردنية فلسطينية ، إسرائيلية ) صحيفة السفير اللبنانية 8/9/1992
صحيفة الشرق الأوسط 19/4/2007
هارتس ، تاريخ 4/7/2007
هارتس 7/7/2007
هارتس 1/1/2000
هارتس 24/7/2007
(1) انظر الون هرتيت ، حل القضية الفلسطينية ، دمشق ، ترجمة ونشر إدارة الاستطلاع ،1983ص14.
(2) امين محمود ، الكيان الذاتي الفلسطيني اقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي ، بيروت ، دار المنارة ، 1995، ص 20.
([3] ) بيسان العدوان الحوار المتمدن - العدد: 1349 -16/10/ 2005
(1) حول وجهة نظر بريطانيا اتجاه الكيان الفلسطيني انظر شفيق رشيدات ، فلسطين تاريخا وعبرة ومصيرا ،بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية 1991 . ص79 وما بعدها .
(1) عارف العارف ، النكبة ، صيدا ، المطبعة العصرية 1997. ص 136.
(2) فيصل الرفوع ملامح عامة عن السياسة الخارجية الأردنية ، عمان ،/ وزارة الشباب 1999، ص 50
(3) مهدي عبد الهادي ، المسالة الفلسطينة ، صيدا منشورات المكتبة العصرية ، 1997، ص179-180
(1) عادل محمود رياض: الفكر الإسرائيلي وحدود الدولة، بيروت : معهد البحوث والدارسات العربية، ودار النهضة العربية، 1989، ص 263
(1) المصدر السابق، نقلاً عن دائرة المعارف اليهودية، الجزء الثاني، ص 112 .
(2) اسعد مرزوق ، في التلمود والصهيونية ، بيروت : منظمة التحرير الفلسطينية، 1970.ص 250
(1) احمد القضاة، "معركة السلام: وثائق اردنية: المسار الأردني- الإسرائيلي من مؤتمر مدريد إلى اعلان واشنطن"،عمان ، منشورات دائرة المطبوعات والنشر، 1994، ص 5-44.
(2) محمد حسنين هيكل ، المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل :الأسطورة والإمبراطور والدولة اليهودية " ط7 القاهرة ، دار الشروق 1997ص254.
(1) هارتس 24/7/2007
(1) غازي إسماعيل ربابعة ، الإستراتيجية الإسرائيلية ( 1967-1980) رسالة دكتوراة ، القاهرة ، جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والسياسة 1979، ص29
(1) برهان الدجاني ، حديث المفاوضات والمؤتمر الدولي ، المستقبل العربي، عدد ايلول 151، 1991 ص 12
*كان يشغل منصب وزير الخارجية الاسرائيلي
(2) محمد فيصل كروان ، التوسع الاسرائيلي وتحليل مشروعات السلام الاسرائيلية ، القاهرة : مركز الدراسات السياسية ( بلا تاريخ ) ص 33
(1) المصدر السابق ص 34
(2) رابين يتحدث عن كونفدرالية ( أردنية فلسطينية ، إسرائيلية ) صحيفة السفير اللبنانية 8/9/1992
(1) انظر امل الشاذلي الليكود والتسوية ، القاهرة ، مركز الدراسات السياسية ، 1978 ، ص 95 وما بعدها .
(1) هارتس 1/1/2000
(1) Dan Diker and Pinchas Inbari. Re-energizing a West Bank- Jordan Alliance: Middle East Forum• VOLUME XIII: NUMBER2: 2006
(2) محمود حيدر ،الدولة الفلسطينية في الفكر السياسي الإسرائيلي ، شؤون الأوسط ، عدد رقم 93 اذار 2000، ص23.
(3) حول فكر نتنياهو انظر نيفين عبد الخالق ،فكر نتنياهو السياسي وازمة السلام العربية – الإسرائيلية النستقبل العربي العدد 238 كانون الاول ،1998،ص 24
(3 ) صحيفة هارتس ، تاريخ 4/7/2007
(1) صحيفة هارتس الاسرائيلية 7/7/2007
(1) سهيلا سليمان الشلبي ، العلاقات الأردنية البريطانية ( 1950-1967) بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربي 1991، ص279
* نص المشروع على ان تصبح المملكة الأردنية الهاشمية ( مملكة عربية متحدة ) وتتكون من قطرين : قطر فلسطين ويتكون من الضفة الغربية وأية أراض فلسطينية اخرى يتم تحريرها ويرغب أهلها في الانضمام إليها قطر الاردن ويتمون من الضفة الشرقية وتكون عمان العاصمة المركزية لملكة وفي الوقت نفسه تكون عاصمة لقطر الاردن وتكون القدس عاصمة لقطر فلسطين . رئيس الدولة هو الملك ويتولى السلطة التنفيذية ومعه مجلس وزارء مركزي ، اما السلطة التشريعية المركزية فتناط بالملك وبمجاس يعرف باسم ( مجلس الأمة ) ويتكون من عدد من اعضاء متساو من كل قطر وللملكة قوات مسلحة واحدة قائدها الأعلى الملك .
(1) سعد ابو دية ، عملية اتخاذ القرار في سياسة الأردن الخارجية ، بيروت مركز دراسات الوحدة العربية ،1990 ص117
([28] ) صحيفة الشرق الأوسط 19/4/2007
(2) احمد سعيد نوفل ، اتجاهات العلاقات الأردنية – الفلسطينية على ضوء اتفاقيات التسوية مع إسرائيل ، السياسة الدولية عدد ابريل 136، ص 50
(1) وليام كونت ، كامب ديفيد بعد 10 سنوات ، القاهرة ، مركز الأهرام للنشر ، 1989، ص403
(1) حول الدور المصري في هذا الامر انظر احمد الشقيري ، من القمة الى الهزيمة مع الملوك والرؤساء العرب ، بيروت ، دار العودة 1971، ص 105
(1) محمد حسنين هيكل ، سلام الأوهام 3 اوسلو ، ط4 القاهرة ، دار الشروق ، 1996، ص 35
(2) على الجرباوي ، الانتفاضة والقيادات السياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، بحث في النخبة السياسية ، بيروت ، دار الطليعة ، 1989.ص 41
(3) إسماعيل فهمي ، التفاوض من اجل السلام في الشرق الأوسط ، القاهرة ، دار الشروق 2006.ص 36.
(4) محمد الهزايمة ،السياسة الخارجية الاردنية في النظرية والتطبيق ، عمان ،دار عمان للنشر والتوزيع 1997، 236
(1) اسامة تليلان ،"السياسة الخارجية الأردنية والازمات العربية"،اربد ، مطبعة البهجة، 2000 ص 184
مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 43: خريف 2009 - 7th Year, :July Issue 43