بحوث ودراساتآراء وأفكارعرض أطاريح  CONTACT US   

مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 43: خريف 2009  - 7th Year, :July  Issue 43

من أجل قراءة جديدة للفكر الألماني: دراسة تحليلية ونقدية

د. حيرش بغداد محمد

باحث دائم بالمركز الوطني للبحث في الأنتروبولوجيا الثقافية والاجتماعية- CRASC

hirebagh@yahoo.fr

الكلمات المفتاحية: المثالية، الفكر الألماني، الإصلاح، الثورة، التعالي، وحدة الوجود، الحرية، نظرية المعرفة، الميتافيزيقا.

1. ملخص  باللغة العربية:

إن بحثنا ينخرط في إشكالية متعلقة بمعرفة مضمون الفكر الألماني الحديث، واستقصاء الأسباب التي جعلت هذا الفكر يوسم بصفة المثالية. وقد افترضنا في بداية بحثنا أنه فكر وريث للمثالية اليونانية، ولكن التعمق في الموضوع جعلنا نكتشف عمق الصراع الحضاري الموجود بين الألمان والفرنسيين، ما جعلنا نفترض بأن صفة المثالية هي شكل من أشكال الإقصاء الممارس على فكر، أقل ما يقال عنه أنه يفكر بالمفهوم ويجتهد في إنتاجه وتوظيفه في جميع المجالات، بدءا من ليبنتز إلى شلنج. ومن هنا فهو يواصل ما بدأه اليونانيون، وإن كان المفكرون الألمان يرون بأن الحقيقة لا تكمن في عالم مثالي منفصل، بل هي مرهونة بمدى قدرة الإنسان على تأمل شروط وجوده التاريخية كما هو الحال عند هيجل أو الجغرافية كما هو الحال عند كانط. وتبقى المصالحة بين قطاعات الوجود المختلفة مبدأ أساسيا، وخاصة عند ليبنتز وكانط وهيجل.

إن إلحاق المثالية بالفكر الألماني بالذات ناتج عن رد فعل فرنسي لم يكن ليرض بالمشروع الفلسفي الألماني المنعوت بـالبؤس والجمود، إيهاما بأن هذا الفكر بعيد عن الواقع الاجتماعي والسياسي. وكل ما في الأمر أن استراتيجيات التغيير كانت متباينة، فاعتمدت إما على رؤية إصلاحية تركز على إحداث ثورة فكرية وجمالية مثالها الحرية الفكرية، وإما على رؤية ثورية سياسية مثالها الحرية السياسية.

ويمكن القول أن المثالية مفهوم قابل للتأويل، وقابل لأن ينطبق على فلسفات متباينة، والرؤية الفلسفية على العموم أوسع من أن تحصر في مذهب بعينه. والفكر الألماني مهم لأنه يتيح لنا فرصة التوجه نحو الإمكان، بدل الاكتفاء بمحدودية الشروط الواقعية، فالانغماس في نمط حياتي مادي وتقني يفقد الحياة كل معنى. والمعنى قابل للاسترجاع بالمصالحة الممكنة بين أطراف ثلاثة هي: الإنسان والطبيعة والله.

2. Abstract en français :

Notre recherche essaie d’analyser d’une part le discours des philosophes Allemands tels que Leibniz, Kant et Hegel, et d’autre part, de revoir les interprétations et les critiques faites à la philosophie allemande moderne en général, soit par Popper, Marx, Levinas, Feuerbach, ou Nietzsche. La problématique se concentre sur la notion d’idéalisme, ce concept riche en sens et qui date de l'antiquité  mettant en avant la raison et la pensée humaine comme vecteur essentiel de la connaissance, la raison pour laquelle la matière et le monde extérieur semblent secondaires, ce qui est en contradiction avec la vision expérimentaliste, ou même matérialiste.

 Si les philosophes allemands moderne étaient des idéalistes c’est parce qu’ils adhéraient à un projet culturel et civilisateur visant à la promotion des sciences et des idées dans un cadre ou les lumières devenaient un souci majeur pour tous les penseurs libres, cette tâche nous semble être commune à toutes les doctrines, et à toutes les tendances, et si l’idéalisme est un terme qui qualifie seulement la philosophie Allemande, alors il est de notre devoir de s’interroger sur la validité d’une telle nomination surtout d'un point de vue purement philosophique, car les penseurs Allemands étaient favorables à une réconciliation entre l’être et le paraître, mais ils se détachaient de l’ensemble des pays européens par leurs avant-gardisme, pour eux la révolution française n’est qu’un saut vers une modernité déjà accomplie ailleurs, car il semble bien claire que les reformes politiques, religieuses, et sociales ont débuté au début du 16ème siècle avec le réformateur Luther.

 La réforme a libéré l’énergie créatrice, car l’homme s’est fixé un objectif ambitieux, celui de ressembler au créateur, et ne par être dépendant d’une destinée préétablie, de cette façon les Allemands renouaient avec leurs traditions chrétiennes et avec leur héritage culturel grecque,  sans se mettre en contradiction avec l’ère du temps.  

 Il semble désormais que l’idéalisme Allemand n’est pas l’équivalent d’un "noumène" ou d’un éloignement du monde, c’est un effort acharné pour comprendre les lois est les phénomènes par la médiation des matériaux indispensables tel que le concept et l'idée.      

تمهيد:

إن تطرقنا للمثالية الألمانية، يدفعنا إلى البحث عن الشروط المنتجة لهذا النمط الخاص من التفكير، ما يجعنا نفترض أن له علاقة وطيدة بالحركة العلمية والأدبية التي ترافقت مع عصر النهضة في أوروبا. كما أنها مرتبطة بالفلسفة اليونانية وبالمسيحية من خلال الغنوصية.  إلا أنه من الممكن افتراض أن صفة المثالية الملحقة بالفكر الألماني مضافة إليه من الخارج، ولا تعبر عن طبيعته الحقيقية، وأن إلصاقها به يخدم أهدافا إيديولوجية أكثر مما يخدم أهدافا معرفية، لهذا السبب فإن البحث يهدف بالدرجة الأولى إلى محاولة معرفة مضمون المثالية في الفلسفة الألمانية الحديثة، وإن كان يصعب الإحاطة والتحكم في الفكر الألماني لعدة أسباب، تتعلق أولا بلغته[1]، وبشخصياته التي حاولنا الاقتراب منها، إلى الحد الذي أصبح فيه بحثنا مغامرة مفتوحة على المراجعة والتصحيح الدائمين. وقد اعتمدنا على المنهج التحليلي النقدي، وقسمنا بحثنا إلى ثلاثة فصول يتعلق أولها بشروط منشأ الفكر المثالي، وثانيها بالإشكاليات الجوهرية للفلسفة الألمانية ممثلة في الميتافيزيقا والدين ثم الحرية والسياسة وأخيرا نظرية المعرفة والعلم. والفصل الثالث كان محاولة لتجاوز ونقد المثالية من داخل الفلسفة الألمانية ومن خارجها.

    1.عن مفهوم المثالية واستخداماتها:

إن العودة إلى نظرية المعرفة، يعني البحث في شروط إنتاج المعرفة، وبالتالي التركيز على القسمة الحاصلة بين عقل وواقع، وبين عالم حسي (واقعي) وعالم روحي (مثالي). وإن مفهوم مثالي " سيظهر للمرة الأولى في اللغة الفلسفية في نهاية القرن 18، حيث أن ليبنتز يعارض المثالي بالمادي"[2]، وقبل ذلك كان الباحثون يستخدمون مصطلح "اللامادي" كما هو الشأن عند بركلي. و" لقد أصبحت كلمة مثالي تطلق أيضا على المذهب الأفلاطوني، باعتباره مذهب الأفكار... "[3]. أما من حيث الدلالة، "فإننا نفهم من المثالية حاليا النزعة الفلسفية التي ترجع الوجود كله إلى الفكر" ، كما أنها أيضا "الموقف الذي يخضع الفكر والسلوك لمثال Un idéal، وفلسفيا هي النسق الذي يرفع الفكر فوق الحواس والتجربة"[4]. ويمكن النظر إلى المثالية نظرة عامة، من حيث أنها ملازمة لكل فلسفة، فقد " كتب شوبنهور بأن على الفيلسوف الحقيقي أن يكون مثاليا. وحسب برنارد بورجوا فإن المثالية هي جوهر الفلسفة، وأن كل فلسفة هي مثالية، كنتيجة للمصادرة المثالية المتمثلة في أنه لا توجد معرفة إلا بالأفكار"[5]. وعموما فإن " مثالية الفلسفة تكمن في عدم الاعتراف بأن المنتهي موجود حقيقي"[6]

أما فيما يخص مفهوم "المثالية الألمانية"، فهو اسم عام أطلق على جملة الأنساق الفلسفية المطورة في ألمانيا في نهاية القرن 18 وبدابة القرن 19. و"من أهم ممثليها فيخته- شلنج - هيجل والتي توصف أنساقهم بالمثالية الذاتية والمثالية الموضوعة والمثالية المطلقة"[7]. فهي تتجسد في الفلسفات التي أرادت أن تتجاوز الكانطية، أي الفلسفات التي أرادت التأكيد على إمكانية وجود ميتافيزيقا نظرية، وخاصة مع هيجل. ويرجع مارك كوفمان مصدر المشروع المثالي الألماني إلى "النص المحير" المعنون بـ "أقدم برنامج نسقي للمثالية الألمانية" والمكتوب إما سنة 1795 أو 1796، والذي يعتبره كوفمان الثمرة المحتملة للقاء الطلبة الثلاث (هيجل- شلنج - هولدرلين)، كما يعتقد أنه كتب بيد هيجل وهو مختلط بأفكار هولدرلين وبمفاهيم شلنج[8].  

يتبين بالتالي أن هناك اختلاف جوهري بين مفهوم "المثالية" التي هي ملازمة بشكل عفوي لكل الفلسفات، وبين مفهوم "المثالية الألمانية" كمشروع انخرط  فيه بشكل قصدي وواع عدد من الشخصيات الفلسفية، إلا أن ذلك المشروع يظل مرتبطا بنص محير، وكأن الذين أقدموا على كتابته فضلوا أن يخفوا هواياتهم، وكأنهم يؤسسون لشيء محرم أو ممنوع، ما يجعلنا نتساءل من جديد عن مدى صحة ومصداقية هذا المشروع، وذلك من خلال التحقق من مدى توفر الشروط المنتجة للخطاب المثالي.

   2. شروط انبثاق الفكر المثالي:

من الشروط الأساسية لانبثاق أي فكر مثالي هي "الميتافيزيقا"، حيث يبدو أن " المنطلق الدلالي للمعاني الحديثة لهذه الكلمة (الميتافيزيقا) هو تصور عالم مثالي معقد يمكنه أن يرتدي السمات التالية: إنه عمل العقل لا عمل الوحي ولا الاختبار. إنه اكتشاف القواعد الأساسية للفكر، ومن ثم تشكيل مجمل مبادئ العلوم الأخرى، من فيزيائية و أخلاقية. إنه تزويد بأساس اليقين الذي تعترف به لهذه العلوم. إنه معرفة الواقع كما هو، لا معرفة المظاهر"[9]. وقد " تساءل أفلاطون عن ما هو الشيء بصفة عامة؟ وسؤال الشيء باعتباره شيئا بصفة عامة هو سؤال الوجود "[10] وقد تمكن الفكر الأفلاطوني من التمييز بين أنطلوجيا الأشياء (التفكير انطلاقا من الأشياء- الرأي)، وأنطلوجيا الخطاب (التفكير انطلاقا من ماهية الأشياء- العلم). وتجاوز أفلاطون برمنيدس لأنه انتقل من الوحدة إلى الكثرة، فلا يوجد فقط الوجود L’être، ولكن الوجود أنواع. كما أن برمنيدس اعتبر أن الوجود موجود والا- وجود غير موجود. أما الخطاب عند أفلاطون فلن يتأسس فقط حول الأشياء الموجودة، بل يمكن أن يكون خطابا حول أشياء غير موجودة، ما أدى إلى ظهور أنطلوجيا التعالي (التفكير في ماهية الماهية)

وبعد أن كان السفسطائيون متهمون بأنهم يرسخون اعتباطية التسميات والتعريفات الأخلاقية ومبادئ المدينة، تجهز أفلاطون لإثقال الخطاب أي الفكرة بالوجود، وإرساء الخطاب داخل الوجود، بحيث تصبح الفكرة تتمثل فيما هو عليه كل موجود، فالماهية تعني أن ”الشيء هو ذاته و ليس شيئا آخر“.

و"الغنوصية" أترث أيضا في منشأ المثالية، فإذا " أخدنا الغنوص بمعناه المطلق، فإنه يعني المعرفة، وبشكل أدق فإنه في الأنساق الدينية التي يشكل عمقها، فإن الغنوص يظهر كمعرفة تجلب مع ذاتها وبذاتها الخلاص، إنه العلم المحرر أو الذي ينقذ "[11] ولقد تمكنت الغنوصية كمعرفة مرتكزة على الخلاص، من الاختلاط مع الأديان والفلسفات، نظرا لأن الإنسان يدرك أن العالم الحسي مؤقت، فهو يترقب الأحسن والأفضل، كما أنه يشعر بحنينه إلى الأصل.  ومن أجل التقريب بين الممارسة التصوفية والفلسفة، ليس هناك أحسن من تأكيد اشتراكهما في السفر، والإقرار أن الخلاص يكون بالموت والتطهر ليصير الإنسان من جنس الآلهة. وتظل الفلسفة اليونانية عموما قائمة على أساس ”اللوغس“، فهي تعتقد بأنه يمكن للإنسان أن يفهم العالم ويتعايش معه (المصالحة)، في حين أن الموقف الغنوصي يعتبر أن العالم كله شر (تدمير العالم). 

وقد تبين للباحثين أن هناك غنوصية متشائمة سبقت المسيحية، وتتميز ببحثها عن الإله المتعالي وتعتبر أن العالم كله شر، وهناك أخرى متفائلة والتي لم يعد الخلق في نظرها منسوبا إلى إله شرير، وأصبحت المحايثة دليلا على الرحمة واللطف. وإن العمل على تحقيق الذات الإنسانية في وضعيتها الأولى والأصيلة عن طريق هدم التاريخ و الزمن، لا يتوافق مع المسيحية التي تستعمل التاريخ والزمن كوسيلة من أجل الخلاص، الذي لا يعني بالضرورة العودة إلى الحالة الأصلية. والاعتقاد بأن الله خلق الإنسان على صورته، تولد عنه ”تقديس“ الإنسان وإحلال الله المحايث بدل الله المتعالي، " وهكذا فإن إله الحب في سيادة حريته، يمكنه أن يتعالى على تعاليه الخاص، وعلى ماهيته، من أجل أن يمنح نفسه للمشاركة"[12].

وارتبطت المثالية في الفكر الألماني الحديث بالإصلاح الديني، حيث شرع الألمان في إصلاحات دينية، وخاصة مع غريقوار الكبير في القرن 11، الذي اعتبر أن الدين هو " حركة الأشخاص الإلهيين في الأشخاص الإنسانيين"[13]. كما أن الإصلاح كان مسبوقا بجهد القديس أنسلم الذي تساءل عن السبب الذي جعل الله يتحول إلى إنسان، مركزا على ”نص التكوين“، والذي يذكر فيه أن "الله خلق الإنسان على صورته". وامتد الإصلاح مع لوثر (ق 16) الذي أضفى على الممارسات الدينية طابعا مثاليا (تجاوز متاجرة الكنيسة مع الله) يقربها من المسيحية البدائية، كما أضفى عليها طابعا عمليا، من حيث أن خدمة الله لا تكون في دور العبادة، وإنما مكانها هو الحياة الدنيوية من خلال العمل بكل أشكاله. ولقد أسفرت الإصلاحات إلى نتيجة مهمة مفادها أن " الحكمة في الجنون والحياة في الموت، والمجد في الصليب"[14]. وبواسطة المسيحية أصبح للإنسان هدفان مثاليان أحدهما أرضي والآخر سماوي، فالوصول إلى تحقيق المملكة الإلهية في قلب الإنسان وعلى الأرض، يضمن الوصول إلى المملكة الإلهية في العالم الآخر. والحياة المثالية تنحصر في الحب والتواضع والابتعاد عن كل مشتهيات الحياة ومتعها. ولكن سيرى نيتشه لاحقا أنه " ليس هنا شيء من اليونان أو الهندوس ولا حتى الألمان، ونشيد الإحسان المؤلف من طرف القديس بولس ليس له علاقة مع الإغريق، ولكنه الاشتعال اليهودي للنار السامية الأبدية "[15]. إن نيتشه يفضح هذه المثالية الدخيلة التي لا تمت بأي صلة للفكر الألماني.  

وقد تعزز و اشتد الفكر المثالي بفضل الارتباط الحاصل بين الفلسفة والأدب، فالمفكرون الألمان تأثروا في البداية بالأدب الفرنسي المتبنى للمذهب الكلاسيكي المجسد للحركة الدورية للتاريخ، والداعي إلى التقيد بالأصول والضوابط اللغوية الموروثة عن العصور القديمة، ولكن بعدها قوي الحس الوطني لديهم، ما ولد  رغبة في التحرر الثقافي، بالاعتماد على نظرة خاصة للإرث اليوناني، من منطلق تجاوز العقل لصالح الطبيعية، فظهرت الرومانسية كنقيض للكلاسيكية. والفكر الألماني فضل العودة إلى الماضي المتخيل، بدل المستقبل الطوبوي الفرنسي.[16]
وكتاب رويديجر زافرانسكي Safranski حول " شيللر Schiller أو اختراع المثالية الألمانية"، الذي كان بمناسبة مرور 200 عام على وفاة هذا الأديب، قد أكد أن  أعماله وخاصة مسرحياته لها تأثير على الرأي العام المعاصر له، فهو مخترع المثالية الألمانية وليس فقط الشاعر القومي الأسطوري، لأنه رغم مشاكله الصحية الجسيمة استطاع  تحويل طاقته الإبداعية  إلى مسرحيات ضخمة قابلة للتنفيذ المسرحي. والمثالية في مفهوم شيللر تفتح الطريق إلى حرية الإنسان وإلى تحديده لمصيره. وكانت الإرادة عنده أداة للحرية، لذلك لم يقبل فصل الحاجة الحسية عن الأمر المطلق كما هو عند كانط. وإن التقاء كل من هيجل وهولدرلين وشلنج في غرفة واحدة أثناء دراساتهم الجامعية أسس لعلاقة فريدة بين الأدب والفلسفة، بالتركيز على أهمية "الحساسية" La sensibilité  و"السذاجة" La naïveté ، التي  هي سمات ملازمة لمرحلة الطفولة، والتي هي أيضا شرط ضروري للانفتاح على الحقيقة [17]. إننا نملك في الواقع حياتين: الحياة التي نحلمها عند الطفولة، والتي نواصل حلمها ونحن كبار، وهناك الحياة التي نتقاسمها مع الآخرين، أي الحياة العملية والنافعة والتي يكون مآلها تابوت.[18]  

ولقد تبين لنا من الناحية الفلسفية أن هناك إشكاليات أساسية سيطرت على مجمل الفكر الألماني، فهناك إشكاليات متعلقة بنظرية المعرفة وبفلسفة العلوم. وأخرى متعلقة بالحرية وبالسياسة. وأخيرا إشكاليات متعلقة بالميتافيزيقا.

وبالنسبة لـ:  ليبنتز فقد حاول  تجاوز ما توصل إليه ديكارت (الميكانيكا)، مركزا على مبدأ الاتصال ومبدأ المتعذر تمييزه (الديناميكا). وإن تركيزه على مبدأ الاتصال، كان لأجل المحافظة على هوية الموجودات وثباتها، ورغم أهمية هذا المبدأ يوجد كذلك التعدد والتنوع (مبدأ المتعذر تمييزه)، ولكن هذا لا يمنع من ظهور مجموعات متشابهة ومنظمة في أنواع تشكل هويات ثابتة (الهوية/الاتصال - التنوع/الانفصال)[19].  أما البحث في الحرية، فقد كان بحثا ميتافيزيقا منفصلا عن الدولة والسياسة، حيث " أن الإرادة تتبع دائما التمثلات المحفزة، الواضحة منها أو المبهمة، الخيرة أو الشريرة، والناتجة عن الانفعالات والميول...إنها تتصرف دائما بموجب دافع"[20]. والدافع سيكون متوافقا مع العالم، باعتباره أفضل العوالم الممكنة، و"الله لا يخلق كل إنسان بقرار مسبق و منفرد، فكل قرار فردي مرهون بقرار كلي حول العالم"[21]. وهكذا فإن ليبنتز يفكر بالميتافيزيقا وللميتافيزيقا،  و"كتابات ليبنتز الشاب تقدم شهادة لاستبعاد الطبيعة، حيث لا يوجد في الواقع أية حكمة و أية رغبة في الطبيعة، ونظامها الجميل آت من كونها ساعة الله "[22]

وقد حاول كانط لاحقا الابتعاد عن هذا المنحى الميتافيزيقي المتعالي، وذلك بالتوفيق بين المثالية والتجريبية، لأن "المفاهيم بدون حدوس فارغة، والحدوس بدون مفاهيم عمياء، وفي نظره تكون هذه الثنائية هي أصل التمييز بين الإمكان والواقع داخل الشروط الأساسية للمعرفة. "[23]. هناك إذا فرق بين ما نفكر فيه، وبين ما نعيشه، فالإنسان يسعى بتفكيره المجرد إلى تحصيل المعرفة الكاملة التي تجعله يفهم جميع الأسباب المتحكمة في ظاهرة ما، فوفق هذا المنطق يمكنه أن يصل إلى الشيء في ذاته. ولكنه على المستوى الواقعي يجد نفسه مرغما على تحويل المفاهيم إلى حدوس ومعطيات تجريبية مشروطة بحتميات، تجعله غير قادر على الالتقاء مع اللامشروط[24]. يتبين هكذا أن كانط يقيم نظرية معرفة انطلاقا من رؤية ابستمولوجية تستبعد الميتافيزيقا الكلاسيكية وتستفيد من الاكتشافات العلمية، لإخراج الفلسفة من الدوغمائية  لتصير بالتالي علما. وفيما يتعلق بموقفه من الحرية، فالحرية الشاملة تتطلب قانونا شاملا قادرا على إقناع الجميع بضرورة الالتزام بالقواعد الاجتماعية، وإذا كان اللا- تفاهم يوصف بأنه شر، فلا بد منه من أجل تحقيق أفضل العوالم الممكنة. ولكن ذلك لا يمنح للإنسان بطريقة مجانية ومنذ البداية، فهو ليس نتاج إرادة إلهية، ولكن على الإنسان أن يناضل من أجل ذلك. وإن اهتمام كانط بالجغرافيا يهدف إلى ربط الإنسان بالأرض، ما يدل على تميزه عن الاهتمامات الفلسفية الأخرى التي منحت للتاريخ دورا كبيرا. فهو" يعلن لقارئه بأن الكرة الأرضية يجب ألا يفكر فيها عموديا من خلال وجهة نظر فلكية ولكن أفقيا، بدون أي علاقة مع السماء كمكان للتاريخ وللتفاعل الإنساني"[25].  وبالنسبة للميتافيزيقا، فإننا "  نجد في العقل النظري قلبا جذريا للعلاقة بين الله والإنسان، فقد تقلص دور الله فيه إلى فكرة ناتجة عن العقل الإنساني"[26]. ولقد تم الفصل بين الأخلاق والدين. فالأخلاق الكانطية ذات نزعة إنسانية عميقة، فهي بالتالي نزعة إنسانية غير ميتافيزيقية، يصبح فيها الله مجرد مسلمة من مسلمات العقل العملي.  ويؤسس كانط لميتافيزيقا محايثة، ومن هنا عنوان كتابيه: "لكل ميتافيزيقا مستقبلية تريد أن تكون علما" و " أسس ميتافيزيقا الأخلاق".

وبالنسبة لــ: هيجل فإنه سيرسخ بدوه هذه المكتسبات التنويرية، مستدركا على مستوى نظرية المعرفة شروطا جديدة منها تنم على تطور وإلمام بكافة الشروط المنتجة للمعرفة، وذلك بالتركيز على تغييرين أساسيين:

أولا: الاعتماد على المنطق لا على الرياضيات، لذلك يقول أن: " استعمال المقولات الرياضية من أجل تحديد المنهج أو من أجل مضمون العلوم الفلسفية، يعني اللجوء إلى إجراء سخيف ... يجب على الفلسفة أن تستعير عناصرها من المنطق، وليس من الرياضيات"[27].  لأنه إذا كانت الرياضيات تملك سلطة، فإن هذه السلطة لا تؤهلها للقيام بالفحص المتعقل والمنعكس.

ثانيا: الاعتماد على الجدل والتناقض، لأنه  إذا كان البحث عن الشيء في ذاته يقودنا إلى التناقض دائما، فلماذا يجب أن نستنتج من ذلك عجز العقل، بدلا من اعتبار التناقض واللامعقول هما الجوهر النهائي للأشياء؟ 

والحرية عند هيجل تبقى مرهونة بسلطة الدولة، حيث يطرح مفهوم ”حيلة العقل“ فيما يخص علاقة الدولة بالمجتمع المدني، " ففي حين يقدم الدولة كعالم من الحرية، فإنه في المقابل يصف المجتمع المدني بعالم الضرورة، ولكن هذه الضرورة ستتمكن من أن تفرض نفسها من خلال وهم الحرية"[28]. كما و" يبقى همه الأساسي هو تهديم الأساس الأخلاقي للحق لأنه سبب الفصل بين الوجودl’être  والوجود كما يجب Le devoir –être...وهذا ما جعله يثمن وجهة نظر المجتمع المدني المرتبط بالعمل والمتميز عن الدولة. وقد جعل من واجب الدولة إعادة تأسيس الوحدة وإعطاء أساس سياسي بروح مصلحة وإصلاحيةRéformiste et réformateur ، وهو بذلك يستغل مكتسبات الثورة الفرنسية، ولكن يقتصد فيها بجعلها غير ممكنة في المستقبل"[29].  وعلى العموم يظل " النسق الفلسفي الكلي يتكون أولا من المنطق (الوجود - العدم)، وثانيا من فلسفة الطبيعة (المطلق في الطبيعة مجرد مظهر وموت) وثالثا من فلسفة الفكر ( المطلق في الفكر هو التجلي والحياة)"[30].

 

هناك إذا شروط تاريخية عامة، مرتبطة بالفلسفة اليونانية وبـ "الغنوصية" وبالمسيحية، وأخرى خاصة بالاختيارات الحضارية المتميزة ، قد أسهمت في انبثاق فكر مثالي قوي عند المفكرين الألمان من غير أن تكون المثالية هي التوجه الوحيد لديهم، لأنه وكما هو الحال بالنسبة لليونانيين فقد حصل سوء فهم لطبيعة التفاعل بين التيارات والمذاهب المتعددة، والتي في رأي هيدجر كانت تتعايش فيما بينها بشكل جيد، وإذا كانت " كل نزعة أفلاطونية تفرق في أيامنا هذه بين الواقعي والمثالي، إلا أن العلاقة بين هذين الحدين تبقى غير موضحة. وواقعة كون هذه العلاقة غير موضحة يجب أن يدفعنا إلى التفكير في الفلسفة. ألا يمكن أن تكون الفرضيات الأولى قد طرحت بطريقة غير جدية؟"[31]. ولا يمكن التأكد من ذلك إلا من خلال إدراك جوهر الفكر الألماني وطريقة عمله.        

  2. جوهر الفكر الألماني:

يقول نيتشه واصفا طبيعة وجوهر الفكر الألماني: " إذا كانت لنا الإرادة والجرأة على بناء هندسة معمارية متطابقة مع روحنا (نحن جبناء جدا من اجل ذلك!)، فإن المتاهة يجب أن تكون نموذجنا"[32]. إن هذا التشخيص يؤكد لنا من جديد الاختلاف الموجود بين الفكر الفرنسي الذي يسعى نحو الوضوح، والفكر الألماني المدرك أن إشكاليات الفكر والحياة معقدة، ولا يمكن الإجابة عليها في كل الأحوال بوضوح،  ويعترف ليبنتز صراحة أن: " القدر La prédestination في اللاهوت... وتكوين المتصل Continuum  في الفلسفة، هما بالفعل متاهتان...ولكن الباحثين لم ينفوا بتاتا إمكانية إيجاد خيط مرشد داخلهما، وأنهم اعترفوا بالصعوبة، ولكنهم لم يحولوا الصعب إلى مستحيل"[33]. كما أن  " المثال المنطقي سيكون بالضرورة إقصاء لكل الوقائع الاحتمالية الجائزة لصالح الضرورة والعقل، أي القول أن المركز النظري سيأخذ هيئة المتاهة الدائرية...إن روح المنهج تتضح غالبا باستعارة المتاهة والقصر، التي لا نجد أنفسنا فيهما إلا بمساعدة خيط آريان"[34].  وقد تنبه ديفيد سمارد David Simard في مقاله المعنون بـ: " كانط أو المحاولة الفاشلة لإنقاذ المثالية"[35]، إلى أن هذا الأخير يلجأ إلى ما سماه بـالدوران الفكري Une pirouette intellectuelle عندما يتعرض للطبيعة مثلا، فهي كما يمكن أن نفكر فيها (نقد ملكة الحكم- بعد ميتافيزيقي) طبيعة مبدعة، خالقة ولها قصدية وغائية  Nature naturante. هذا النوع من الطبيعة ليس موجودا، ولكن لا بد أن نعمل "كما لو كان كذلك" / "Comme ci". ويصفه كذلك بالمكر فهو لا يقول أن الله و الروح موجودان، ولكن لا بد أن نسلك كما لو كانا كذلك.  وبالنسبة لــ:  هيجل، يقول كارسنتي: " أتخيل أن هيجل لمس المطلق عندما كان شابا، فاعتقد أنه أصبح مجنونا...وفي النهاية وصل إلى الرضا، فأدار دهره للمطلق، فمات الخشوع لديه"[36] . ولقد توصل الفيلسوف العربي عبد الرحمن بدوي إلى نفس النتيجة في مؤلفه حول ”شوبنهور“. يقول: " وكان خليقا به أن يفكر الحرية بصرامة، بدلا من هذا الالتواء الذي لم يغن شيئا. إذن لما تورط في هذا التناقض..."[37]

بالإضافة إلى الصعوبات التي يطرحها هذا الدوران/اللاوضوح، هناك دلالات مهمة يمكن استخلاصها منه، وهي:

1. صعوبة الحكم على القضايا حكما جازما وتعقد الإشكاليات.

2. الموقف الفلسفي قابل للتغير والتطور.

3. الفكر الألماني ليس حبيس مذهب بعينه، فهو يوظف عددا كبيرا من المذاهب، ما جعل هيجل لاحقا يربط الحقيقة بالكل.

ولكن قراءة المفكرين الفرنسيين للفكر الألماني، كانت قراءة إيديولوجية، فمند الانتقادات الأولى حاول الفرنسيون معارضة مفكر ألماني بمفكر ألماني أخر، كما فعل لبر A. Lebre  سنة 1843 ، حيث أن ألمانيا في نظره زعزعت الإيمان، وقد أكمل هيجل ما بدأه كانط، في حين أن المسيحية قد أعلنت عن إلـــه شهيد. ولكن يعود الفضل لـ: شلنج الذي أعاد نفحة الإيمان، عندما اعتبر أن إله الوعي الكوني هو إله شخصي وحر، وحرية الإنسان تتماشى مع كون الله مشخصا، لذلك لا يجب أن نترك العقل وحده يستحوذ على كل فكرنا، فالله بما أنه متميز و ليس فقط موجودا عاما، لا يمكن أن يدرك بالعقل، الذي لا يعرف منه إلا ما هو لا شخصي[38]. وقد صار مجمل الفكر الألماني تعبير عما يسمى بــ   "البؤس الألماني"، ويعترف دولوز في دروسه حول ليبنتز[39] بأن فلسفة هذا الأخير هي بالدرجة الأولى عقلانية، وأنه فيلسوف النظام، ومن هذا المنطلق يعرفنا بحقيقة مفادها أن ليبنتز "رجعي" Réactionnaire. و في حواره مع جنات كلومبال Jeannette Colombel  يقول: " يظهر لي أنه من المسموح به استخلاص بعض الخصوصيات Les singularités بالنسبة لفلسفة محافظة...ولكن لما لا أفعل هذا مع هيجل؟ لأنه لا بد على أحد ما من أن يلعب دور الخائن"[40].  وقد لجأ دولوز إلى نيتشه من أجل دحض الديالكتيك الهيجلي، لأن دولوز يركز على الاختلاف، لدى يعتبر الديالكتيك مجرد "سيمولاكر" Simulacre يكرس الوضع الراهن. وبتركيز هيجل على النفي والعدم، فقد كان سببا في ظهور العدمية (انتصار القوى الرجعية) التي انتشرت في ألمانيا، والتي كان نيتشه من محاربيها. إن الاختلاف الهيجلي وفق هذه القراءة اختلاف مجرد، لا يعترف بالاختلاف الأنتروبولوجي، "فليس لأن الوجود ينفى يوجد إذا اختلاف، ولكن لأن هناك اختلاف يمكن للوجود أن ينفى"[41].   إن هذه "الرجعية" هي التي ستشكل فيما بعد ما أطلق عليه أوستاش كوفيلاكيس Eustache  Kouvélakis و لوسيان كالفي Lucien Calvié وكذا فرانسوا جونتون François Genton بـ: "البؤس الألماني"[42].  وهذا ما شرحه ماركس في دراسته لـ كانط مبينا خوف الألمان من الفعل السياسي، ما يعكس عجزهم وبؤسهم، ويعتبر كانط الممثل للإرادة الخيرة والمدافع عن البرجوازية، نموذجا مثاليا لذلك البؤس[43].

وفيما يخص الدروس التي خصها ألكسندر كوجيف لــ : "فينومينولوجيا الروح"، فإنه يعترف هو الآخر قائلا: " إن عملي ليس له خصوصية الدراسة التاريخية، لم يكن يهمني أن أعرف ما أراد هيجل قوله في كتابه...أن درسي كان عمل دعائياUne œuvre de propagande   موجه لصعق العقول"[44]. ومن هنا يتضح أن القراءات الفرنسية للفكر الألماني ليست قراءات علمية وموضوعية.. وقد حاول برنارد بورجوا تصحيح هذا الوضع لاحقا، ففي نظره يمكن النظر إلى الفلسفة الألمانية الحديثة من زاويتين:

أ‌-                  الفكر الألماني يحوي تناقضا وصراعا بين مفكريه، كما هو الحال بين هيجل وكانط ، حيث أن  الإيمان في نظر كانط يمثل نهاية الفلسفة، والمسيح ليس إلا إنسانا مؤلها، فهو يقف موقف الأنتروبولوجي الجغرافي البراغماتي، ولا يعطي للعادات والانفعالات دورا إيجابيا، تماشيا مع جوهر الأنوار الرافض للتقليد، وللماضي وللتاريخ. ويتبين بالتالي أن" الأنتروبولوجيا الكانطية، والأنتروبولوجيا الهيجلية أنتروبولوجيتان عقلانيتان، ولكن أحدهما مؤسسة على إثبات العقل المناضل، والأخرى على إثبات العقل المنتصر"[45].

ويؤسس كانط الفلسفة السياسية للفهم، والقائمة على الاعتقاد أن إثبات الحرية الإنسانية في الفرد هو ما يحقق الدولة، ولقد حاول أن يغير السياسة بالأخلاق، لأن المطلب الأخلاقي عقلاني ومثالي، أما الواقع السياسي فهو غير عقلاني، لأنه انعكاس لما هو كائن. بهذا الشكل يصبح المثالي عقلانيا، والواقعي لا عقلانيا.  والنتيجة أنه أسس لفهم واع بمحدوديته وبسلبيته، ما لم يؤهله للثورة.

أما هيجل فقد وضع أنتروبولوجيا تاريخية بإعطاء العادات والانفعالات دورا إيجابيا، وبالارتكاز على التاريخ يكتسب الإنسان مشروعية كاملة ويتشبع بالروح المطلق. إن وجود المواطن (الواجبات) يضمن وجود الإنسان (الحرية)، أي أن الإنسان لا يمكن أن يكون إنسانا إلا إذا كان مواطنا (حق الدولة يؤسس حق المواطن)، وهذه الاعتبارات تؤسس الفلسفة السياسية للعقل، ومهمة الفلسفة هي التفكير فيما هو موجود، وما هو موجود يمثل العقل، ولأن الواقع السياسي موجود فهو يمثل العقل.

   ب. ولكن الفكر الألماني يعبر أيضا عن التعاون و التكامل بين مفكريه، فرغم هذا الاختلاف و التنافر، فإن الكانطية والهيجلية هما فلسفتان للحرية، وقد عملا على التوحيد بين الحسي والعقلي، " فالهيجلية تستكمل الحركة التي بدأها كانط، أي حركة مصالحة الحرية المطالب بها في حقوق الإنسان، مع الضرورة التاريخية المؤدية إلى تطور الدولة. وهذه المصالحة تمر هنا كذلك عبر إدانة تحقيق حقوق الإنسان عن طريق الثورة"[46] .

إن النظرة الواقعية للحرية تجد تبريرا أقوى من حيث أن الفلسفة الألمانية تضحي بالفرد لصالح المنفعة الجماعية، فلقد أرادت الثورة الفرنسية أن تمنح الحرية والمساواة للجميع، ولكن في ألمانيا " فقد كان الأمر دائما متعلق بحكم جمهوري- ملكي أو ملكي - جمهوري كما هو الشأن عند كانط  وهيجل"[47].      

إن القراءة العلمية والموضوعية التي يقترحها بورجوا حول الفكر الألماني تتحول إلى مجرد قراءة ذاتية في المبحث الأخير الذي خصه لدراسة حضور النص الديكارتي في الكتابات الفلسفة الألمانية. كما أنه يعتبر أن ما توصلت إليه الفلسفة الحديثة مكافئ لما هو موجود في المسيحية التي مهدت لها الفلسفة اليونانية القديمة، من حيث أن " تأثيران أساسيان أثرا على الفلسفة الألمانية، فهناك تأثير ديكارت في لحظته النظرية، ثم تأثير روسو في لحظته العملية"[48]، بمعنى أن الفلسفة الألمانية هي انعكاس للفلسفة الفرنسية ثم إن " الفلسفة لا تفعل إلا أن تحكي قصة المجتمع الكوني (الإلهي) المتفرد والتفردات (الإنسانية) المعممة"[49]. أي أن الفلسفة الأوروبية تستمد مبادئها من المعتقدات المسيحية التي تركز على مرحلتين جدليتين مؤسستين للإيمان هما: مرحلة حلول وتجسد الكلي (الله – الروح – الفكرة–المفهوم...) في الفردي والشخصي والحسي، ثم مرحلة تحول هذا الفردي إلى كلي. وبذلك تتماهى الفلسفة الفرنسية مع الفلسفة الألمانية في وحدة عجيبة، تزيل عن كل منهما خصوصياتها وتفرداتها. ولكن المبدأ نفسه ليس غريبا عن المجتمعات الأخرى، ففي التصدير العام لمؤلف الدكتور عبد الرحمن بدوي حول " الإنسان الكامل في الإسلام" يتطرق إلى ذاك المبدأ قائلا: " بين تأليه الإنسانية وتأنيس الألوهية، سعت فكرة الإنسان الكامل في الحضارة الإسلامية، حتى تعبر هوة اللانهاية بين المخلوق والخالق...أفما آن لنا اليوم، معشر صحبي، أن نستنبط العبرة كل العبرة من تطور تلك الفكرة؟" [50]. ومن ثم يظهر لنا أن المصالحة التي أقامها بورجوا بين الفكر الفرنسي والألماني، مصالحة مصطنعة، فيها تعميم الغرض من ورائه سلب الفكر الأماني تميزه وتفرده في الإجابة على إشكاليات الحياة، سواء كانت الإجابة فلسفية أو أدبية أو فنية.    

الخلاصة:

هناك إشكالية أساسية وجهت بحثنا، وهي المتعلقة بسبب تصنيف الفكر الألماني على أنه فكر مثالي، على خلاف الفكر الفرنسي المصنف على أنه سياسي، والفكر الإنجليزي المصنف على أنه اقتصادي. ولقد انطلقنا في البداية من مجموعة من الفرضيات، التي يمكن أن تفسر سبب انتشار النزعة المثالية من منتصف القرن 17 إلى منتصف القرن 19، ومن هذه الفرضيات أن الألمان كانوا مثاليين إما بسبب:

- تأثرهم بالفلسفة اليونانية.

- أو تأثرهم بالدين المسيحي.

- وإما لأن القراءات والتأويلات، وخاصة الفرنسية منها، هي التي صنفتهم ضمن هذا الاتجاه.

وتوصلنا إلى أن الفكر الألماني مرتبط بالفرضيات السابقة كلها، من غير أن يعني ذلك أننا أمام فكر مفصل عن الواقع، فمثله مثل باقي الفلسفات الأخرى كان يطمح إلى المشاركة في عصر الأنوار، انطلاقا من خصوصياته الحضارية. ومن خلال بحثنا ظهر لنا أن الميتافيزيقا واليوتوبيا والدين لهم تأثير كبير على تشكل ذلك الفكر.

وقد تبين لنا أن تأثر الفلسفة الألمانية بالفلسفة اليونانية، راجع إلى غنى وثراء مضمون وإشكالات هذه الأخيرة، لأنها تمكنت من التنظير لعدد كبير من التيارات والاتجاهات، فالمادية ظهرت مع ديمقريطس، والمثالية مع أفلاطون، والتجريبية مع أرسطو، والنفعية مع أبيقور، والروحية مع أفلوطين، كما أنها سعت إلى الارتقاء بالإنسان إلى جنس الآلهة. وتنوعها سمح للفكر الأوربي الحديث أن يجد الإجابات التي يحتاج إليها، بالرجوع إلى الفكر اليوناني، فالفرنسيون أحذوا منه عقلانيتهم، والألمان مثاليتهم، والإنجليز تجريبيتهم، فأمكن لكل ثقافة أن تطور، وبالارتكاز على ذلك الإرث المذاهب الفكرية التي تتوافق مع روح العصر وروح الشعب.

ولكن العودة لهذا الفكر يمكن أن يفسر بطريقة أخرى، من حيث أن له القدرة على المصالحة بين التيارات المتناقضة، فقد عرف كيف يخرج من التفكير الأسطوري إلى التفكير العقلاني، من غير أن يتوقف عن توظيف الأسطورة، وعرف كيف يحافظ على المذاهب المختلفة. وهذا ما لمسناه في الفكر الألماني الذي رغم عقلانيته وصرامة أنساقه، إلا أنه فكر منفتح على الأسطورة وعلى الدين، ما مكنه من فهم الواقع عموما، والتاريخ خصوصا. وإن "الثورة البلشفية" باعتبارها أهم حركة تغيرية بعد الثورة الفرنسية، كانت بتأثير من ماركس، الذي استفاد من الإرث الألماني، وخاصة من فيورباخ وهيجل وكانط، ما يدل على أن صفة المثالية الملحقة بهم، لا تعبر حقيقة عن مضمون الفكر الذي لم يتوجه إلى طلب المعرفة لذاتها.           

وإن الدين أيقض حماس المفكرين الألمان، عندما اعتبر أن المملكة الإلهية يمكن أن تتحقق في الحاضر، مع تفاوت شدة تأثيره من فيلسوف لآخر. فهناك الموقف الظواهري الموجودة بوضوح عند كل من ليبنتز وهيجل، كما هناك الموقف الذي ينزع القداسة عن الدين وعن الله، كما هو الحال عند كانط أو نيتشه أو ماركس أو فيورباخ. ومن الصعب القول إذا أن الفلسفة الألمانية هي فلسفة مسيحية تقليدية، ولكن يمكن القول أنها فلسفة مسيحية جديدة، لأنها تتبنى مذهبا دينيا جديدا هو المذهب البروتستانتي، على خلاف الفلسفة الفرنسية التي حافظت على المذهب الكاثوليكي التقليدي.

وباعتبار أن ليبنتز قريب زمنيا من الإصلاح اللوثري كحدث تاريخي مهم، فقد عمل على المزاوجة في فلسفته بين المعتقدات الدينية، وبين ما أسفر عنه الإصلاح من حيث أنه دفاع عن حرية الفكر، لذلك نلمس تأكيده على ضرورة المصالحة بين الدين والعقل.

أما بالنسبة لكانط، فباعتبار أن هناك مدة زمنية تقدر بقرنين تفصله عن الإصلاح، ووجوده في عصر التنوير، كحركة فكرية تعمل على جعل الإنسان حرا ومستقلا عن التقاليد. فإن ذلك لم يلزمه بالتوفيق بين الدين والعقل، بل عمل على جعل الإرادة والعقل والطبيعة شروطا أساسية لتأسيس للأخلاق وفهم التاريخ، ويبقى الدين متوجا لتلك الفعاليات الحرة والعاقلة، وليس المحرك لها.

أما بالنسبة لـ: هيجل، فلم يعايش الثورة الفرنسية فحسب، بل أدرك مآلها ونهايتها، ومن المفارقة أن تنتج الثورة إمبراطورية بدل أن تنتج ديمقراطية. وبدل أن يكون هذا الحدث التاريخي عامل استقرار، ومحفز على السلام، فقد تولدت منه رغبة في السيطرة والهيمنة، لم تنجح لا في توحيد أوروبا ولا في إزالة الفوضى عنها. وإن الإرادة الجماعية لوحدها ليست عامل مصالحة، فمصدر الخلاص في نظره يبقى مرهونا بفهمنا للدين بطريقة عميقة تتوافق مع المقصد المسيحي الحقيقي، الذي لم يفهمه المسيحيون جيدا. ما جعلهم ينهكون أنفسهم في التعالي إلى الله، بعد محايثتة هذا الأخير للوجود الإنساني. وإن فهم هذه "المحايثة" يشكل أساس المصالحة بين الهنا الأرضي والهنالك، وأساس بلوغ الوعي السعيد، وفق رؤية جديدة تركز على وحدة الوجود، التي تنفي أي وجود للإله الشخصي. ما يفسر انتقاد هيجل لـ: كانط، و تأثره بـ: لوثر وليبنتز لأن كلاهما أراد أن يقرب الإنسان من الله، وذلك بإدراك أن هناك علاقة بين الحكمة والجنون، والإقرار بإمكانية ارتقاء الإنسان إلى وضعية حضارية أفضل.

وبالتالي فإذا كانت الفلسفة الألمانية الحديثة امتداد للفكر اليوناني، فإن في هذا الأخير ما يؤدي إلى المصالحة بين الفكر والواقع وبين المعقول واللامعقول، وإن كانت امتدادا للمسيحية، فهي هذه الأخيرة أيضا شروط للتوفيق بين الهنا والهنالك أو بين الحسي والغيبي. أما إن كانت نابعة من روح العصر، فإن عصرها محكوم برهانات اجتماعية وسياسية توجب على الفيلسوف أن يكون عمليا أو براغماتيا. وهذا ما يفسر أن الباحث بارنارد بورجوا يصف كل من فلسفة كانط وهيجل بأنهما فلسفتان براغماتيتان، ولا يتعامل معهما على أساس أنهما مثاليتان، أو منفصلتان عن الواقع. ومنه فإن مفهوم المثالية لوحده غير كاف للتعبير عن حقيقة ومضمون الفلسفة الألمانية، التي كانت تشتغل في اللا-وضوح واللامعقول والجنون والمتاهة والرومانسية، ولكنها أيضا كانت تشتغل داخل الأنساق العقلانية الصارمة، والمنصتة للتاريخ وللعلم.

والتنوير الألماني يبقى في جوهره مختلفا تماما عن التنوير الفرنسي، سواء من حيث فلسفة التاريخ، أو من حيث الفهم الوضعي لحقوق الإنسان، أو طريقة التفكير في علاقة الإنسان بالله. وهو ينظر للدولة نظرة إيجابية، ويرهن مصير الفرد بمصير النوع الإنساني، الذي لا يمكنه أن يبلغ غاياته إلا بطريقة تدريجية. ما يجعل من الثورة، والعقد الاجتماعي، والإرادة الجماعية، والحرية الفردية شعارات فارغة من المعنى. وأن عدم انتشار الفكر التنويري الألماني مرتبط من جهة بطبيعة ألمانيا التي لم تكن لها عاصمة واحدة تستقطب عددا كبيرا من السكان، من أجل ترسيخ أفكارها وتطلعاتها. ومن جهة ثانية مرتبط بعدم التوافق وعدم الانسجام بين الفكر والسياسة، فالتطلعات السياسية لألمانيا الباحثة عن التوسع لم تكلل بالنجاح، في حين أن الفكر كان يعرف تطورا مستمرا بفضل القراءة المتواصلة لتراثه الخاص ولتراث غيره، وبفضل إستراتيجية الطبع التي سمحت بتداول الكتاب وانتشاره بسرعة. وهذا راجع إلى الاعتماد على نموذجين متناقضين، هما النموذج اليوناني (الفكر، الطبيعة، المرح، الحرية) والنموذج الروماني (الدولة، السياسة، القوة، الضرورة).

ويبقى بحثنا محتاج إلى مزيد من التوسع والتعمق في الفكر الألماني، وكذلك إلى مزيد من الوقت للانفتاح على المشاريع الفكرية العربية التي تستلهم من التراث الألماني ما يتوافق مع قيمنا الحضارية.

وفي الأخير يمكن أن نستخلص ثلاث نتائج رئيسية من بحثنا وهي:  

                  إن الفكر الألماني على العموم يفكر بالمفهوم و يجتهد في إنتاجه و توظيفه في جميع المجالات، ومن هنا فهو يواصل ما بدأه اليونانيون. ولكن المفكرون الألمان يرون بأن الحقيقة لا تكمن في عالم مثالي منفصل، بل هي مرهونة بمدى قدرة الإنسان على تأمل شروط وجوده. كما تبقى المصالحة بين قطاعات الوجود المختلفة مبدأ أساسيا، وخاصة عند ليبنتز وكانط وهيجل.

                  إن إلحاق المثالية بالفكر الألماني بالذات ناتج عن رد فعل فرنسي لم يكن ليرض بالمشروع الفلسفي الألماني الذي نعته بـالبؤس وبالجمود، إيهاما بأن هذا الفكر بعيد عن الواقع (الاجتماعي والسياسي) وغير قادر على تغييره. وكل ما في الأمر أن استراتيجيات التغيير كانت متباينة، فكانت تعتمد إما على رؤية إصلاحية وتركز على إحداث ثورة فكرية وجمالية (الحرية الفكرية)، وإما أنها كانت تقوم على رؤية ثورية سياسية (الحرية السياسية).

                  وبالتالي فإذا كانت الفلسفة الألمانية الحديثة امتداد للفكر اليوناني، فإن في هذا الأخير ما يؤدي إلى المصالحة بين الفكر والواقع وبين المعقول واللامعقول، وإن كانت امتدادا للمسيحية، ففي هذه الأخيرة أيضا شروط للتوفيق بين الهنا والهنالك أو بين الحسي والغيبي. أما إن كانت نابعة من روح العصر، فإن عصرها محكوم برهانات اجتماعية وسياسية توجب على الفيلسوف أن يكون عمليا أو براغماتيا. وهذا ما يفسر أن الباحث برنارد بورجوا يصف كل من فلسفة كانط وهيجل بأنهما فلسفتان براغماتيتان، ولا يتعامل معهما على أساس أنهما مثاليتان، أو منفصلتان عن الواقع. ومنه فإن مفهوم المثالية لوحده غير كاف للتعبير عن حقيقة ومضمون الفلسفة الألمانية، التي كانت تشتغل في اللاوضوح واللامعقول والجنون والمتاهة والرومانسية، ولكنها أيضا كانت تشتغل داخل الأنساق العقلانية الصارمة، والمنصتة للتاريخ وللعلم.


 

 

 

 

الإحالات:

 

[1] يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي: " أول مشكلة يواجهها الباحث في فلسفة الحق والقانون عند هيجل تتعلق بالمصطلحات...فعلى الرغم من وجود لفظين مختلفين للدلالة على المعنيين المذكورين [الحق - القانون]، فقد أصر رجال القانون على ممارسة هذا التشويش". من كتاب "فلسفة القانون والسياسة عند هيجل" دار الشروق- ط1، 1996. ص 7.

[2] Lalande  André- Vocabulaire technique et critique de la philosophie- PUF, 9ème édition 1962, p 436.

[3] Ibid, p 437.

[4] Dictionnaire Quillet de la langue française (D¨J), Idéalisme-  Librairie Aristide Quillet, 1975.

[5] Largeault Jean – Idéalisme -  Encyclopaedia Universalis (corpus 11), France 1996, p 889.

[6] Lardic Jean –Marie – Les figures de l'idéalisme – Eclipses (Paris) 1998, pp 109, 110.

[7] Lalande, Vocabulaire technique. Op.cit, p 439.

[8] Marc Kauffman- Sentiment religieux et monde naïf chez Schelling, Holderlin et Hegel- Revue Littéraire et Artistique (Temporel), 9 mars 2007.

[9]  لالاند أندريه – موسوعة لالاند الفلسفية: المجلد الثاني- ترجمة خليل أحمد خليل. تعهده وأشرف عليه أحمد عويدات. منشورات عويدات ( بيروت- باريس) ط2، 2001. ص 797.

[10] Heidegger Martin – Concepts fondamentaux de la philosophie Antique – Traduit de l'allemand  par: Alain Boutot, éditions Gallimard. 2003 pour la traduction française, p 111.

[11] Puech Henri – Charles – En quête de Gnose, la gnose et le temps (1) – Edition Gallimard. 1978, p 185.

[12] Dupré Louis - Mystique et pensée chrétienne- Encyclopédie philosophique universelle (l’univers philosophique)- Volume dirigé par André Jacob, Préface de Paul Ricœur. 1ère édition  fevrier1989, 3ème édition 1997. PUF, p 64.  

[13] Rouche Michel- Les racines de l’Europe, les sociétés du haut moyen age (568-888)- Fayard, 2003, p 19.

[14] Buhler Pierre – Luther Martin – Encyclopaedia Universalis (corpus14- L¨m) Paris 1996, p 117.

[15] F. Nietzsche -  La volonté de puissance, tome1- Texte établi par Friedrich Wurzbach, traduit de l’allemand par Geneviève Bianquis. Tel Gallimard 1995, pp 179, 180.

[16] Guy Hermet - Histoire des nations et du nationalisme en Europe- Editions du Seuil, janvier 1996, p 122.

[17] Marc Kauffman- Sentiment religieux et monde naïf chez Schelling, Holderlin et Hegel- Revue littéraire et artistique (Temporel), 9 mars 2007.

[18] F. Passoa (Dactylographie).

[19] Costabel Pierre - Leibniz et la dynamique en 1692, textes et commentaires- J. Vrin 1981

[20] Leibniz -  Essai de théodicée, sur la bonté de dieu, la liberté de l’homme et l’origine du mal. Suivi de la monadologie - Préface et notes de Jaques Jalabert, professeur de la faculté des lettres de Grenoble,  Aubier, éditions montaigne. 1962, p  418.

[21] Leibniz - Discours de métaphysique et correspondance avec Arnauld – Introduction, texte et commentaire par: Georges le Ray .5ème édition (Paris) librairie Philosophique J. Vrin 1988, p 48.

[22] Alcantara Jean- Pascal – Sur le second labyrinthe de Leibniz, Mécanisme et continuité au 17ème siècle- L'Harmattan, 2003, pp 65, 66.

[23] Cassirer Ernest-  Essai sur l'homme – Traduit de l'anglais par: Norbert Massa, les éditions Minuit (Paris) 1975, p86.

[24] Kant – Critique de la raison pratique- Edition publiée sous la direction de Ferdinand Alquié, Traduit de l'allemand par: Luc Ferry et Heinz Wiseman, Gallimard 1985, pp 148, 149.

[25] Besse Jean- Marc – La philosophie et la géographie- encyclopédie philosophique universel (le discours philosophique/ dictionnaire 4) volume dirigé par: Jean François Mattéi. PUF. 1re édition novembre 1998,  p 2555.

[26] Ewald François – Kant, penseur de la modernité - Magazine Littéraire Nº 309 (Kant et la modernité), avril 1993, pp 19, 20.

[27] Hegel - Logique de l'être, Tome 2 -  Edition Montaigne, Aubier (Paris) 2ème trimestre 1969, p 234.

[28] Lefebvre Jean-Pierre et Pierre Macherey – Hegel et la société- PUF, 1984, p 27.

[29] Jacques Guilhaumou -  Revue critique "Philosophie et Révolution française", Recensions, Révolution Française.net, mis en ligne le 25 décembre 2005, mis à jour le 6 août 2007, URL:http://revolution-francaise.net/2005/12/25/12-philosophie-allemande-et-revolution-francaise.

[30] Christophe Litwin- Hegel : concevoir la mort dans l’absolu – Séance 1 (1) du 27 mars 2003- WEB : Christophe. Litwin. 9 on-line. Fr/seance 10web.htm-22ok.

[31] Heidegger, Concepts fondamentaux de la philosophie antique. Op.cit, p 242.

[32] Nietzsche - Aurore (pensées sur les préjugés moraux)- Textes et variantes établis par: Giorgio Colli et Mazzino Montinari. Traduits de l'allemand par julien Hervier, préface de julien Hervier; Gallimard 1970 pour la traduction française, 1980 pour la présente édition et 1989 pour la préface, p 134.

[33] Leibniz - Essai de théodicée, sur la bonté de dieu, la liberté de l’homme et l’origine du mal. Suivi de la monadologie - Préface et notes de Jaques Jalabert, professeur de la faculté des lettres de Grenoble,  Aubier, éditions Montaigne. 1962, p 68.

[34] Clément Catherine –Leibniz (Gottfried Wilhelm)- Encyclopaedia Universalis (corpus 13 / J¨L), Paris 1996, p 589.

[35] David Simard -   Kant ou la tentative échouée de sauver l’idéalisme- Res Publica, N° 17, 1er trimestre 1998.

[36] Karsenti Bruno – Batail anti-hégélien - Magazine Littéraire, Nº 293. Novembre 1991, p 55

  [37]  بدوي عبد الرحمن – شوبنهور – وكالة المطبوعات (الكويت)، دار القلم (بيروت- لبنان). ص 284.

[38] A. Lebre - Crise actuelle de la philosophie allemande - Revue des deux Mondes, tome 1, 1843.

[39] http//www.webdeleuze.com/php/acceuil.html. Deleuze/Leibniz, Cours Vincennes-15/04/1980.

[40] Reproduit dans l’Ile déserte et autres textes. Textes et entretiens 1953-1974, Paris, Minuit, 2002.

[41] Olivier Tinland- Portrait de Nietzsche en anti-hégélien- Revue Klesis, 2007.

[42] Jacques Guilhaumou,  Revue critique "Philosophie et Révolution française". Op.cit.

[43] El Hadj Ibrahima Diop- Eléments de la philosophie kantienne dans la poésie de Schiller et Holderlin. De la corrélation entre philosophie, poétique et politique en Allemagne en fin de siècle- Revue Ethiopiques nº 64-65 revue négro-africaine de la littérature et de la philosophie, 1er et 2ème semestre 2000, p 1.

[44] Lettre à Tran-Duc-thar du 7 Octobre 1948, citée in G.Jarezyk, P.-.Labarrière, De Kojève à Hegel : 150 ans de pensée hégélienne, Paris, Albin Michel, 1997, p.64-66.

[45] Bernard Bourgeois - L’idéalisme allemand (alternatives et progrès)- J. Vrin, 2000, p28.

[46] Ibid, p 176.

[47] Ibid, p 286.

[48] Ibid, p 253.

[49] Ibid, p 289.

 

[50]  بدوي عبد الرحمن- الإنسان الكامل في الإسلام- وكالة المطبوعات-الكويت، ط2 ماي 1976. ص 5.

مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 43: خريف 2009  - 7th Year, :July  Issue 43