بحوث ودراساتآراء وأفكارعرض أطاريح  CONTACT US   

مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 43: خريف 2009  - 7th Year, :July  Issue 43

 الأم ورحلتها في الشعر العربي من الجاهلية إلى نهاية العصر العباسي

د. زاهر محمد الجوهر حنني

 (أستاذ مساعد، جامعة القدس المفتوحة، قلقيلية)

al3oroobah@yahoo.com

 

ملخص

جاء هذا البحث في ثلاثة أقسام مسبوقة بتمهيد تناول مفهوم الأم في اللغة والأدب، ثم توقف عند دلالات اللفظة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وعرض في الجزء الأول صورة الأم في الشعر العربي قبل الإسلام فتوقف عند طائفة من النماذج الشعرية التي لم تصل إلى مستوى قصيدة كاملة وإنما كانت تظل جزءا من موضوع مرتبط بحياة العرب آنذاك. ثم تناول البحث في الجزء الثاني صورة الأم في شعر صدر الإسلام والعصر الأموي ولم يفرق بينهما لعدم وجود فوارق لافتة، وقد بين البحث كيف أثر الإسلام على الشعر في هذا أسوة بكثير من أغراض الشعر ومضامينه. أما الجزء الثالث فقد تناول صورة الأم في الشعر العباسي في القسم الأول منه، وبين بالنماذج كيف تطورت صورة الأم واحتلت مكانة خاصة ثم احتلت قصائد برمتها خصصت من أجلها. أما القسم الثاني من الجزء الثالث فقد عرض صورة الأم في الشعر العربي في الأندلس، وبين كيف دخلت الأم إلى أغراض القصيدة ليس بوصفها الشائع والمعروف فحسب وإنما ذهب الشعراء إلى أصل الاسم وناقشوه ببعد فكري حديث لم يشهده الشعر من قبل. وبدأ البحث بمقدمة، وانتهى بخاتمة تناولت أبرز ما توصل إليه البحث.وقد استخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي، متتبعا المراحل التاريخية لأهمية ذلك في بيان سمات التطور التي رافقت صورة الأم عبر العصور.

Abstract

 

The research contains three parts preceded by an introduction which has tackled the concept of mother in language and literature and clarified the difference between two expressions which explain the concept of mother in Arabic, namely (Al Um and Al Walidah) depending on the interpretations of language glossary and the differences of it's uses in addition to the interpretation of the word in the Holy Quran and Hadeeth.

 

The first part dealt with the mother image in Arabic poetry pre Islam and studied certain poetic patterns which are not considered a complete poem but remained a part of a topic which is related to Arabs life then.

 

The second part was concerned with mother's image during the early Islam and Umayyad era, in fact there was no differentiation between the two expressions due to the absence of any distinguished differences .The research clarifies how Islam affected poetry and other poetic objectives and contents, taking into consideration that many poets were satisfied with what has been mentioned in the Holy Quran and Sunnat.

 

The third part tackled the mother image in the Abbasids era in the first part and then exemplify the development of the mother image in which mother occupied a dignified status and later full poems were recited after her, bearing in mind most of them lamented her. The third part of the third chapter dealt with the mother image in Arabic poetry in Andalusia and it clarified how the mother become a main objective in the poem  not only for its mere popular position, in fact poets discusses the origin of the name intellectually in a modern way .The research started with an introduction and an end which has discussed the highlights of the results and recommended to continue the research in order to clarify the development of mother image in Arabic poetry later.

The researcher used the descriptive analytic method, following the historical stages of the importance of this topic, which is believed to be very important to explain the developed features which accompanied mother's image through ages.

 

مقدمة

          هل كانت الأم على الدوام تحتفظ بصورتها التي أودعها الله –تعالى- فيها في رؤى الشعراء في كل العصور؟ كيف صور الشعراء الأم؟ هل تختلف أم عن أم في شعور الابن تجاهها؟

الشعراء الذين أوتوا قدرة على التعبير عن كثير من مشاعرهم ووصفها، هم الأوفر حظا من غيرهم ممن يمتلكون مشاعر جياشة لا يستطيعون التعبير عنها بالكلمات التي تكتسي حلة خاصة كالشعر، إن متلقي النص الشعري كثيرا ما يجد في نص ما، درجة من درجات التعبير عما في خاطره، فيجده - تبعا لتلك الدرجة - قريبا أو بعيدا عن نفسه، فيحبه وقد يحفظه من شدة حبه له. ومن الأغراض الأكثر شيوعا بين موضوعات الشعر عامة موضوع الأم، لكنه من أقل الأغراض اهتماما من الدارسين والباحثين؛ لذا كان هذا البحث يتناول (رحلة الأم في الشعر العربي من الجاهلية إلى نهاية العصر العباسي).

جاء هذا البحث في ثلاثة أقسام مسبوقة بتمهيد تناول مفهوم الأم في اللغة والأدب، وبين الفرق بين الأم والوالدة متتبعا دلالاتها في معجمات اللغة ومواطن التلاقي والافتراق في استعمالها، ثم توقف عند دلالات اللفظة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وعرض في القسم الأول لصورة الأم في الشعر العربي قبل الإسلام فتوقف عند طائفة من النماذج الشعرية التي لم تصل إلى مستوى قصيدة كاملة وإنما كانت تظل جزءا من موضوع مرتبط بحياة العرب آنذاك، وبين البحث أن الأم شأنها في هذا شأن كثير من الموضوعات التي شكلت جزءا مهما من القصيدة العربية قبل الإسلام، إلا أنها لم توجد موضوعا مستقلا لقصيدة. ثم تناول البحث في القسم الثاني صورة الأم في شعر صدر الإسلام والعصر الأموي ولم يفرق بينهما لعدم وجود فوارق لافتة، وقد بين البحث كيف أثر الإسلام على الشعر في هذا أسوة بكثير من أغراض الشعر ومضامينه، فقد انصرف كثير من الشعراء إلى الاكتفاء بما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة عن الأم وأهميتها وقيمتها في الإسلام، فأغناهم ذلك عن الحديث عنها في غرض مستقل، ولكنهم لم يهملوا ذكرها في كثير من القصائد وقد استعرض البحث نماذج منها. أما القسم الثالث فقد تناول صورة الأم في الشعر العباسي في الجزء الأول منه، وبين بالنماذج كيف تطورت صورة الأم واحتلت مكانة خاصة ثم احتلت قصائد برمتها خصصت من أجلها، وإن كان كثير منها في رثائها. أما الجزء الثاني من القسم الثالث فقد عرض لصورة الأم في الشعر العربي في الأندلس، وبين كيف دخلت الأم إلى أغراض القصيدة ليس بوصفها الشائع والمعروف فحسب وإنما ذهب الشعراء إلى أصل الاسم وناقشوه ببعد فكري حديث لم يشهده الشعر من قبل. وبدأ البحث بهذه المقدمة، وانتهى بخاتمة تناولت أبرز ما توصل إليه البحث وبينت ضرورة الاستمرار في البحث لرصد تطور صورة الأم في الشعر العربي بعد ذلك.

وقد استخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي، متتبعا المراحل التاريخية لأهمية ذلك في بيان سمات التطور التي رافقت صورة الأم عبر العصور.

راجيا المولى –عز وجل- أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما يعلمنا، إنه قريب مجيب الدعاء.    

 

تمهيد

أ- الأم في اللغة والأدب

          ليست الأُمُّ هي الوالدةُ وحسب، بل هي أكثرُ من ذلك، ولهذا تأنّت المعاجمُ اللغويةُ العربيةُ المختلفةُ عندَ الحديثِ عنها. فمنَ الأُمِّ اشتُقَّت الأُمومَةُ التي هي عاطفةٌ أودَعَهَا اللهُ      - تعالى – في الأُنثى الوالدةِ السويةِ لتدفعَها إلى كثيرٍ من الشفقةِ والحنان. ومن هنا كانت الأُمّ أصلَ الأشياءِ:" أُمّ الشيءِ: أصلُهُ. والأُمّ والأُمُومَةُ: الوالِدَةُ. وأَمَّت تَؤُمُّ أُمُومَةً: صارت أُمّاً. وقال ابنُ الأعرابيِّ في امرأةٍ ذَكَرَها: كانت لها عمةٌ تؤُمُّها، أي تكون لها كالأُمّ. وتأمَّها واستأمَّها وتأمّمها: اتخذها أمّاً؛ قال الكُمَيتُ:

ومِن عَجَبٍ، بِجِيلِ، لعمر أمٍ         غَذَتكِ، وَغَيرَها تتأمّمينا

قال الليثُ: يقالُ تأمّمَ فلانٌ أمّاً إذا اتخذها لنفسِهِ أمّاً، قال: وتفسيرُ الأمّ في كلِّ معانيها أمَّة لأنّ تأسيسَهُ من حرفين صحيحين والهاءُ فيها أَصليَّةٌ، ولكنَّ العربَ حذفت تلك الهاءَ إذ أمنوا اللبس"(اللسان: أمم) قال ابن سيده:" الأمَّهَةُ كالأمِّ، الهاءُ زائِدةٌ لأنهُ بِمَعنى الأمِّ، وقولُهُم أمٌّ بَيِّنةُ الأمومةِ يصحّحُ لنا أنَّ الهمزةَ فيهِ فاءُ الفعلِ والميمُ الأولى عينُ الفعلِ، والميم الأخرى لامُ الفعلِ، فأمٌّ بِمَنزِلَةِ دُرٍّ وجلٍّ ونحوهما مما جاءَ على فُعْل وعينُه ولامُه من موضعٍ"(اللسان:أمم) ويرجع مقاييس اللغة الهمزة والميم إلى أصل واحد بقوله:" وَأمّا الهمزَةُ والميمُ فَأصلٌ واحدٌ، يَتَفرَّعُ منهُ أربعةُ أبوابٍ، وهي الأصلُ، والمرجِعُ، والجماعَةُ، والدينُ، وهذهِ الأربعةُ متقاربةُ، وبعدَ ذلكَ أُصولٌ ثلاثةٌ وهي القامةُ، والحينُ، والقصدُ"(مقاييس اللغة:أُمّ) وقد ذكر للأصل والمرجع والجماعة أمثلة كثيرة، أما صاحب الصحاح فيؤكد:" أمُّ الشيءِ: أصلُهُ، والأمُّ: الوالدةُ" ويضيف أيضا:" الأُمّةُ: الطريقةُ والدينُ. يقال: فلان لا أمّةُ له، أي لا دين له ولا نحلة له. قال الشاعر: وهل يستوي ذو أُمَّةٍ وكفور. والأمّةُ: الحين" (الصحاح في اللغة: أمم) وجاء في العين: " الأمّةُ: الدين، قال اللهُ تعالى:"إنا وَجَدنا آباءَنا على أُمَّةٍ"( الزخرف:22) وحكى أبو زيد: لا أمّةَ له، أي لا دينَ له. وقال النبيُّ – صلّى الله عليه وسلم- في زيد بن عمرو بن نُفَيل:" يُبعَثُ أُمَّةً وحدَه". وكذلكَ كلُّ من كانَ على دين حق مخالفٍ لسائرِ الأديانِ فهوَ أمَّةٌ. وكل ُ قوم نُسبوا إلى شيء وأُضيفُوا إليهِ فهم امة، وكلُّ جيلٍ منَ الناسِ أمةٌ على حدةٍ. وفي الحديث:" لولا أن هذهِ الكلاب أمةٌ من الأممِ لأمرتُ بِقتلِها، ولكن اقتلوا منها كلَّ أسود بهيم". فأمّا قولُهُ تعالى:" كان الناسُ أمةً واحدةً"( البقرة:213)، فقيلَ كانوا كفّاراً فَبَعَثَ اللهُ النبيينَ مبشرينَ ومنذِرِينَ. وقيلَ: بل كان جميعُ من معَ نوح – عليه السلام – في السفينةِ مؤمناً ثم تفرقوا. وقيلَ:" إنَّ إبراهيمَ كان أمّةً"(النحل:120)، أي إماما يُهتدَى بهِ. وهو سبب الاجتماع. وقد تكون الأمّةُ جماعةَ العلماءِ، كقوله تعالى:" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير"(آل عمران:104)، وقالَ الخليلُ: الأمّةُ القامةُ، تقول العرب إن فلانا لطويل الأمّةِ، وهم طِوالُ الأممِ، قال الأعشى:

وإن معاوية الأكرمين         حسان الوجوه طوال الأمم

الأمة في قوله تعالى:" وادّكرَ بعدَ أمّةٍ"(يوسف:45) أي بعدَ حين."( العين: أمم)

          وإن لم تختلف المعاجم في تحديد مفهوم الأم كما بينا، إلا أنها اختلفت في جمعها، فقد عرض ابن منظور لجمعها على النحو الآتي:"... والجمعُ أمّات وأمّهات، زادُوا الهاءَ، وقالَ بعضُهم: الأمَّهات فيمَن يعقِلُ، والأمّات بغيرِ هاء فيمن لا يعقِلُ، فالأمهاتُ للناسِ والأمّات للبهائِم" (اللسان:أمّ) وذكر أن ابن برّي قال:" الأصلُ في الأمّهاتِ أن تكونَ للآدميين، وأمّات أن تكونَ لغيرِ الآدميين، قال: وربما جاء بعكس ذلكَ، كما قال السفاحُ اليربوعيُّ في الأمَّهاتِ لغير الآدميين:

قوّال معروفٍ وفعّاله،         عقّار مثنى أمهاتِ الرباعِ

قال: وقال ذو الرّمةِ:

سوى ما أصابَ الذئب منه وَسُرْبَةٌ        أطافت بهِ من أمَّهاتِ الجوازلِ

فاستعمل الأمهاتِ للقطا واستعملها اليربوعيُّ للنوقِ، وقالَ آخرُ في الأمَّهاتِ للقردانِ:

رمى أمهات القرد لذع من السفا،       وأحصد من قرانه الزهر النضر

وقال آخرُ يَصِفُ الإبل:

وهام تزلُّ الشمسُ عن أمَّهاتِهِ       صلاب وألحٍ، في المثاني، تقعقعُ

وقالَ هيمانُ في الإبل أيضا:

جاءت لخمسٍ تمَّ من قِلاتِها        تقدمها عيسا من امهاتها

وقال جريرُ في الأمّات للآدميين:

لقد ولد الأخيطلَ أمُ سوءٍ             مقلدة من الأماتِ عارا

التهذيبُ يجمعُ الأمَ منَ الآدميّاتِ أمَّهات، ومنَ البَهائِمِ أمَّات، وقال:

لقد آليتُ أغدرُ في جداعٍ            وإن منّيتُ أمات الرباع

قال الجوهري: أصل الأم أمهة، ولذلك تجمعُ على أمَّهات"( اللسان: أمّ) ولو كان ما ذكر مكتفيا بقول جرير المذكور لقلنا إنه جاء في باب الذم للأخطل،إلا أن كثرة الأمثلة تبين هذا الالتباس بينهما في الاستخدام فصاحب مقاييس اللغة ذكر أن الخليل قال:" الأمّ الواحد والجمع أمهات، وربما قالوا أم وأمّات. قال شاعر وجمع بين اللغتين:

إذا الأمَّهاتُ قبحنَ الوجوهَ      فرجت الظلام بأماتكا "

                                                      ( مقاييس اللغة: أمّ)

 وهذا ما تبينّاه، ونضيف إليه قوله:" وقال المبرد: والهاء ُ منْ حروفِ الزيادةِ، وهي مزيدةٌ في الأمَّهاتِ، والأصلُ الأمّ وهو القصدُ؛ وقالَ أبو منصور: وهذا هوَ الصوابُ لأنَّ الهاءَ مزيدةٌ في الأمّهاتِ" (العين: أمّ).

          كذلك اختلفوا في تصغيرها؛ فذكرت معظم المصادر أن (أم) تصغر على أُمَيْمَة،إلا أن الخليل ذكر أن الليثَ  قال:"ويقول بعضهم في تصغير أمّ أميمة، قال: والصواب أُمَيْهَة، تُرَدُّ إلى أصلِ تأسيسِها، ومن قالَ أُمَيمَة صغَّرَها على لفظِها، وهم الذينَ يقولونَ أمّات"(العين:أمّ) أما صاحب الصحاح فقد اكتفى بقوله:" وقال بعضُهُم: الأمّهات للناسِ والأمّهات للبهائِمِ"      (الصحاح في اللغة:أمّ).

          واختلفوا أيضا في قولهم لا أم لك، أهي مدح أم ذم أم الاثنتان، فذكر ابن منظور أن الليث قال:" إذا قالت العربُ لا أُمَّ لك فإنه مَدْحٌ عندَهم؛ غيره: ويقال لا أُمَّ لك، وهو ذَمٌّ. قال أَبو عبيد: زعمَ بعضُ العلماءِ أنَّ قولَهم لا أُمَّ لك قد وُضعَ موضعَ المَدحِ؛ قال كعب بن سعد الغَنَويّ يَرْثي أَخاه:

هَوَتْ أُمُّه ما يَبْعَث الصُّبْح غادِياً،         وماذا يُؤدّي الليلُ حينَ يَؤوبُ؟

 قال أبو الهيثم في هذا البيت: وأَيْنَ هذا مما ذهب إليه أَبو عبيد؟ وإنما معنى هذا كقولهم: وَيْحَ أُمِّه ووَيْلَ أُمِّه والوَيلُ لها، وليس للرجل في هذا من المَدْح ما ذهَب إليه، وليس يُشْبِه هذا قولهم لا أُمَّ لك لأَن قوله لا أُمَّ لك في مذهب ليس لك أُمٌّ حُرَّة، وهذا السَّبُّ الصَّريح، وذلك أَنّ بَني الإماءِ عند العربِ مَذْمومون لا يلحقون بِبَني الحَرائرِ، ولا يقولُ الرجلُ لصاحِبِهِ لا أُمَّ لك إلاَّ في غضَبِهِ عليه مُقَصِّراً به شاتِماً له، قال: وأَمّا إذا قال لا أَبا لَك، فلم يَترك له من الشَّتِيمَةِ شيئاً، وقيل: معنى قولهم لا أُمَّ لك، يقول أنت لَقِيطٌ لا تُعْرَف لك أُمٌّ. قال ابن بري في تفسير بيتِ كعب بن سعد قال: قولُهُ هَوَتْ أُمُّهُ، يُسْتَعْمَلُ على جهةِ التعَجُّبِ كقولِهم: قاتَلَهُ اللهُ ما أَسْمَعه ما يَبْعَث الصبحُ..."( اللسان: أمّ).(1)

 

   ب-الأم في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف

          الأم والدة، ولكن ليست كل والدة أما، أي تحمل صفاتها. فالأم من الأمومة، أما الوالدة فهي من فعل الولادة:" ولدتْهُ أمُهُ ولادةً وإلادةً على البدل، فهيَ والدةٌ على الفعلِ، ووالدٌ على النسبِ... وكل حاملٍ تلدُ، ويقالُ لأمِّ الرجلِ: هذه والدةٌ. وولدت المرأةُ ولادا وولادةً، وأولدت: حانَ ولادُها."( العين: ولد) ولم تختلف المعاجم في ذلك. وقد فرق القرآن الكريم بينهما تفريقا واضحا؛ فورد لفظ الأم واشتقاقاتها التي تدور في فلكها (86) مرة، كما ورد لفظ الولد واشتقاقاتها التي تدور في إطار المعنى نفسه أيضا (104) مرات. ولدى قراءتها قراءة متأنية يتبين أن القرآن الكريم عبر عن المعنى المقصود باللفظ المناسب؛ من حيث أن الله –تعالى- يطلق لفظ الوالدة على المرأة التي تنجب الابن مهما كانت مواصفاتها وصفاتها، حسنة أو قبيحة، بل هي عملية إنجاب تتم عند الإنسان وتتم أيضا عند الحيوان عندما يلتقي الذكر بالأنثى وما يتبع ذلك من حمل وإرضاع، فقال تعالى:" والوالِداتُ يرضعْن أولادَهُنَّ حولين كاملين لِمَن أرادَ أن يُتمَّ الرضاعة" (البقرة:233) وهذه الوالدة التي تحمل وتلد هي محل البر والإكرام كالوالد لا فرق بين السيء منهما والحسن من حيث وجوب البرِّ بهما، لقوله تعالى: "وَقَضَى ربُّكَ ألا تعبدوا إلا إياهُ وبالوالِدَيْنِ إِحسَانَا"  (الإسراء:23) حتى لو كانت الوالدة بغيا أو كافرة. في حين أطلق الله تعالى لفظ الأم على الأصل الطيب الكريم الذي هو رمز التضحية والفداء والطهر والنقاء والحب والحنان، وهي الأصل الذي يتشرف الولد به ويفخر بنسبه له ونسبته إليه. ففي قوله -تعالى- الذي جاء على لسان عيسى – عليه السلام- :" وبراً بِوَالِدَتي وَلَم يَجْعَلْني جَبَّارَاً شقياً" (مريم: 32) يتكلم عن البر والإكرام لذا قال (والدتي) أما في حديثه عن الأم الكريمة المعجزة فقال –تعالى- :" ما المَسِيحُ ابنُ مريمَ إلا رسولٌ قدْ خَلَتْ مِن قَبلِهِ الرُسُل وَأُمُّهُ صِدّيقَة..." ( المائدة:75)، وعندما أراد -سبحانه- أن يلفت الانتباه ويبين معاناة الأم من جراء الولادة من حيث مقدماتها وآثارها ونتائجها فقد قال –عز وجل- :" وَوَصَّينا الإنسَانَ بِوالِدَيْهِ إحسَانَا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهَاً وَحَمْلُهُ وفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شهراً..." (الأحقاف:15) فالإحسان واجب المرء تجاه والديه كليهما، أما معاناة الحمل والوضع والإرضاع فهي من نصيب المرأة الأم، وبهذا فإن الإنسان مطالب بالوقوف مطيعا ومحسنا أمام أمه أكثر من غيرها لما عانته من الحمل والوضع والإرضاع؛ ولهذا كان القرآن الكريم يذكّر بمعاناة الأم التي تتكبدها أثناء الحمل والوضع والإرضاع عندما يذكر الوالدين. ولأن معنى الأمومة يتجاوز حالة الحمل والوضع والإرضاع إلى الشعور بالعلاقة الخاصة، فقد ذكر القرآن الكريم أن زوجات الرسول –صلى الله عليه وسلم- هن أمهات المؤمنين، فقال تعالى: "النبيُّ أولى بِالمُؤمِنينَ من أنفُسِهِم وأزواجُهُ أُمّهاتُهُم"(الأحزاب:6)  وليؤكد هذا الفارق بينهما يشير إلى أن الأم قد تكون هي التي تحمل وتضع وترضع وقد لا تكون، فيقول تعالى: "وأُمَّهَاتكُم اللاتِي أَرْضَعْنَكُم"(النساء:23)، أي هناك أمهات لسن هن من يرضعن، وإنما يحملن معنى الأمومة، وصفات الأمومة، وهذا لا يعني نفي كون الأم هي الوالدة وإنما يوضح فروقا بينهما، ولهذا يقول تعالى:" يَخلُقُكُم في بطونِ أُمَّهَاتِكُم خَلقَاً مِن بَعدِ خَلق"(الزمر :6) ولا ينتقص واحد من هذه المعاني من قدر الأم أو الوالدة في شيء، لقوله تعالى: " وَوَصّينَا الإنسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلتهُ أمُّهُ وَهْناً على وهنٍ، وفِصالُهُ في عامين أنْ اشكرْ لي وَلِوالِدَيكَ إليّ المَصير* وإن جاهداكَ على أن تشرِكَ بي ما ليسَ لَكَ بِهِ علم فلا تُطعْهُما وصاحِبْهُما في الدّنيَا مَعْرُوفاً واتّبِعْ سبيلَ من أنابَ إليَّ ثمَّ إليَّ مرجِعُكُم فأنبئكُم بما كنتُم تعمَلون"  (لقمان:14-15)._ والله أعلم-.

          ولم يخرج الحديث النبوي الشريف عن هذه المعاني إذ ورد عن أنس بن مالك أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قال:" الجنة تحت أقدام الأمهات" (الحاكم :2/70)، وأخرج الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال عن الأم :" الزمها فإن الجنة عند رجليها"(أحمد: 3/429) وعن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- :" من قبّل بين عيني أمه كان له سترا من النار"(السيوطي: 4/173). وهذا يشير صراحة إلى اهتمام القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف بالأم وبالوالدة بوصفها وصفتها وكيانها الإنساني، ووصفها الاجتماعي وأهميتها في الأسرة، الأمر الذي قصّر فيه –في هذا المستوى- الجانب الأدبي من الحياة العربية قبل الإسلام، وإن لم يكن قد أغفله تماما. أما كتاب (الأم) للشافعي -رحمه الله- فليس له علاقة بموضوعنا إلا من باب استخدامه للفظ في معنى أصل العلوم الفقهية.(2)

 

أولا: رحلة الأم في الشعر العربي قبل الإسلام

لما كان الشعر يرتبط في جانبه الأهم بالشعور، كان الأكثر قدرة على التعبير عن ألفاظ لا يعد الحديث عنها مقاربا للإحساس بها – إلا من بعيد ربما-، فدلالة لفظ الأم له وقع في القلب والنفس والوجدان لم يبرحه على مر العصور. كانت المرأة عند العرب قبل الإسلام جزءا مهما من المجتمع، وإن لم ترتق مكانتها فيه إلى ما صارت عليه بعد الإسلام، لكنها كانت مشاركة في الأحداث المهمة فيه، فالمرأة كانت سببا في كثير من الصراعات التي شهدها ذلك العصر، وليست حرب البسوس إلا مثالا واحدا على ذلك، فناقة البسوس كانت سببا في إشعال فتيل تلك الحرب التي استمرت سنوات طويلة كما هو معروف، وضربت بها الأمثال في كثير من الحالات، وليس (عطر منشم) غير مثال واحد أيضا، كما أن قول هند بنت عتبة المشهور " نحن بنات طارق ....." يعد موقفا واضحا للمرأة الجاهلية، ومن خلال مواقفها في الحروب والمعارك والغزوات كانت تتحدد أهميتها ومكانتها، فمن المعروف أنها كانت غير مرغوب فيها عند كثير من أحرار العرب، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى وأدها خوفا مما قد تلحقه بهم من عار بعد أن تكبر. ويمكن الحديث عن نوعين من النساء هما: المرأة الحرة والمرأة العبدة، الحرة هي التي كان يفخر العربي بانتسابه لها، والعبدة التي كانت تعد عيبا ويعير بها أبناؤها وقد ينكر الآباء نسب أبنائهم منهن لهم، كما حدث مع كثيرين مثل عنترة بن شداد، ولكن الأم مهما كانت فإن الشعور بالانتساب لها لم يصل عند أحد منهم إلى الخزي منها أو إنكار كونها أمه حتى لو عاب عليه آخرون ذلك النسب، وهذا الأمر يرتبط بشعور الإنسان الطبيعي (الفطري) نحو من حملت به ثم ولدته وربته وتعبت عليه، فلا يستطيع أي أمر مهما كان أن يحول دون البر بها، والإحسان إليها، والوفاء لها.

أما صورة المرأة عموما أما وأختا وبنتا وزوجة "فقد ظلت تجد طريقها إلى عطاء الشاعر فتحتل مساحتها الخاصة من نماذجه عبر عصور العطاء الشعري دون استثناء. وذلك ما أغرى الكثير من الدارسين بأن يخرجوا بأحكام سريعة أقاموها على تصور موضوعي صرف زعموا أنه المنفذ شبه الوحيد لاستجلاء طبيعة ارتياد الشعر لعالم المرأة التي بدت من زاوية النظر هذه حافزا إلهاميا لا يشكل مادة تجربة شعرية إلا حين يتحول إلهاما يرمض النفس فيستدر القول"(القيسي:19) وظلت النظرة إلى المرأة على نحو من النمط الموضوعي تقر قضايا تعدها حقائق موضوعية تنظر إلى الأمر من زوايا رصد متباينة(ينظر: الهاشمي) أما الأم في حد ذاتها فقد ظلت مقياسا للنسب عند العرب قبل الإسلام في نموذجها الأبرز والأوضح، وظلوا يخافون من أن يعيروا بها، أو أن تصبح مضربا لمثل، وظلت الأم مما يعير به الشاعر شاعرا آخر إذا وجد أي شك فيه، فهذا الشاعر الجُمَيْحُ  (منقذ بن الطماح بن قيس من بني أسد) يعير بني عامر بأمهم بعد غدرهم ببني أسد في يوم ذي تملق، قائلا:

فدى لسلمى ثوباي إذ دنس الـ        ـقوم وإذ يدسـمون ما دسموا

أنتم بنو المرأة التي زعم الــ        ـناس عليها في الغي ما زعموا

                                                                  (السابق: 42)

فالشاعر يُعَيِّرُ القومَ بحادثة يتناقلها الناس عن أمهم يوم ولدت... وقد شاع خبر تلك الحادثة، فأصبحت مما يُعَيَّرُ به قومها، والشاعر في هذه الأبيات والأبيات اللاحقة يستهزئ بهم ويتهكم عليهم، وأشد حالات التهكم جرحا لكرامة المُستهزَأ به أن يعير بأمر يرتبط بالأم، والشعراء كانوا يعرفون ذلك جيدا لذا كان هجاؤهم مما يصيب عدوهم في مقتل. ولا يبتعد كثيرا عن هذا المعنى ما قاله الشاعر الجاهلي مُزرَّد بن ضرار الذُّبياني في بني عبد الله بن غطفان:

أطاع له لَسُّ الغمير بتلعةٍ      حمارا يراعي أُمَّهُ غيرَ سافدِ

ولكنه من أمكم وأبيـكم       كجارِ زُمَيْتٍ أو كعائـذِ زائِدِ

                                                                        (السابق:81)

          وإذا ما أراد الشاعر الجاهلي أن يمتدح أصول حبيبته التي يتغزل بها، ذكر أمها في خير وذكر أباها كذلك، كما فعل الشاعر المرار بن منقذ في قوله:

ناعَمَتْها أُمُّ صدقٍ برةٌ      وأبٌ برٌّ بها غير حَكِر

                                                                   (السابق: 91)

مع انه يشبب في القصيدة بحبيبته، إلا أنه يذكر أنها من أصول حرة، ومن بيت عزّ.

وكذلك يفعل الشاعر الذي يريد أن يفخر بنسبه فإنه ينفي النقص عنه بفخره بأمه الحرة، وأنه ليس ابن أَمَةٍ، وأنه ابن أبيه الأبي، كقول ذي الإصبَعِ العَدْوَانِيّ (مع أنني أرجح أن تكون هذه القصيدة مما قاله في الإسلام، لما فيها من قيم شاعت بعد مجيء الإسلام، وهو شاعر مخضرم):

عَنّي إليك  فما  أمّي  براعية        ترعى المخاض وما رأيي بمغبون

كل امرئ راجع يوما لشيمته        وإن  تخالق  أخلاقا  إلى  حـين

إنّي  أبيٌّ  أبِيٌّ  ذو  محافظةٍ        وابـنُ  أبـِيٍّ  أبـِيٍّ  من  أبِيّينِ

                                                    (السابق: 160)

وإذا كان الشاعر الجاهلي يغضب إذا لقب بابن السوداء أو ابن الأمة، فإنه لم يكن يغضب إذا لقب بأمه ولم يكن يقصد باللقب الإهانة أو التقليل من الشأن أو الطعن في النسب، فلم يرد عن الشاعر الكلحبة العرني أنه كان يستاء من تلقبه بلقب أمّه، فقد قيل أن الكلحبة أمه -ومعناها صوت النار ولهيبها-، وأنه سمي بها، وذكر ابن منظور أنه من نادر التلقيب. (اللسان:10/123).

          في جانب آخر، فقد اتخذت الأم صورة تعبر عن مشاعر الإنسان تجاه أمه، فعندما حُرم الشنفرى من أمه وعاطفتها، شعر بعاطفة خاصة تجاه صديقه وزميل صعلكته تأبط شرا فوصفه بعد أن سماه (أم العيال) بأفضل ما قد توصف به الأم من الحرص على أبنائها من الجوع والبرد والعطش، الأم القائمة على أبنائها، وهذا الجزء من قصيدة الشنفرى أطول ما قرأت من الشعر الجاهلي الذي يصف الأم، وفيه يقول:

وأمّ عيالٍ قد شـهدتُ   تَقُوتُهُم         إذا أطعَمَتْهُم  أوْتَحَت  وأقلَّتِ

تخاف علينا العَيل إن هِيَ أكثرتْ         ونحن جياعٌ ، أيُّ  آلٍ   تألّتِ

وما إن بها ضِنٌّ بما في وعائها         ولكنها من خيفة الجوع أبقتِ

مصعلِكَةٌ لا يقصُرُ السترُ  دونها         ولا ترتجى للبيت إن لم  تبيتِ

لها وفضة فيها ثلاثون  سَيْحَفا ً        إذا آنست أولى العَدِيِّ اقشعرّتِ

وتأتي العدى بارزا نصفُ ساقها        تجول كعير العانة  المـتـلفتِ

إذا فزعوا طارت بأبيض صارم         ورامت بما في جفرها ثم سَلَّتِ

حسام كلون الملح صاف حديده        جُرازٍ كأقطاع الغـدير  المُنعَّتِ

تراها كأذناب الحسيل  صوادرا         وقد نَهِلَتْ من  الدِّماء  وَعَلّتِ

                                                                      (السابق:111-112)

          ولا نعجب من ذلك، فتأبط شرا نفسه تحدث في فكرة قريبة، فذكر الظبية ليس باسمها ولا بأحد أسمائها، وإنما قال (أم خشف) ليشير – قصد ذلك أم لم يقصده- إلى دلالة لفظ الأم التي تهرع مسرعة جدا في مثل الحالة التي ذكرها بقوله:

كأنما حثحثوا حُصّاً قوادمُهُ        أو أمَّ خِشفٍ بذي شَثٍّ وطُبّاقِ

                                                                             (السابق:28)

          أي كأن أصدقاءه (عمرو والشنفرى) حركوا بحركتهم إياه ظليما أو ظبية، والنعام والظباء مضرب مثل في سرعة العدو.

           ومن الأمثلة على ذكر صورة الأم وحرصها على أبنائها ومعيشتهم، ما يكرره الشعراء من أن زوجاتهم كن يطلبن منهم عدم الإسراف في الكرم على الآخرين، لأن أبناءهم أولى بما يملكون، وأمثلة ذلك كثيرة منها ما ورد في شعر عمرو بن الأهتم (وهو شاعر مخضرم) فبعد أن ذكرها باسمها في البيت الأول (أسماء) كنّاها ب(أم الهيثم) ليتحدث عن دورها بوصفها أمّا، فقال:

ذريني  فإن  البخل  يا أم هيثمِ       لصالحِ أخلاقِ الرجالِ  ســروقُ

ذريني وحطي في هواي فإنني       على الحسب الزاكي الرفيع شفيق

وإني كريم  ذو  عيال  تهمّني       نوائب   يغشى  رُزْؤُها  وحقوقُ

                                              (السابق:125-126)

          وهو بهذا يؤكد أن الأب يهتم أيضا برزق عياله، وليست الأم وحدها من يهتم بالأبناء. أما عن مقارنة الأم بغيرها كالزوجة مثلا فيكفي أن نذكر قصة صخر بن عمرو بن الشريد شقيق الخنساء (تماضر، الشاعرة المشهورة التي رثته بقصائد طويلة)، إذ يروى أنه خرج ذات مرة في غزاة، فأصابه جرح، فتطاول مرضه، فكانت امرأته سليمى إذا سئلت عنه تقول هازئة: لا هو حي فيرجى، ولا ميت فينعى، وهو يسمع ذلك فيشق عليه، وكانت أمه إذا سئلت عنه قالت: أصبح صالحا بنعمة الله. فلما أفاق من علته عَمَدَ إلى سليمى فعلقها بعمود الفسطاط حتى ماتت، وقال:

أرى أم صخر ما تجف دموعها        وملّت سليمى مضجعي ومكاني

فأي امرئ ساوى  بأم  حليلـةً        فلا عاش إلا  في  شقا  وهوان

                                                                 (محمد عبد الرحيم:65)

          ولم تقف صورة الأم عند هذا الحد في الشعر العربي قبل الإسلام وإنما تجاوزته إلى أن تكون رمزا لأمور قد يعلمها المتلقي وقد تصعب على التأويل، أو يُختَلَفُ في تأويلها، من ذلك ما ورد عند الحارث بن حلزة اليشكري مثلا (أم رئبال، ابن أم قطام، أم أناس...) وما ورد في شعر امرئ القيس مثل ( أم الحويرث، أم الرباب...) وما ذكره زهير بن أبي سلمى مثل ( أم أوفى، أم قشعم...) وطرفة  بن العبد مثل (أم فرقد..) وعمرو بن كلثوم مثل ( أم عمرو، أم سقب...) وعنترة  بن شداد مثل (أم الهيثم). ومع أن المعاجم أوردت بعض المعاني لبعض هذه الأسماء (كما ذكر هذا البحث سالفا) إلا أنها تحتاج إلى مزيد من البحث والإيضاح، بوصفها رمزا لا بالمعنى الصريح لها. ويكفي أن نشير إلى نموذج واحد بربطه بمستواه الرمزي، (وهذا فتح لباب ينبغي البحث فيه وليس حسما له)، قال دريد بن الصمة في مطلع داليته:

أرث جديد الحبل من أم معبد          بعاقبة، أو أخلفت كل موعد

                                                  (الديوان: 45)

تقول الروايات أن أم معبد هذه كانت زوجة ابن الصمة وأنه طلقها عندما شتمت أخاه الذي يرثيه في القصيدة، ولهذا كانت المقدمة مقدمة نسيب ممزوج بالأسى واللوعة، ذلك أن الحالة النفسية التي عاشها دريد بعد مقتل أخيه وبعد فراقه لأم معبد هي حالة واحدة؛ حالة فراق ولوعة وحزن، وهذه الحالة هي التي فرضت عليه هذه الافتتاحية وهذا النسيب الذي جاء منسجما وملائما وممزوجا بالرثاء، متصلا به غير منفصل عنه، ولكن لماذا (أم معبد) ولم يسمها باسمها أسوة بكثير من الشعراء في مثل هذه الحالة؟ ذلك لأنه إذا صحت الرواية أن أم معبد زوجته وليست رمزا، يكون الشاعر قد ربط المرأة المطلقة بأمومتها، ويريد أن يؤكد أن العلاقة لم تكن مجرد علاقة عاطفية عابرة وانتهت، مع أننا نجد من يقول:" وقد لا تكون أم معبد زوجته، وقد لا تكون حقيقة، ولربما كانت رمزا كعادة الشعراء الذين يفتتحون قصائدهم بذكر أسماء من النساء لا وجود لهن في الواقع" (القيسي:476).

 

ثانيا: الأم في شعر صدر الإسلام والعصر الأموي

          اكتسبت الأم في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي مكانة متأثرة بمكانتها في الدين الإسلامي الذي حرص أشد الحرص على إعطاء المرأة مكانتها المناسبة في الأسرة ثم في المجتمع كله، فقد وضع نظما جديدة سادت الأسرة العربية؛ فأوضحت علاقة كل من الرجل والمرأة بالآخر، وعلاقة الأبناء بآبائهم وأمهاتهم، وبين أن الحفاظ على الأبوين والإحسان إليهما واجب ديني. وفي عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم- انصرف الناس إلى أمور الدين الجديد ومنهم الشعراء، فبات الحديث عن الأمور الاجتماعية مرتبطا بالدعوة الإسلامية  ومتطلباتها المهمة في الحياة، وكذلك في عهد الخلفاء الراشدين، لذا لم نجد من يفرد نصا شعريا خاصا للحديث عن الأم، وإنما ورد ذكرها في بعض النصوص، وهو ذكر مرتبط بقيمتها التي خصها الله - تعالى- بها، وفي الغالب كانت تذكر بوصفها أحد الوالدين، وقد بينا في القسم الأول من هذا البحث اهتمام القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف بالأم، بوصفها وموقعها وأهميتها.

كان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- مقتديا بالرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- ينهى من لهم آباء وأمهات شيوخ يعولونهم عن الهجرة إلى الحرب براً بهم، فهذا المخبل السعدي جزع جزعا شديدا حين هاجر ابنه شيبان لحرب الفرس مع سعد بن أبي وقاص، وكان شيخا ضعيفا، فمضى إلى عمر وأنشده أبياتا، منها قوله:

ويخبرني شيبان أن لن يعقني      تعق إذا فارقتني وتحوب

                                             (الأصفهاني: 13/190)

فرقّ له عمر، وكتب إلى سعد أن يرد شيبان إلى أبيه، فرده إليه. وكذلك فعل أمية بن حرثان، وتختلف شكواه عن شكوى المخبل في أنه استخدم عاطفة الأمومة ليحث الخليفة على إعادة ابنه له، فقال:

تركت أباك مُرعَشَـةً يداه     وأمك ما تسيغ لها شرابا

   (ابن سلام:160)

فأمر الخليفة برد ابنه كلاب إليه. أما صورة الأم فقد ازدادت بهاء ووضوحا، فهي نموذج الحنان والرقة التي لا ينازعها فيه منازع، فهذا الشاعر معن بن أوس المزني جعل حنان الأم مشبها به عندما صور لينه وتعطفه مع ابن عمه بقوله:

فما زلت في لين له وتعطف       عليه كما تحنو على الولد الأم

                                             (الأصفهاني:12/60)

وكان بعض الشعراء قبل دخولهم في الإسلام يحاول عن طريق عاطفة الأم والأب أن يجعلوا بعض من دخلوا في الإسلام يتراجعون عنه، فهذا كعب بن مالك يطلب من أخيه بجير أن يعود عن إسلامه، بقوله:

على خلق لم تلف أما ولا أبا       عليه ولم تدرك عليه أخا لكا

                                            (السابق:15/142)

لكنه بعد فتح مكة عاد عن هذا وأسلم وحسن إسلامه.

ومع هذا ظل في عصر صدر الإسلام شعراء لم يستقر الدين في نفوسهم ولم يتمثلوا قيمه إلا بعد مدة طويلة، فها هو الحطيئة (الشاعر الهجاء المتوفى سنة 45هـ) يرد على الهجاء بمثله، في قوله:

وأمُّــك حــمـراءُ زوفـيَّـة      ٌلنقلِ الحشيش جُـراز الحطـب

 نبيـثٌ الغـواة ِ علــى ثفرهـا     كَـنَبْثِ الثّعالِبِ جُحْـرَ  السَّـرَبْ

                                                               (الديوان: 13)

ومثل ذلك قوله في قصيدة أخرى:

شَنُـونٌ أَبُـوهُ الأَخْـدَرِيُّ وأمُّــهُ   من الحقب فحّاشٌ على العرس باسل

                                                             (الديوان: 21)

وكذلك كان قوله في قصيدة قالها عندما قام ضد أبي بكر –رضي الله عنه-.

          أما شعراء النقائض فقد كانت لهم قصة أخرى مع الأم، لا تبتعد كثيرا عن صورتها في الشعر الجاهلي، فقد امتهنت كرامتها بما ألحق بها من سباب فاحش، كان كل من شعراء النقائض يتفنن في تصويره، ليلحق الأذى بالآخر، ومن الجدير القول أن الأم لم تكن مقصودة بذاتها في ذلك السباب والفحش، وإنما كان يقصد كل واحد إلى إظهار براعته في هجاء الآخر وذمه، وكانت الأم وسيلة لذلك. فهذا جرير مثلا في نهاية الأمر يشيد بأم الفرزدق ويذكرها في خير عندما رثاه قائلا:

ولا حملت بعد الفرزدق حرة         ولا ذات حمل من نفاس تعلَّت

                                               (الأصفهاني: 19/42)

وكان الفرزدق وجرير قد تهاجوا هجاء قاسيا مستخدمين الأمهات فيه، فقال الفرزدق(38-110هـ) في جرير:

ولئن جدعت ببظر أمك أنفها      لتنال  مثل  قديمهم  لا  تفعل

                                       (جرير والفرزدق:199)        

وفيها يقول أيضا:

أزرى بجريك أن أمك لم تكن     إلا اللئيم من الفحولة    تفحل

قبح الإله  مقرة  في  بطنها     منها خرجت وكنت فيها تحمل

نشفت منيّ أبيك فهي خبيثة     وبها إلى قعر المقرة   يضهل

        يبكي على دمن الديار وأمه     تعلو على كمر العبيد   وتسفل

                                        (السابق:203)

إلى أن يقول:

وتركت  أمك  يا  جرير  كأنها     للناس باركة طريق   معمل

وكأنما كمر الغواة على استها     أوراد ما سقت النباج  فثيتل

                                              (السابق:205)

ويذهب الفرزدق بعد هذا إلى ما هو أبذأ وأشد قسوة، مما لا يستساغ ذكره. فيرد عليه جرير (؟-110هـ) بما هو أقذع، قائلا:

        أين الذين عددت أن لا يدركوا       بمجر جعثن يا ابن ذات الدمّل

أسلمت جعثن إذ يجر  برحلها       والمنقري   يدوسها  بالمنشل

تهوى استها وتقول يا لمجاشع     ومشق  نقبتها  كعين   الأقبل

                                                 (السابق: 223)

وفيها أيضا يقول:

        وافخر بضبة إن أمك منهم       ليس ابن ضبة بالمعم المخول

                                                       (السابق:225)

ويذهب أيضا إلى ابعد من هذا مما لا يستساغ ذكره، ويستمر هجاء الشاعرين باستخدام الأم التي ليس لها ذنب إلا أنها ولدت شاعرا هجّاء بذيئا.

وكان جرير في الناحية الفنية يتفوق على الأخطل والفرزدق في الهجاء، فقد ذكر أبو الفرج  أن الفرزدق شهد له بقوله:"إن جريرا أوتي من سير الشعر ما لم نؤته، قلت أنا بيتا ما أعلم أن أحدا قال أهجى منه، قلت:

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم        قالوا لأمهم بولي على النار

فلم يروه إلا حكماء أهل الشعر، وقال هو:

والتغلبي   إذا   تُنُبِّحَ   للقرى        حك   استه   وتمثل  الأمثالا

فلم تبق سقاة ولا أمثالها إلا رووه"( الأصفهاني:8/318) 

          والفرزدق لم ينل من شعراء النقائض في الحديث عن الأم وحسب بل ذهب أبعد من ذلك؛ فقد هجا خالد القسري والي هشام بن عبد الملك على العراق، ذاكرا أمه المسيحية التي بنى لها ولدها (من باب الوفاء للأم) كنيسة بالكوفة، بقوله:

بنى بيعة فيها الصليب لأمه      وهدّم من كفر منار المساجد

                                        (الأصفهاني: 14/75)

 

ثالثا: الأم في شعر العصر العباسي والشعر الأندلسي

1- في الشعر العباسي

حدث تحول كبير في الحياة السياسية في العصر العباسي، تبعه تحول يوازيه في سائر مناحي الحياة؛ ففي حين ظهر شعر الخمر والمجون، ظهر أيضا شعر التصوّف والزهد والشعر الديني وشعر المديح النبوي. وكما ظهر شعر الطبيعة والغزل، ظهر أيضا شعر الجهاد والوقوف على الثغور والخروج في سبيل الله،... وقد كان ذلك كله انعكاسا لتفاصيل الحياة التي عاشها العرب والمسلمون آنذاك. وانعكس واقع الأم في هذه المرحلة في الشعر، بعدما ظل إلى مدة امتدادا للمرحلة السابقة له، أسوة بباقي أغراض الشعر العامة وموضوعاته؛ فالأم هي المشبه به في الحنو والعطف والرأفة، وهي أيضا التي يمدح ابنها أو يُهجى بها، فهي المنبت الطيب أو الخبيث، ففي شعر مروان بن أبي حفصة (105- 182 هـ)  نجدها مشبها به في العطف والحنو كما في قوله:      

فَمَا أعْوَلَت أُمٌّ عَلَى ابنٍ ولا  بَكَـى    عَلَى يُوسُفٍ يَعْقُوبُ مِثْـلَ  بُكَائِكَـا

                                                          ( الديوان: 12)

وكما في قوله:

إذا أمُّ طفلٍ راعها جوعُ  طفلهـا       دعتهُ باسم الفضل فاعتصمَ الطفلُ

ليحيا بكَ الإسـلامُ إنـكَ عـزة        وإنَّكَ مِنْ قوْمٍ صَغِيرُهُـمُ  كَهْـلُ

                                                         ( الديوان: 45)

وهي في شعر أشجع بن عمرو السلمي الأصل الطيب والنسب المشرف، وبذكرها يعطى الشاعر ويجزل العطاء من زبيدة أم محمد الأمين عندما قال له وهو صغير:

ملك أبـوه وأمـه من نبعــة        منـها سـراج الأمة الوهاج

شـربت بمكة في ربى بطحائها       ماء النبـوة ليس فيه مـزاج

                                                      (ابن قتيبة: 858)

ويُعرف أنه لم يتول الخلافة أحد أبوه وأمه من بني هاشم إلا علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- ومحمد الأمين.

        أما في شعر بشار الذي سار مع حماد عجرد على نهج شعراء النقائض، فقد ظلت صورة الأم غير بعيدة في مواصفاتها عن الصورة التي رسموها لها، مع فارق واضح هو أن شعراء النقائض عمدوا إلى إظهار قدرات فنية عالية، بينما عمد بشار وحماد إلى إذكاء فتيل حرب ضروس في الشعر وصل أوارها إلى انتهاك العرض وقذف الزوجات والأخوات والأمهات، من ذلك قول بشار في أم حماد:

إذا سئلت لم تكن كزة        ولكن تذوب ولا تجمد

                                              ( الديوان: 1/377)

ويسترسل بعد هذا بأبيات يتهمها فيها بالفجور والغواية، وبألفاظ مقذعة نابية تعافها النفس. ولم يبتعد أبان بن عبد الحميد اللاحقي عن بشار في قوله لأبي نواس:

أبو نواس بن هاني       وأمــه جُـلُّـبـان

والناس أفطن شيء         إلى حروف المثاني

إن زدت بيتا على ذي    ما عشت فاقطع لساني

         ونقرا مثل هذا أيضا في شعر عبد الصمد بن المعذل (؟ -240هـ) يهجو شخصا اسمه أبو رهم بقوله:

لو جاد بالمال أبـو رهـم     كـجـوده بالأخـت والأم

أضحى وما يعرف مثل له     وقيل أسخى العرب والعجم

                                                  (الأصفهاني: 228)

           ولم تتجاوز ملامح صورة الأم هذا الشكل التقليدي في بداية العصر العباسي، غير أنها في مرحلة متقدمة (زمانيا) من العصر نفسه، أخذت تحتل حيزا أكبر في القصيدة العربية إلى أن صارت موضوعا مستقلا لبعض قصائد الشعراء، وإن كانت مناسبة ذلك موتها في كثير من الأحيان، إلا أن هذا يعد تطورا ملموسا على مكانة الأم وصورتها في الشعر العربي، وأول ما يطالعنا في هذا الباب رثاء أبي الطيب المتنبي (301-354هـ) لجدته(أم أمه)، الذي يمكن عده من باب رثاء الأمهات، إذ يخاطبها في ثنايا القصيدة بهذا، ويبدأ القصيدة بعدم لوم الدهر ونوائبه ومصائبه على قوة بطشه، فذلك كله ليس من فعل الدهر وإنما ينسب إليه مجازا، فهي إذا بطشت أو آذت لم يكن ذلك جهلا منها، وإذا كفت عن البطش لم يكن ذلك حلما منها أيضا، وكل واحد يرجع إلى ما كان عليه في حالته الأولى كما أبدئ وينقص ما زاد فيه من الحياة كما زاد، يقول:

ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما       فما بطشها جهلا ولا كفها حلما

إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى     يعود كما أبدي ويكري كما أرمى

                                              (الديوان:4/ 226-227)

ثم يبدأ بعد هذا ببث لواعج شوقه إليها وحسرته على فراقها، وهي قتيلة الشوق إليه؛ إذ مما يروى أنها وصلتها رسالة منه يدعوها لموافاته ببغداد بعد أن عجز عن الوصول إليها في الكوفة، فقبلت الكتاب وحُمَّت فرحا بلقائه، وغلب الفرح على قلبها فقتلها:

لكِ اللهُ من مفجوعةٍ بحبيبِها           قتيلةِ شوقٍ غيرِ مُلْحِقِهَا وَصْمَا

أحنُّ إلى الكأسِ التي شَرِبَتْ بِهَا       وأهوى لِمَثْواها التُرابَ وما ضمَّا

                                                              (السابق)

ويواصل البكاء عليها ذاك الذي كان قد بدأه في حياتها، إذ كانت محرومة منه وكان محروما منها، فكل منهما ذاق ثُكل الآخر، ويورد قصة وصول كتابه إليها، ذاك الذي كان سببا في موتها فرحا، وكان سببا في موته غما وكمدا عليها، وكانت المصيبة الكبرى التي حطمت قلبه فصار يستسقي الغمام لقبرها (على عادة العرب في الدعاء للقبور بسقيا السماء) بعدما كان يستسقي الحرب والرماح دماء الأعداء، حتى يصل إلى القول احسبيني أخذت ثأرك من الأعداء لو قتلوك فكيف آخذ ثأرك من المرض الذي قتلك:

هَبينِي أخذتُ الثأرَ فيكِ من العِدا      فكيفَ بأخذِ الثأرِ فيكِ من الحُمّى

                                                                    (السابق)

 ثم يبدأ بتعداد مناقبها وفوائد وجودها في حياته؛ فعيناه اللتان لا يراها بهما كأن لا فائدة منهما وكأنه أعمى، وهو يفتقد لتقبيل رأسها وضمها له لصدرها، ولروحها الطاهرة الطيبة، ويفخر بنسبها من طريقين؛ الأول: آباؤها، والثاني: أحفادها وهو منهم، وهو الذي يرد شماتة الأعداء بموتها بذلهم وقهرهم، فهو الذي تغرب كي يبتعد عمن يتعظمون عليه بغير استحقاق فهو لا يستعظم غير نفسه، ولا يقبل حكم أحد عليه إلا حكم الله الذي خلقه، ويطيل الحديث عن نفسه ليسوغ أمر غربته، ويبين سبب بعده، إلى أن ينتهي بالقول:

كذا أنا يا دنيا إذا شئتِ فاذهبي      ويا نفس زيدي في كرائهها قُدْمَا

فلا عبرتْ بي ساعةٌ لا تُعِزُّني       ولا صَحِبَتْنِي مُهجَةٌ تَـقبَلُ الظُّلمَا

                                                                  (السابق)

          وأعتقد أن المعاني التي وردت في قصيدته في رثاء والدة سيف الدولة (337هـ) أقوى من المعاني التي وردت في قصيدته في رثاء جدته، وإن تكن فيها بعض المعاني المتشابهة، إلا أن الشاعر بقدرته الفنية الكبيرة أخرجها في حلية مختلفة، فهو يبدأ هذه القصيدة بقوله إننا نعد السيوف والرماح لمنازلة الأعداء ومدافعة الأقران، ولكن الدهر يختار منا من يختار دون قتال، فلا تغني عنا تلك الأسلحة شيئا، وهو استسلام لقضاء الله وقدره كما في مطلع القصيدة السابقة، مع حلة جديدة، يقول:

نُعِدُّ  المَشْـرَفِيَّةَ  والعوالي      وَتَقْتُلُنَا  المَنُونُ  بلا قِتالِ

وَنَرْتَبِطُ السَّوابقَ  مُقْرَباتٍ     وَمَا يُنْجِينَ من خَبَبِ الليالي

                                              (السابق:3/140)

ويعرض بعد ذلك لأثر خبر موتها في نفسه، فيقول بأن أرزاء الدهر كثرت عليه وترادفت على قلبه حتى لم يبق منه موضع إلا أصابه سهم منها فصار في غلاف من سهام الدهر، فصار إذا رماه الدهر بسهم جديد لم يصل إلى قلبه إذ لا تجد لها موضعا للإصابة، وإنما تتكسر نصالها على النصال التي قبلها لأنها تصطك بعضها ببعض:

رماني الدهرُ بالأرزاءِ حتى     فؤادي في غشاءٍ من نبالِ

فصرتُ إذا أصابَتْنِي سهام    تكسرتِ النِّصالُ على النِّصالِ

                                                             (السابق)

ووردت في القصيدة صور جديدة لم يسبقه إليها شاعر في هذا الباب منها: وصفه لنعيها بأنه أول نعي لأول امرأة تموت في هذا الجلال، أي لم تمت امرأة قبلها أجل منها، بل وكأن الناس لم يروا موتا ولم يخطر على قلب أحد منهم قبل موتها، إذ يقول:

وهذا أول الناعيـن طرا     لأول ميتـة في ذا الجلال

كأن الموت لم يفجع بنفس     ولم يخطر لمخلوق ببال

                                                          (السابق)

وكذلك وصفه لميتتها بأنها ميتة تمنتها النساء الأخريات، وهذا مما يخفف من المصاب بموتها فيقول:

أطاب النفس أنك مت موتا    تمنته البواقي والخوالي

                                                              (السابق)

وصور أخرى كثيرة، منها صورة اختتم بها القصيدة بعدما أطال في مدح ابنها (سيف الدولة) لينتهي بالقول:

فإن تفق الأنام وأنت منهم     فإن المسك بعض دم الغزال

                                                              (السابق)

وفي شعر المتنبي أيضا وردت صورة الأم في باب الهجاء ومثاله هجاؤه لضبة بن يزيد العتبي، وهي صورة المرأة القبيحة القصيرة الضخمة الفاجرة الداعرة، ومما ينبغي ذكره أن المتنبي تكلف القصيدة أو أجبر عليها "على كراهة وقالها وهو على ظهر فرسه- وذكر شارح الديوان- قول الواحدي: كان المتنبي إذا قرئت عليه هذه القصيدة ينكر إنشادها"(البرقوقي:1/330) وهو يقول في القصيدة:

ما أنصف القوم ضبه      وأمـه الطـرطـبـه

                                                           (السابق:330)

وكذلك قصيدته في هجاء وردان بن ربيعة الطائي، التي منها قوله:

لحا الله وردانا وأمّا أتت به      له كسبُ خنزيرٍ وخرطومُ ثعلبِ

فما كان فيه الغدرُ إلا دلالـة    على أنـه فيـه من الأمِ والأبِ

                                                           (السابق:342)

          ويمكن أن يعد الشريف الرضي (359-406هـ) (ينظر الأميني:31) سباقا في رثاء الأم، فقد نظم قصيدة في أمه فاطمة بنت الناصر بعد موتها من خمسة وستين بيتا، هي الأطول والأشمل في هذا الغرض حتى وقت نظمها (في ذي الحجة سنة 385هـ ) وقد شملت أفكارا عامة ارتبطت بمكانة الأم بعضها يصلح أن يكون عاما لأي أم، وبعضها خاص بأمه لا يصلح لغيرها.

         افتتح الشاعر قصيدته بالبكاء على فقد الأم، البكاء الذي لن يفيد في إرجاعها، وليس من خيار سوى الصبر على فراقها، ولكن الدموع تغالب الصبر، وبرغم محاولة الشاعر تمويه العبرات من الدموع النازفة وسترها كي لا يبدو ضعيفا أمام أعدائه، ويعمد الشاعر إلى الدخول في موضوع آخر وقضية أخرى قد لا يرى المتلقي سببا موجبا لذكرها، إلا أن الشاعر يتوجه إلى الحديث عن القوة وشدة البأس التي يفخر بها مؤكدا أنه لو كانت القوة تعيد الميت إلى الحياة لفعل ذلك، وفي ذلك إيحاء يكاد يكون ظاهرا مفاده أن الشاعر يخجل من إظهار ضعفه لوفاة أمه أمام أعدائه، (الأمر الذي سنقرأ عكسه في مرحلة متقدمة، إذ لا يخجل الشاعر إلا من دمع أمه، ويعتز أن تكون أمه نقطة ضعفه، فذلك أمر لا يستطيع التحكم به)، بينما الشريف الرضي يبدأ قصيدته بالقول:

أبكيك لو نقع الغليل بكائي         وأقول لو ذهب المقال بدائي

                                                           (الديوان: 65)

وبعد أن يفرغ الشاعر الشحنة الأولى من الحزن الشديد على فراق أمه، يذهب إلى وصف العصب التي ستتكدس وراءه لدفع المنية عنها - لو كان ذلك يردها إلى الحياة-، ويسترسل في وصف قوة تلك العصب وشدة بأسها حتى نهاية البيت الحادي عشر، ومنها قوله:

لو كان يدفع ذا الحمام بقوة     لتكدست عصب وراء لوائي

بمدربـين على القراع تفيأوا    ظـل الرماح  لكل يوم لقاء

ثم ما يلبث أن يعود إلى الاعتراف بأنه فقد صبره بموت أمه، ويبدو أن الشاعر حاول بذهابه إلى وصف تلك العصب أن يتجنب هذا الاعتراف، ولما لم يفلح، عاد ليقول:

فارقت فيك تماسـكي وتجملي،    ونسـيت فيك تعززي وإبائي

وصنعت ما ثلم الوقار  صنيعه     مما عراني من جوى البرحاء

كم زفرة ضـعفت فصارت أنة،    تممتـها بتنفـس الصـعداء

ويؤكد الشاعر أنه كان مستعدا لأن يفديها بروحه، لكنها كانت سباقة ففدته هي بروحها، يقول:

قد كنت آمل أن أكون لك الفدا        مما ألمّ، فكنت أنت فدائي

وهذا كله من فعل الأيام وعادات الدنيا، فهي تعطي آونة وتمنع أخرى، وفي تداول الأيام فناء لأعمارنا، ويظل الشاعر كذلك إلى أن يبدأ بالحديث عن شخصية أمه وصفاتها الخاصة؛ فهي التي قضت عمرها عفة وزهادة، وتحملت كثيرا من المشاق في حياتها، وهي التي تصوم النهار في الحر الشديد وتقوم الليالي الطويلة، وهي التي يمكن أن يستغنى بمثلها عن الآباء، وفي هذا إشارة إلى أنها كانت تقوم بدور الأم والأب مع أبنائها، ويمكن أن يحتمل ذلك معاني أكثر، وكيف يمكن أن ينسى ابنٌ مثله أما مثلها، لها في كل ركن من حياته ذكرى وأثر كبير، وهذه الذكريات هي التي تثير شجونه وبكاءه، ولكن من اختار البقاء بذكره الطيب لا يعد ميتا، مع أن الشاعر خسر كثيرا من الدعاء الصادق له الذي كان يقيه أرزاء الحياة ومصائبها، وكل من عرفها يشهد لها بالنجابة وآثار اليد البيضاء، والذكر الطيب مما يفخر به الأبناء، يقول:

شـهد الخلائق أنها لنجيبـة         بدليل من ولدت من النجبـاء

في كل مظلم أزمة أو ضيقـة         يبدو لها أثر اليد البيضــاء

ذخرت لنا الذكر الجميل إذا انقضى     ما يذخـر الآبـاء للأبنـاء

ثم يعود مجددا إلى ذكر الذين يحاولون دفعه إلى الصبر على فراقها، ظانين أن في ذلك عزاء له، ويصف صعوبة فراقها في نفسه؛ فهو بفراقها يأوي إلى برد الظلال لكنه من حرقته كأنه في حر الجمر، ويقوم مفزوعا من منامه الطيب كلديغ:

وأهب من طيب المنام تفزعا     فزع اللديغ نبا عن الإغفاء

ثم يفخر الشاعر بنسب أمه ( الذي يعود إلى الخليفة علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-) وهو نسب يحق للإنسان أن يفخر به لكل ما فيه من صفات حسنة، فآباؤها نصروا الدين ودعوا إلى الهدى وكشفوا الغمة، وهم الكرام الذين تركوا آثارهم في كل طرق العلياء:

درجوا على أثر القرون وخلفوا       طرقا معبدة من العلياء

وينتقل الشاعر إلى مخاطبة قبر أمه، الذي إذا عزت دموع السماء عليها يكون لئيما إن لم يسقها بدموعه:

يا قبر ! أمنحه الهوى وأود لو      نزفت عليه دموع كل سماء

إلى أن يقول:

للؤمت إن لم أسقها بمدامعي،       ووكلت سقياها إلى الأنواء

     ويستمر في خطابها في قبرها إلى أن يوصلها إلى يد الرحمن الذي كانت ترضيه في حياتها وهو -سبحانه- الكفيل بأن تشملها رحمته في كل وقت، وبهذا يختتم قصيدته:

إن الذي أرضاه فعلك لا يزل      ترضيك رحمته صباح مساء

صلى عليك وما فقدت صلاته     قبل الردى، وجزاك أي جزاء

لو كان يبلغك الصفيح رسائلي،    أو كان يسمعك التراب ندائي.

وهكذا يختتم الشاعر قصيدته التي كان موضوعها الكامل الأم وصورتها عند وفاتها وأثر موتها في نفس الابن وما تجيش به نفسه من عواطف صادقة تجاه أمه التي كانت لها أياد بيضاء في كل جزء من حياته وشخصيته.

         وقد كان الشاعر أبو فراس الحمداني (320-357هـ) طالعنا قبل ذلك في رومياته بغرر القصائد التي خاطب فيها أمه، لكنه لم يكن قد أفرد قصيدة كاملة لها وعنها وفيها، إذ ظل يطيل الحديث إلى أمه كي تصبر على فراقه وهو في أسر الروم، بل إن حزنه على مواجع أمه هو الذي كان يؤلمه، فبكاؤها هو الذي كان يطيل عليه أيام الأسر ويجعلها مؤلمة وقاسية أكثر من عذاب الأسر نفسه، ففي قصيدته (مصابي جليل،..) وبعد أن يتحدث عن الأصدقاء الذين تركوه في الأسر وعن الأخلاء الأوفياء وقلتهم، يتذكر أن لا أحد أوفى من الأم دائمة البكاء، فيقول:

وإن، وراء الستر، أما بكاؤها       عليّ، وإن طال الزمان، طويل  (الديوان:35)

ويشرع بدعوتها للصبر على فراقه، فالصبر أفضل من البكاء، ويطلب منها أن تكون صابرة مثل أسماء بنت أبي بكر (ذات النطاقين) –رضي الله عنهما- في وقت الحرب، وكذلك يدعوها لتتأسى بصفية بنت عبد المطلب التي أرهقها البكاء على حمزة –رضي الله عنهما- بعد استشهاده في أحد، لكنها مع كثرة بكائها لم يرجع إليها حمزة، فيدعو أمه للصبر تأسيا بذات النطاقين وبصفية، وأن تكون صابرة محتسبة مثلهن، فيقول:

فيا أمتا، لا تعدمي الصبر، إنه       إلى الخير والنجح القريب رسول

فيا أمتا، لا تخطئي الأجر، إنه       على قدر الصبر الجميـل جزيـل

أما لك في ذات النطاقين أسوة،      بمكـة، والحرب العوان تجـول

أراد ابنها أخذ الأمان فلم تجب       وتعلـم، علمـا، أنـه لقـتيـل

تأسـي! كفاك الله ما تحذرينه،       فقد غال هذا الناس قبلك غـول

وكوني كما كانت بأحد صفيـة،       ولم يشـف منها بالبكاء غليـل

ولو رد يوما، حمزة الخير حزنها     إذا ما عـلتـها رنة وعـويـل

                                                               (السابق)

       وكان الحمداني يكثر من مخاطبة أمه وهو في أسر الروم، وهذا الأمر يشير إلى أن صورة الأم في القصيدة العربية أخذت تتطور، وأخذت الأم أيضا تحتل مكانة خاصة في المجتمع، ويبدو أن ذلك انعكس في الشعر بشكل جلي.

2- في الشعر الأندلسي

          ظل الشعر في الأندلس في بداياته يترسم خطو الشعر في المشرق، فيسير على هداه، ويستفيد منه، حتى بدأ الشعراء هناك يحلقون في آفاقهم الخاصة المتأثرة بالبيئة الأندلسية، ويبدعون صورهم النابعة من رؤاهم الخلاقة، فخطوا دربا في طريق الإبداع والتجديد (وإن كان بعضه في البداية متأثرا بخط التجديد الذي ساد المشرق في القرنين الأول والثاني الهجريين) إلا أنه امتاز بكثير من الخصوصية، وإذا كان قد قيل في بعضه:" هذه بضاعتنا رُدّت إلينا" (كما قيل في العقد الفريد) فإن كثيرا منه ليس من (بضاعتنا)، وهي (بضاعة) فيها سمات الحياة والمبدعين في الأندلس ومشاعرهم الخاصة، ومهما حاول كثيرون أن يقولوا عن الموشح مثلا أنه يعود في كثير من سماته إلى الشعر في المشرق إلا أن هذا الكلام مردود لا يجوز فيه القطع، فالشعر في الأندلس شأنه شأن الشعر كله فيه تأثر وتأثير، فمثلما تأثر الشعراء في الأندلس بالشعراء السابقين لهم في المشرق تأثر كذلك الشعراء اللاحقون بشعراء الأندلس؛ فلم يلتفت عدد من الشعراء إلى وصف الطبيعة على ما صار عليه إلا بعدما شاع وصفها في الأندلس، ولم يقل شعراء المشرق موشحات إلا بعدما شاعت في الأندلس، وكذا الإبداع والفنون جميعها فيها تأثر وتأثير، وما (الذئب إلا عدة خراف مهضومة).

         لا نكاد نتبين بداية واضحة لصورة الأم مستقلة عن أغراض الشعر في الأندلس في المراحل الأولى، إلا أنها في مرحلة متقدمة نسبيا أخذت تتضح شيئا فشيئا. سيتوقف هذا الجزء من البحث عند خمس قصائد تعد نماذج في هذا الشأن، منها ثلاث قصائد رثى فيها ابن خفاجة وابن زيدون أمهات أشخاص آخرين، فاتخذ ذلك الرثاء شكل المجاملة إلا أنه في حقيقته عبر عن مضامين كامنة في أعماق هؤلاء الشعراء تجاه أمهاتهم أولا، وتجاه الأم بوصفها معنى ومضمونا وكيانا له خصوصيته في مشاعرهم ثانيا. وهناك قصيدتان أخريان، أولاهما لأمية بن عبد العزيز الداني (أبي الصلت) وهي قصيدة تقليدية في شكلها يرثي فيها أمه، ولم يأت فيها بجديد إلا ما كان في مشاعره تجاه أمه العزيزة على قلبه والتي فقدها فجأة. أما الثانية وهي الأهم، فهي قصيدة لأبي إسحاق الألبيري يتحدث فيها عن (الأم- الدنيا).

        يعرض الشاعر ابن خفاجة (450- 533هـ) في قصيدته التي يرثي فيها أم قاضي القضاة أبي أمية، للألم الذي يتعرض له الإنسان عندما تصيبه مصيبة كبرى، فيفقد عزيزا له خصوصية لا تضاهيها غيرها، فيترك ذلك الفقد حسرة تؤثر في الجماد فتبدو مظاهر الطبيعة مؤازرة للفاقد في مشاعره وحزنه وألمه، فترسل تضامنها معه، وهذه المعاني لا يعبر بها إلا من ذاق مرارة ألم الفقد، يقول في مطلع القصيدة:

في مثله من طارق الأرزاء          جاد الجماد بعبرة حمراء

إلى أن يقول:

أهول به من يوم رزء فادح      سحب الصباحُ به ذيولَ مساءِ  (الديوان: 21)

ويعرض في الجزء الثاني من القصيدة صفات خاصة للأم الفقيدة، وهي صورة تقليدية في أكثر أجزائها؛ فهي أم أصيلة من أصول كريمة، وهي أم فاضلة، ويدعو ابنها ليكف عن الحزن والبكاء على فقدها، وأن يدعو لها خير من ذلك، فيقول:

واقرع لها باب السماء بدعوة      تستمطر الخضراء للغبراء    (السابق:22)

ويواصل وصف قبرها، ووصف حزن ابنها عليها، ثم يعود مجددا لوصفها ووصف أثرها فيما خلفته من أبناء كرماء أفاضل ومنهم أبو أمية الذي يطيل الشاعر في مدحه بوصفه قاضيا عادلا، ومن مدحه له وصفه بأنه:

ونجيبة جاءت بأوحد أمجد           قد فات طولا أيدي النجباء

متقلب في الله بين بشاشة        يندى الهشيم بها وبين مضاء

إلى أن يقول فيه:

في مقعد وسع الأنام عدالة      وسما فزاحم منكب الخضراء    (السابق:24)

        أما الشاعر ابن زيدون (394- 463هـ) فله قصيدتان مهمتان، أولاهما في مدح ابن جهور ورثاء أمه (الديوان: 174) والثانية في رثاء أم المعتضد والتي نتحدث عنها الآن (وله قصيدة في رثاء ابنة المعتضد أيضا).

       يستهل الشاعر قصيدته بذكر تأثير خبر نعي أم المعتضد عليه وعلى الشاعر معا، وكأننا بالشاعر يصف فراق أمه له، يوم جاءه خبر موتها، ومنذ البداية يصفها بالأم التقية المهدية التي لا يستطيع إلا أن يبكي لفراقها، وكيف أن هذه الدموع نابعة من القلب، فالقلب هو الذي يبكي ويتألم، وهي أم مخلصة بل إن الإخلاص يبكي عليها، ويذهب إلى أن هذه هي حال الدنيا، فما أن يغفل الإنسان فيها، تفاجئه بالموت الذي يبين في طريق واضح واسع لا فكاك منه، وإن الإنسان مهما غرته الأماني وخدعته كما يخدع السراب، إلا أنه صائر إلى نتيجة واحدة حقيقة لا مفر منها هي الموت، يقول:

ألا هل درى الداعي المثوّب – إذ دعا           بنعيكِ- أن الدَّين من بعض ما نعى؟

                                                                     (الديوان:184)

ويتواصل في وصف اللوعة والحسرة التي خلفها موتها، فيقول:

أصبنا بما لو أن هضبَ متالع       أصيب به لانهد أو لتضعضعا

ويصف بعد ذلك إيمانها وورعها وتقواها، ثم رحيلها من دار الفناء إلى دار البقاء، ويدعو الذين كانت لها أياد عليهم أن يبكوها، فيقول:

لتبك الأيامى واليتامى فقيدة       هي المزن أحيا صوبه ثم أقشعا

                                                  (السابق:185)

ويظل على هذا النحو إلى أن يصل إلى القسم الثاني من القصيدة وهو القسم الأطول، إذ يطيل في مدح ابنها (المعتضد) بصفات شائعة تقليدية من حيث المعنى لكنه يخرجها في حلة خاصة، هي انعكاس لفنية الشاعر وذوقه وطريقته في الإبداع، من ذلك قوله:

"ومعتضد بالله" يحمي ذماره     فلا سربَ يُلفى – في حماه – مروّعا

أما الرثاء المباشر للأم فنقرأ منه قصيدة لأمية بن عبد العزيز الداني (أبي الصلت) (460- 529هـ) الذي كان قد تعلق بأمه كثيرا إذ توفي والده وهو صغير فقام بعناية أمه واصطحابها أينما حل وارتحل، وتوفيت فجأة و " أشار الأصفهاني، وكان بعض المنجمين قد حكم بذلك في مولدها واتفق قول المنجم إذ توفيت في الموعد الذي ذكره المنجم إلا أن زمن موتها لم يذكر، لكنه من المحتوم أنه حدث قبل سجنه لأنه لم يأتِ على ذكرها في رسائله التي استلهم فيها أصدقاءه للعمل على إطلاق سراحه. وقد جاءت مرثيته لها مطولة إلا أن صاحب الخريدة لم يذكر منها سوى ثلاثة وعشرين بيتاً وبيتاً آخر مضمناً من معلقة زهير بن أبي سلمى.. وقد استهلها كما يلي:

مدامعَ عيني استبدلي الدمعَ بالدم           ولا تسأمي أن يستهلَّ وتسجمي
لحق بأن يبكي دماً جفن مقلتي               لأوجب من فارقت حقاً وأرزم

        أخلاء صدقِ بدد الدهر شـملهم               فعاد سـحيلاً منهم كل مبرم

                                                              (ديوان الحكيم: 172)

وأول ما يلفت النظر في القصيدة هذا التناص الواضح بل والتضمين الذي يصل إلى الاقتباس المقصود من عدد من القصائد والمعاني التي ذكرها شعراء سابقون، وأبرز ما يتواصل معه الشاعر مطلع معلقة امرئ القيس، وكأني به يريد أن يقول إن الحزن الكبير الذي يشعر به لا يعادله إلا حزن من وقف واستوقف وبكى واستبكى، مرورا بحزن كل الذين وقفوا على الأطلال منذ امرئ القيس (أقدم أصحاب المعلقات) وصولا إلى زهير بن أبي سلمى صاحب أم أوفى (أحدث أصحاب المعلقات) وكل هذا كان مدخلا لوصف حالة البؤس التي سيطرت عليه بفقد أعز الناس عليه (أمه). ففي حين نجد زهير بن أبي سلمى يقول في وصف الحارث بن عوف وهرم بن سنان:

يمينا لنعم الســيدان وجدتما           على كل حال من سحيل ومبرم

                                                            (الزوزني: 143)

 فإن الداني يستعير السحيل والمبرم (السحيل: الحبل المفتول على قوة واحدة –الضعيف-، والمبرم الحبل المفتول على قوتين – القوي-) لوصف أخلائه الذين بدد الدهر شملهم، بقوله:

أخلاء صدق بدد الدهر شملهم     فعاد سحيلا منهم كل مبرم

كما يقتبس الشاعر البيت الأخير كله من زهير في هذه القصيدة، ويبدو لي أن الأمر ليس اقتباسا اعتباطيا أو ينم عن ضعف في الشاعر، بل أراد أن يقول إن نتيجة الأمور هي النتيجة نفسها التي توصل إليها شاعر كبير قبله هو زهير، فيقولان:

ومن لم يصانع في أمورٍ كثيرةٍ               يضرّس بأنيابٍ ويوطأ بمنسم

أما من المتنبي فيأخذ الداني وصف مشاعره تجاه جدته، من قوله:

وما انسدت الدنيا علي لضيقها         ولكن طرفا لا أراك به أعمى   

                                                   (الديوان: 4/232)

ويعيد طريقة التعبير عن هذا المعنى بمعنى قريب قائلا:

وأرسل طرفا لا يراك فأنطوي        على كبد حرى وقلب مُكلمِ

كما يأخذ معنى ورد عند المتنبي في مطلع قصيدته في مدح سيف الدولة:

ليالي بعد الظاعنين شكول          طوال وليل العاشقين طويل

                                            (الديوان: 3/217)

فيقول:

تطول ليالي العاشقين وإنما         يطول عليك الليل ما لم تهوم

وعليه فإن هذه القصيدة تقليدية في شكلها تقليدية في معانيها، لا نجد فيها جديدا غير هذه المشاعر الخاصة بالشاعر التي أراد أن يعبر عنها

فاستعار مضامين وقوالب لشعراء آخرين، ليدلل على شدة حزنه بفقد أمه.

      أما الشاعر أبو إسحاق الألبيري فيعيدنا في قصيدته (من ليس بالباكي ولا المتباكي) إلى أصل معنى الأم، وهي الدنيا، عندما يبدأ بالحديث

عنها (الدنيا – الأم) وقد نادته لتحاوره وتتبين موقفه منها، وما يدور في خلده تجاهها، فيعرض لبؤسه فيها بعدما يصدها منذ البداية،عادا أنه ليس

 من الكياسة تلبية ندائها، فيقول:

من ليس بالباكي ولا المـتـبـاكي          لقبـيـح ما يأتي فليــس بزاك

نادت بي الدنيا فقلت لها اقـصـري          ما عُـدّ في الأكـيـاس من لباك

(الديوان: 7 )

ومع ذلك فهو يحاورها لا بوصفها مسايرة له في تطلعاته وأمانيه، وإنما بوصفها واقفة له بالمرصاد تصده وتعيده خائبا غير محقق لشيء مما يرنو إليه،

 فالعلاقة بينهما تبدو منذ البداية علاقة مشاحنة وتضاد، يقول:

وَلَمَا صفا عند الإله ولا دنا              منه امرؤ صافاكِ أو داناكِ

ما زلتِ خادعتي ببرقٍ خُلّبٍ          ولو اهتديت لما انخدعت لذاك

قالت أغرك من جناحك طولُه         وكأن به قد قُصّ في أشراكي

تالله ما في الأرض موضع راحة        إلا وقد نُصِبَتْ عليه شباكي

طر كيف شئت فأنت فيها واقع            عان بها لا يرتجى لفكاك

وتتوعده بمزيد من الإحباط، وتؤكد له أنه لا يستطيع التخلص من سيطرتها عليه وتحكمها فيه، بل إنها تخدعه متى تشاء، وهي التي تتمكن من البطش بأكثر الناس

بطشا، وهو أمام ذلك كله يتعجب من غدرها وبغضائها، فكل الناس أسرى لها أو من جرحاها أو صرعاها، يقول على لسانها:

من كان يُصرع قرنُه في معرك              فَعَلَيَّ صرعته بغير عراك

ما أعرف العضب الصقيل ولا القنا    ولقد بطشت بذي السلاح الشاكي

فأجبتها متعجبا من غدرها              أَجَزيتِ بالبغضاء من يهواك

ويمعن في وصف جهل الناس في الإقبال على الدنيا التي توقعهم في مصيدتها وتوصلهم إلى الهلاك فيقول:

لو قارضوك على صنيعك فيهم          قطعوا مدى أعمارهم بقلاك

طُمست عقولهم ونور قلوبهم          فتهافتوا حرصا على حلواك

فكأنهم مثل الذباب تساقطت       في الأري حتى استؤصلوا بهلاك

إلى أن يصل إلى وضع الأمور في نصابها، ليكشف لنا أنها لا يمكن أن تكون أما حقيقية، فالأم لا تأكل أبناءها بعد ولادتهم، بل الأم تلطف بأبنائها وتحنو عليهم،

أما الدنيا فهي قاسية بل هي كالسراب وكالمرض المقيم بين الضلوع ليس له دواء، وفي هذا ما فيه من صور فنية أبدعتها مخيلة الشاعر، ثم يوضح كيف

 أن الله - تعالى – يأمرنا بطاعة الأم وأن طاعتها من طاعة الله، وفرض علينا البر بها، وعدم عقوقها، فعقوقها محرم، أما هذه الدنيا فهي التي تعق بأبنائها

 وليس العكس، فعقوق جميع الأمهات محرم إلا هذه الأم، يقول:

لا كنت من أم لنا أكالة               بعد الولادة ما أقل حياك

ولقد عهدنا الأم تلطف بابنها     عطفا عليه وأنت ما أقساك

ما فوق ظهرك قاطن أو ظاعن     إلا سيهشم في ثفال رحاك

أنت السراب وأنت داء كامن      بين الضلوع فما أعز دواك

يعصى الإله إذا أطعت وطاعتي      لله ربي أن أشق عصاك

فرض علينا برنا أماتنا                 وعقوقهن محرم إلاك

ونلاحظ أن الشاعر استخدم (أماتنا) في جمع أم، مما يشير إلى أنه عارف بما يقول، ويدرك أبعاد اللفظة ودلالاتها وما قد ترمي إليه( الأم – الدنيا – أصل الأشياء - الوالدة – أمات – أمهات)، وبهذا يصل بنا الشاعر إلى مفارقة غريبة، إذ كيف نسمي الوالدة أما وهي الرؤوم الحنونة العاطفة كلها، وفي الوقت نفسه نسمي الدنيا الغادرة التي لا ترحم أبناءها أما أيضا!؟ ويواصل الشاعر بعد هذا ببيان حال (أولاد الدنيا) مع (الدنيا) وكيف أنهم مغلوبون على أمرهم فلا يدوم لهم فيها دوام، ولا تبقى لهم فيها حال على ما يشاءون، فكل منهم يؤول من حال العز والفخار إلى نهاية واحدة (كلهم تحت التراب) وإن هذه مشيئة الله – تعالى- التي كتبها على خلقه، وهكذا يستسلم الشاعر في نهاية القصيدة لقضاء الله وقدره، قائلا:

لا عيش يصفو للملوك وإنما          تصفو وتحمد عيشة النساك

ومن الإله على النبي صلاته           عدد النجوم وعدة الأملاك

وفي الواقع هذه القصيدة من أجمل ما وصلنا في هذا الموضوع من الشعر العربي في الأندلس، بل إن هذه القصيدة من جميل ما تطورت إليه صورة الأم، الأمر الذي لم نقرأه بهذا البعد الفكري في الشعر العربي في المشرق قبل أبي إسحاق الألبيري.

 

(1) أوردت معاجم اللغة العربية عددا كبيرا من الأسماء عرفت بدلالاتها الشائعة عند العرب، منها: أُمُّ الحَرْب: الراية.
وأُم الرُّمْح: اللِّواء وما لُفَّ عليه من خِرْقَةٍ؛ ومنه قول الشاعر: وسَلَبْنا الرُّمْح فيه أُمُّه من يَدِ العاصِي، وما طَالَ الطِّوَلْ. وأُم القِرْدانِ: النُّقْرَةُ التي في أَصْل فِرْسِن البعير. وأُم القُرَى: مكة، شرَّفها الله تعالى، لأَنها توسطَت الأرض فيما زَعَموا، وقيل لأنها قِبْلةُ جميع الناس يؤُمُّونها، وقيل: سُمِّيَت بذلك لأَنها كانت أَعظم القُرَى شأْناً، وفي التنزيل العزيز: "وما كان رَبُّك مُهْلِكَ القُرَى حتى يبعثَ في أُمِّها رسولاً".وكلُّ مدينة هي أُمُّ ما حَوْلها من القُرَى.وأُمُّ الرأْسِ: هي الخَريطةُ التي فيها الدِّماغ، وأُمُّ الدِّماغِ الجِلدة التي تجْمع الدِّماغَ.ويقال أَيضاً: أُم الرأْس، وأُمُّ الرأْس الدِّماغ؛ قال ابن دُرَيد: هي الجِلْدة الرقيقة التي عليها، وهي مُجْتَمعه.
وقالوا: ما أَنت وأُمُّ الباطِل أي ما أنت والباطِل؟ وللأُمٍّ أَشياءُ كثيرة تضاف إليها؛ وفي الحديث: أنه قال لزيد الخيل نِعْم فَتىً إن نَجا من أُمّ كلْبةَ، هي الحُمَّى، وفي حديث آخر: لم تَضُرّه أُمُّ الصِّبْيان، يعني الريح التي تَعْرِض لهم فَربما غُشِي عليهم منها.
وأُمُّ اللُّهَيْم: المَنِيّة، وأُمُّ خَنُّورٍ الخِصْب، وأُمُّ جابرٍ الخُبْزُ، وأُمُّ صَبّار الحرَّةُ، وأُم عُبيدٍ الصحراءُ، وأُم عطية الرَّحى، وأُمُّ شملة الشمس، وأم شملة كنية الدنيا والخمر، وأُمُّ الخُلْفُف الداهيةُ، وأُمُّ رُبَيقٍ الحَرْبُ، وأُم لَيْلى الخَمْر، ولَيْلى النَّشْوة، وأُمُّ دَرْزٍ الدنيْا، وأُم جرذان النخلة، وأُم رَجيه النحلة، وأُمُّ رياح الجرادة، وأُمُّ عامِرٍ المقبرة، وأُمُّ جابر السُّنْبُلة، وأُمُّ طِلْبة العُقابُ، وكذلك شَعْواء، وأُمُّ حُبابٍ الدُّنيا، وهي أُمُّ وافِرَةَ، وأُمُّ وافرة البيره، ويقال للنخلة أيضاً أم خبيص، وفي القاموس: أم سويد وأم عزم بالكسر وأم طبيخة كسكينة في باب الجيم الاست، وأُم سمحة العنز، ويقال للقِدْر: أُمُّ غياث، وأُمُّ عُقْبَة، وأُمُّ بَيْضاء، وأُمُّ رسمة، وأُمُّ العِيَالِ، وأُمُّ جِرْذان النَّخْلة، وإذا سميت رجُلاً بأُمِّ جِرْذان لم تَصْرِفه، وأُم طبيخة وهي أُم تسعين، وأُمُّ حِلْس كُنْية الأتان، ويقال للضَّبُع أُمُّ عامِر وأُمُّ عَمْرو. وأمُّ القُرآن: فاتحة الكتاب. وأمُّ الكتاب: ما في اللّوح المحفوظ. وأمُّ كفاتٍ: الأرض. وأمُّ القُراد، في مؤخّر الرُّسغ فوق الخُفِّ، وهي التي تجتمع فيها القِرْدان كالسّكُرُّجة. قال أبو النجم:وأمُّ الصّدى هي أُمُّ الدِّماغ. وأم عُوَيفٍ: دويْـبّةٌ منَقّطة إذا رأت الإنسان قامت على ذنَبها ونشرت أجنحتها، يُضرَبُ بها المثلُ في الجبن. قال: يا أُمَّ عَوفٍ نَشِّري بُردَيْكْ    إنّ الأميرَ واقفٌ عليكْ . ويقال هي الجرَادة. وأمُّ حُمارِسٍ دويْـبّة سوداء كثيرة القوائم. وأم صَبُّور: الأمرُ الملتبِس، ويقال هي الهضَبَة التي ليس لها منفذ. وأمّ غيْلان: شجرةٌ كثيرة الشوك. وَأُمُّ اللُّهيم: المنِيّة. وأمُّ حُبَيْنٍ: دابّة. وأمُّ الطّريق: مُعظَمه. وأمُّ وَحْشٍ: المفازة، وكذلك أُمُّ الظِّباء. قال: وهانت على أمِّ الظباء بحاجتي    إذا أرسلت ترباً عليه سَحُوق وأُمُّ صَبَّار: الحَرَّة قال النّابغة: تُدافِعُ النّاسَ عَنَّا حينَ نَرْكَبُها    من المَظالم تُدعَى أُمَّ صَبّارِ وأمُّ عامرٍ، وأم الطريق: الضَّبع. قال يعقوب: أمُّ أوعالٍ: هضبة بعينها. قال:وأُمُّ الكفّ: اليدِ. قال:وأمُّ البَيض: النّعامة. قال أبو دُؤاد:وأتانَا يَسْعَى تفرُّشَ أمِّ الـ بيض… وأمُّ عامرٍ: المفازة. وأمّ كليبٍ: شجيرة لها نَوْر أصفر. وأمُّ عِرْيَط: العقربُ. وأمُّ النّدامة: العَجَلة. وأمّ قَشْعَمٍ، وأمُّ خَشّاف، وأمّ الرَّقوبِ، وأمُّ الرَّقِم، وأمُّ أرَيق، وأمّ رُبَيْق، وأمُّ جُنْدَبٍ، وأمّ البَليل، وأمَ الرُّبيس، وأم حَبَوْكرَى، وأمّ أدرصٍ، وأمّ نآدٍ، كلها كُنَى الدّاهية. *وأمّ فَرْوة: النَّعجة. وأمُّ سُوَيد وأمّ عِزْم: سافلة الإنسان. وأمُّ جابر: إيادٌ. وأمُّ شَمْلَة: الشَّمال الباردة. وأُمُّ غِرْس: الرَّكية.وأمُّ خُرْمانَ: طريق. وأم الهشيمة: شجرةٌ عظيمة مِنْ يابس الشّجَر. قال الفرزدق يصفُ قِدْراً: إذا أطْعِمَتْ أمَّ الهشيمة أرْزَمَتْ    كما أرزَمَتْ أمُّ الحُِوَارِ المجلَّدِ وأمُّ الطعّام: البَطْن. قال: ربيَّتُه وهو مثلُ الفرخ أعْظَمُهُ    أمُّ الطعَامِ ترَى في جِلْدِهِ زَغَبَا.( العين، اللسان، الصحاح، مقاييس اللغة...)

(2) كتاب (الأم) موسوعة فقهية كبيرة في الفقه الشافعي، يمثل خلاصة مذهب الإمام الشافعي وأحكامه النهائية، وضعه الشافعي في مصر إملاء بعد أن استراح من السفر والترحال واستقر في مصر، فالكتاب يمثل خلاصة أفكاره التي نضجت واستقرت، وهذا ما توحيه التسمية (الأم) أي أن الكتاب يجمع ما انتهى إليه فقه الشافعي وأجمع المؤرخون على أن كتاب (الأم) هو من رواية الربيع بن سليمان المرادي وسماعه وهو تلميذ الإمام الشافعي وكان محل ثقة وأمانة عند الإمام الشافعي.

 

 

 

خاتمة

         الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم آياته: " وَوَصّينَا الإنسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلتهُ أمُّهُ وَهْناً على وهنٍ". والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي أوصانا بقوله:"من قبّل بين عيني أمه كان له سترا من النار"، أما بعد:

         فإن هذا البحث تناول رحلة الأم في الشعر العربي منذ الجاهلية إلى نهاية العصر العباسي الذي يعد بداية لتحول تاريخي معروف، تبعه تحول في كثير من سمات الحياة ومتعلقاتها. فعرض لدلالات لفظ الأم في اللغة والأدب وفي القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وخلص إلى أن لغتنا دقيقة في استعمال الألفاظ ودقيقة في بيان دلالاتها، فمع وجود قواسم مشتركة بين الأم والوالدة إلا أنه توجد فروق بيّنة بينهما، تحس في كثير من الأحيان أكثر من أن تلمس أو تناقش، فالفرق بينهما شعوري في الأساس، يتبعه فرق في أصل الكلمة من حيث الاشتقاق، وتتبع البحث استعمال العرب الدقيق للفظتين، كل منهما في موضعه وخصوصا في القرآن الكريم.

         أما عن الأم في الشعر العربي قبل الإسلام، وهو موضوع القسم الأول من البحث، فقد بين أن صورة الأم تشوبها كثير من الأخطاء الشائعة، أبرزها: أن الأم كانت في مرتبة متدنية عند العرب وأن السمة البارزة في تعاملهم معها كانت وأد البنات، وهذا غير دقيق؛ فوأد البنات كان حالات قليلة عند بعض القبائل ولم يكن سائدا عند جميع العرب وفي كل الظروف، ثم إن الأم الحرة كانت مما يعتز العربي بانتسابه لها ويفخر به، ومن كانت دون ذلك فقد عُيَّرَ بها. وانعكست هذه الصورة في الشعر آنذاك.

 وفي عصر صدر الإسلام والعصر الأموي اكتسبت الأم امتيازات إضافية هيأها لها الإسلام، ولكن صورتها لم تطف على السطح في القصيدة العربية بل ظلت جزءا من الأغراض العامة في الحياة. وظلت كذلك إلى أن كان العصر العباسي، إذ احتلت الأم مكانة متميزة في القصيدة العربية وأصبحت موضوعا مستقلا عند عدد من الشعراء، وإن ارتبط ذلك بظروف خاصة إلا أنه شكل ظاهرة جديدة لم تكن موجودة سابقا. ثم ارتقى موضوع الأم وصورتها خطوة إضافية في الشعر العربي في الأندلس إذ أصبحت إلى جانب كونها موضوعا مستقلا ظاهرة فكرية أعادها بعض الشعراء إلى أصل اللفظة وقارنوا بينها وبين الدنيا (أصل الأشياء) التي تسمى أما أيضا.

         وقد لفتت نظر الباحث مجموعة من الأمور، أبرزها عدم اهتمام الدارسين بصورة الأم في الشعر قبل هذا البحث على هذا النحو، وهذا يعني إغفالهم لقضية مهمة مرتبطة بواقع الحياة العربية، مما شكل أهمية خاصة لهذا البحث وضرورته في هذا الوقت الذي تختلط فيه كثير من المفاهيم في الحياة، ومن أبرزها صورة الأم ومكانتها في ضمير الإنسان أينما كان. أما الأمر الآخر فهو أن الأم ظلت على الدوام تكتسب مكانة هي الأبرز في مشاعر الإنسان الاعتيادي؛ بمعنى إن لم يكن هناك سبب يغير مشاعر الابن تجاهها أو حتى يعيبها. وهناك أمر آخر يتعلق بهذا التشابه الغريب الذي لا تفض غرابته إلا معرفتنا بطبيعة الإنسان السوي (الفطري)، وأقصد التشابه في المضامين الأولية لقصائد الشعراء عموما وفي معظم العصور، فصورة الأم في نفس الإنسان السوي تكاد تكون متشابهة إلى أبعد حد، وقد عبر الشعراء عن هذا وصوروه بفطرية.

         وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن والاه.

قائمة المصادر والمراجع

أولا: - القرآن الكريم

ثانيا:الدواوين الشعرية

·        ديوان الألبيري، أبي إسحاق الألبيري، نسخة الكترونية على العنوان:  www.arabEspanol.org

                                       .                              وعلى العنوان:  www.al-mostafa.com

*   ديوان بشار بن برد، بشار بن برد، شرح:حسين حموي، دار الجيل، ط/1، عدد الأجزاء/2،ب.ت.

*  ديوان الحطيئة، جرول بن أوس بن مالك العبسي، بشرح ابن السكيت والسجستاني، تحقيق نعمان أمين طه، القاهرة، مطبعة البابي الحلبي، 1958.

·        ديوان الحكيم، أبي الصلت أمية بن عبد العزيز الداني، الجمع والتحقيق والتقديم لمحمد المرزوقي، دار الكتب الشرقية,تونس، 1974.

*   ديوان ابن خفاجة، ابن خفاجة الأندلسي، تحقيق عبد الله سنده، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 2006.

*   ديوان دريد بن الصمة الجشمي، جمع وتحقيق وشرح محمد خير البقاعي، دمشق، 1981.

·    ديوان ابن زيدون: شعراء الأندلس، ديوان ابن زيدون- رسائله، أخباره، شعر الملكين- الشرح والضبط والتصنيف: كامل كيلاني وعبد الرحمن خليفة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط/1، 1351هـ- 1932م.

·         ديوان الشريف الرضي، شرح: يوسف فرحات، دار الجيل، ط/1، عدد الأجزاء/2،ب.ت.

·        ديوان أبي فراس الحمداني. شرح. نخلة قلفاظ ، مطبعة الشرق، بيروت، 1910.

·         ديوان اللاحقي، أبان بن عبد الحميد اللاحقي، قرص، المصدر: موقع منتديات زهران: www.zohran.com

·        ديوان المتنبي، (شرح ديوان المتنبي) عبد الرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط/2، 1986.

·        ديوان مروان بن أبي حفصة، مروان بن سلمان بن يحيى بن أبي حفصة، قرص، مصدر الكتاب: موقع منتديات زهران: www.zohran.com

·    المفضليات، أبو العباس المفضل بن محمد الضبي، تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون، سلسلة ديوان العرب، مجموعات من عيون الشعر،ط/6، دار المعارف،ب.ت.

·        نقائض جرير والفرزدق، طبعة ليدن،1905.

 

ثالثا: المصادر والمراجع

* الأميني. الشيخ عبد الحسين: الشريف الرضي وشعره في الغدير، سلسلة الكتب المؤلفة في أهل البيت عليهم السلام (73)، مركز الأبحاث العقائدية،ب.ت.

* الجوهري ، الصحاح في اللغة، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان،ط/4،

  1990، عدد الأجزاء/6.

* الحاكم. محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، 1990 ، عدد الأجزاء/4.

*  ابن حنبل. أحمد (ت241ه): المسند، قرص المكتبة الشاملة، مصدر الكتاب: موقع الإسلامwww.al-islam.com

* الزوزني. أبو عبد الله الحسين الزوزني: شرح المعلقات السبع، مكتبة النقاء، بغداد، ب.ت.

* ابن سلام، محمد بن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر، القاهرة، 1952.

* السيوطي. عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضري (المعروف بجلال الدين السيوطي): الدر المنثور في التفسير المأثور، قرص، المجموعة الوطنية للتقنية، على الموقع نداء الإيمان

                                                                           www.al-eman.com/islamlib

* عبد الرحيم. محمد: الأهل والأقارب في الشعر العربي، مجموعة روائع الشعر العربي، سلسلة (المبدعون) دار الراتب الجامعية، بيروت، ط/1، 2000.

* ابن فارس. أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين: معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1979، 6مجلدات.

* الفراهيدي. أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد: كتاب العين، تحقيق: مهدي المخزومي و د. إبراهيم السامرائي ، طبعة لبنان، 1988 .

* أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين بن محمد: كتاب الأغاني، طبعة دار الكتب، القاهرة،ب.ت. وطبعة دار إحياء التراث العربي ، بيروت، 1997، 24 جزءا.

* ابن قتيبة الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم: الشعر والشعراء، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، القاهرة، 1967.

* القيسي. نوري حمودي وزملاؤه: نصوص من الشعر العربي قبل الإسلام –دراسة وتحليل-، جامعة بغداد، 1990. * ابن منظور. أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور المصري: لسان العرب، مصور على طبعة بولاق.

* الهاشمي. علي: المرأة في الشعر الجاهلي، مطبعة المعارف، بغداد، 1960.

 

مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 43: خريف 2009  - 7th Year, :July  Issue 43