مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 43: خريف 2009 - 7th Year, :July Issue 43
نظرية الانزياح : من شجاعة العربية إلى الوظيفة الشعرية
د. فتيحة كحلوش
جامعة فرحات عباس- سطيف- الجزائر
ملخص الدراسة :
تتناول هذه الدراسة ظاهرة الانزياح , كمعيار اتخذه بعض النقاد لتمييز اللغة الشعرية عن اللغة النثرية واللغة التواصلية, عندما تراجع المعيار الكلاسيكي ( الوزن والقافية ) , وتقدمت بدله خصائص أخرى يتكئ عليها الخطاب للتأكيد على شعريته . وإذا كان مصطلح الانزياح حديث النشأة فالظاهرة التي يدل عليها ليست بجديدة , فالانزياح لصيق بكل الخطابات المجازية بما فيها الخطاب القرآني , وقد اهتمت الشعرية العربية القديمة بخصوصيات هذه الظاهرة وإن عبرت عنها بمصطلحات أخرى تابعة للسياق الثقافي العام السائد آنذاك , مثل العدول والالتفات وشجاعة العربية ...إلخ. تحاول هذه الدراسة الإحاطة بجذور المصطلح في الثرات العربي , وتطوراته في الشعرية الغربية الحديثة , لتؤكد على المثاقفة الحاصلة بين الماضي النقدي العربي و الحاضر النقدي عند (الآخر) .
لقد ميز الدرس الغوي ومنذ دوسو سير Ferdinand de Saussure يبين اللغة والكلام langue/ parole إذ الأولى جماعية, والثاني فردي, والأولى عبارة عن قواعد من الوحدات اللغوية والتراكيب أي إنتاج " يسجله الفرد انفعاليا" (1) وهي في ذلك شبيهة بمخزن, بينما الثاني " فعل ذاتي يتوفر على الإرادة والذكاء"(2) وهو بذلك معرض دائم للتغيير.هكذا إذن تقوم اللغة كذاكرة ( وهي متسلطة وقاهرة) في مقابل الكلام كنشاط ( يتوفر دائما على فعالية الإبداع ويخلق لنفسه حرية ما ). ولعلنا نجد التمييز نفسه مع شومسكي N. chomesky في النحو التحويلي , إذ نلتقي بمصطلحين آخرين هما الكفاءة والأداء Competence / performance, والأولى مشتركة متشابهة والثاني فردي متمايز. وقد كان شومسكي يعول إلى حد كبير على " القوة الإبداعية Creativity أو القدرة غير المحدودة open-endednss للغة الإنسانية ويرى أن النظرية النحوية لا بد أن تعكس قدرة جميع المتكلمين بلغة ما على التحكم في إنتاج وفهم جمل لم يسمعوا بها فقط" (3) , ويتحقق ذلك عبر أنواع التحويلات المختلفة التي ينشئها المتكلم بلغة ما.
وتتعدد المصطلحات المعبرة عن ثنائية دوسو سبير و شومسكي, وتختلف باختلاف المنطلقات المنهجية للباحثين, فنجد غوستاف غيوم G.Guillaume, يستعمل مصطلحي اللغة / الخطاب Langue / discours ويستعمل ل. هالمسليف مصطلحي الجهاز/ النص /Systéme / texte بينما يستعمل رومان جاكبسون R.Jakobson مصطلحي النمط/ الرسالة Code/ message (4)
إذا تجاوزنا وصف اللغة كنظام عام يحكمه خيط التواطؤ والاتفاق إلى وصفها كنظام لتواصل آخر ( أو لا تواصل بالمفهوم الجمالي!) هو التواصل الأدبي نلتقي بثنائية أخرى قياسا إلى الثنائيات السابقة مع تعدد التسميات التي تشكل طرفي هذه الثنائية: اللغة/ الأسلوب, القاعدة / الشذوذ ( المعيار/ الإنزياح , وتلتقي هذه التسميات حول فرضية تخص لغة الأدب " وهذه الفرضية تطرح عادة تحت مصطلح عام هوالانحراف Ecart" (5), وتذهب إلى اعتبار اللغة الأدبية لغة خارجة عن القانون, منزاحة عن العرف, رافضة للسلطة, والنص الأدبي بذاك هو الابن العاق للمرجع اللغوي, أو ذاك " الفوضوي" الهارب من حراس حدود اللغة المبشر بجزيرة نحوية أخرى, فيتأسس تبعا لهذا " كحرية تكتسب ضد القيود المؤسساتية, و كاستقلال عن الأعراف اللغوية المتداولة"(6) وسنبدأ الآن بتعميق السؤال حول ذلك الاستقلال – الانزياح: كيف يتموضع هذا المصطلح ( الانزياح ) في الشعريات؟ ماهي أشكال العلائق التي تربطه بالمرجع؟ وهل ثمة سلطوية له مع ( أو على ) السلطة؟ والأهم في هذا كيف يحرر الشاعر الكلام – بواسطة الانزياح – من استبدادية المرجع اللغوي وينتقل به إلى حركية الإبداع؟ وقبل كل هذا كيف نضبط مفهوما دقيقا للانزياح؟
الانزياح مصطلحا ومفهوما:
الانزياح لغة: مصدر للفعل نزح " نزح الشئ ينزح, نزحا ونزوحا: بعد.و شيءنزح ونزوح: نازح, أنشد ثعلب:
إن المذلة منزل نزح عن دار قومك, فاتركي شتمي
ونزحت الدار فهي تنزح نزوحا إذا بعدت. وقوم منازيح, ... وبلد نازح, ووصل نازح بعيد...وقد نزح بفلان إذا بعد عن دياره غيبة بعيدة؟ وأنشد الأصميعي:
ومن ينزح به لا بد يوما يجيء به نعي أو بشير"(7)
ولا يختلف المعجم الوسيط, ولا القاموس المحيط عن " لسان العرب" في تأكيدهم على دلالة البعد " عند التعرض للفعل نزح الذي هو من عائلة " انزياح".
إذا ذهبنا إلى القاموس الموسوعي لاروس "Dixionnaire encyclopidique larousse "وبحثنا في مادة " Ecart" سنجد دقة أكبر في تحديد المصطلح, إذ أن الانزياح هو حركة عدول عن الطريق أوخط المسير. وإحداث الانزياح هو وضع مسافة, فاصل, اختلاف..."(8) هذا لغويا أما أدبيا فالإنزياح بالنسبة لقاموس لاروس هو " فعل الكلام الذي يبتعد عن القاعدة"(9) (Acte de parole qui s 'ecarte de la norme"
[1]لعلنا نلاحظ أن مختلف هذه المعاجم تركز على مسألة " الابتعاد عن ..." وهو الأمر الذي يجمع بين مختلف الإتجاهات النقدية التي اهتمت بهذا المفهوم , في اقترابها من " الشعري " في الخطابات , وسنجد في الشعرية الغربية الكثير من المصطلحات التي تقابل مصطلح الانزياح إذ نجده عند جون كوهين يتكرر بصيغتي " الانحراف " أو " الانتهاك " " ecart " أو " DEVIATION " وهو عند رولان بارث " LE SCaNDALE " أي الشناعة وهو عند تودروف "T.TOdORV " LA VIOLATIONdes normes " أي خرق السنن بينما يستعمل ميكائيل ريفاتير "M. REFFATERRE " عبارة " العدول عن النمط " (10) وقد أشار جون مولينو"Jean Molino"و ج.طامين"J. tamine" في كتابيهما "مدخل إلى تحليل الشعر" إلى كثير من المصطلحات التي عدت من عائلة "الانزياح" يقولان:
Enumerons quelques uns des termes qu ont été proposés pour decrire la poésie :ecart,deviation ,impertinence,etrangeté,anormalie,innovation, creativite
فكل هذه المصطلحات : الابتعاد ,الانحراف ,الانتهاك , الغرابة , اللامألوف , التجديد, الإبداع (11) تشكل عائلة لمصطلح الانزياح , وهي كما نرى مصطلحات خواص اقترحت لتمييز لغة الشعر , ونجد أنفسنا نميل إلى استعمال مصطلح "الانزياح " ذلك أن معظم المصطلحات السابقة الذكر تحمل طابعا أخلاقيا (12) وسلطويا مما يجعلها تبتعد عن طبيعة الحقل الأدبي – النقدي , وتبقى بذلك صالحة فقط لممارسة السلطة الأخلاقية – الاجتماعية .
أثناء الانتقال من تحديد مصطلح الانزياح – في تداخلاته المختلفة مع مصطلحات أخرى وإيحائه بدلالة الخروج عن العادة– إلى تقصي دلالته في التنظير التقدي , نجد أن هناك مفهوما عاما ينتظم مختلف الدراسات التي تناولت مسألة الانزياح مؤداه أن هذا الأخير هو انحراف الكلام عن النظام العادي والابتعاد عن السنن التي يجري و فقها الاستعمال اليومي للغة (13) فإذا كنا في خطابتنا الجارية ذات الوظيفة التواصلية المحدودة نستعمل الدوال بمدلولاتها المتعارف عليها خاضعين لسلطة المرجع , كما يضيق بنا حيز الاختيارات التركيبية , فالذي يحدث في الخطاب الشعري والأدبي بصفة عامة هو فتح باب الحرية " الانتقائية " أمام المرسل , وبهذا لا تتهدم فقط العلاقة الآلية القائمة سلفا بين الإشارة اللغوية ومفهومها بل تنتهك أيضا " مثالية " بنية المتوالية لذا نصادف في الواقع مستويين من التشكيل اللغوي :
- المستوى العادي : ويتجلى في هيمنة الوظيفة الابلاغية على أساليب الخطاب .
* المستوى الإبداعي: وهو الذي "يخترق المستوى المألوف للغة , وينتهك صيغ الأساليب الجاهزة , ويهدف من خلال ذلك إلى شحن الخطاب بطاقات أسلوبية وجمالية تحدث تأثيرا خاصا في المتلقي" (14) وعند ما نتحدث عن المستوى الأول فهو يتضمن طبعا اللغة التواصلية سواء تلك التي نستعملها في خطاباتنا اليومية أو العلمية, بينما نعني بالمستوى الثاني اللغة الشعرية, ولهذا يشخص كوهين الأسلوب " بخط مستقيم يمثل طرفاه قطبين , قطب النثر الخالي من الانزياح, وقطب الشعر الذي يصل فيه الانزياح إلى أقصى درجة, وتقع القصيدة قرب الطرف الأقصى, كما تقع لغة العلماء قرب الطرف الأدنى, ولا ينعدم الانزياح فيها ولكنه يقرب من الصفر" (15) ففي مقابل اللغة الطبيعية التي تتسم بالمنطقية وتهدف إلى توصيل دلالة بعينها, تقوم لغة أخرى تتسم بالإيحائية وتهدف إلى الإثارة, حيث يحتمل للدال مدلولات شتى مما يلغي الحالة الحيادية للغة, يقول بيارغيرود"Pierre Guiraud " :" نظريا تتطلب فعالية التوصيل أن يقابل كل مدلول دالا , ودالا واحدا , وبالعكس أن لا يعبر عن كل مدلول إلا بدال واحد, هذه هي حالة اللغات العلمية, إن أنظمة الإشارة بصفة عامة هي قوانين منطقية. تطبيقيا, ما أكثر الأنساق التي يحيل فيها الدال على مداليل متعددة, حيث يمكن أن يعبر عن كل مدلول بواسطة دوال شتى, وهذه هي حالة القوانين الشعرية التي يكون الاصطلاح فيها ضعيفا"(16).
وفعل التنويع الدلالي هذا الذي يتشكل عبره نسق تعبيري غير مألوف, هو شكل متعمد من قبل منشئ الخطاب, بل طموحه الدؤوب في تحرير العلامة اللغوية من قيود العرف والتواطؤ الاجتماعيين, ولذا ازداد الاهتمام بمسألة الانزياح, حتى اعتبرته بعض الشعريات" المعيار الأكثر حزما في تحديد السمات الشعرية لنص ما , فلكي نصف لغة الشعر في حركيتها , لدينا مفهومان كبيران,يقول مولينو وطامين" يسمحان بجعل التحليلات أكثر تلاحما: مفهوم الانزياح, ومفهوم التكرار, وهما مفهومان يعودان إلى البلاغة وإلى الشعرية"(17). ومثل هذا القول يأتي كما لو كان ردا على الكثير من الآراء التي اعتقدت بفقدان معيار حازم للتعرف على أدبية النص, ولعل مثل هذا الارتباك في تحديد الأدبي ظهر خاصة منذ الشكلية الروسية ا لتي أعادت التساؤل حول طبيعة الأدب , أي منذ أن صرح رومان جاكبسون قائلا: " إن موضوع علم الأدب ليس الأدب, لكن " الأدبية" أي ما يجعل من أثر مقدم أثرا أدبيا" (18)
عندما ننتقل من الأدب بصفة عامة إلى الشعر بصفة خاصة نجد أن المعيار الكلاسيكي " الوزن" لم يعد معيارا فعالا في تحديد الشعر بعد ظهور الأشكال الجديدة وتراجع الشكل التقليدي, فكانت النتيجة التقليل من الاهتمام بالجانب " النظمي" والتفكير أكثر باللغة الشعرية التي يعتبر " الانزياح" جوهرها وأحد أعمدتها الأساسية, ولقد تحدثنا – حتى الآن- عن المفهوم العام للانزياح وارتباطه باللغة الشعرية, وهو مفهوم يركز كما أشرنا على الخروج عن المألوف , غير أن هناك خصوصيات كثيرة لهذه المصطلح, ارتأينا أن نستعرضها حسب الاتجاهات النقدية التي ركزت على جانب الانزياح أثناء دراستها للخطاب الشعري بدءا بالبلاغة والنقد العربييين القديمين, وانتقالا إلى البنيوية الغربية ووصولا إلى الأسلوبية , وهو الأمر الذي يسمح لنا بإعادة قراءة بعض مقولات الفكر العربي القديم التي فارقت تاريخها بشكل خلاق لتنسجم ومقولات الراهن النقدي .
الانزياح في الدراسات النقدية:
الانزياح عند العرب القدامى:
نصادف أثناء إعادة قراءتنا للتراث الفكري العربي القديم مصطلحات وجمل مثل " العدول" و " الالتفات" , " الضرورة الشعرية" , " شجاعة العربية", " إقدام العرب على الكلام"...الخ, وهي كما نلاحظ مصطلحات تنتمي إلى حقول معرفية مختلفة من علوم اللغة والبلاغة والنقد الأدبي, غير أنها تلتقي حول يعد مفهومي واحد هو الإقبال على الكلام بجرأة أو الإتيان بالجديد , المخالف للسابق , العادل عنه, وتؤكد بذلك انتباه العرب القدامى , النحويون منهم و البلاغيون و النقاد إلى وجود مستويين من الكلام , و اعترافهم للشعراء بأنهم , و كما ورد على لسان الخليل بن أحمد الفراهيدي " أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا , و جائز لهم مالا يجوز لغيرهم من اطلاق المعني و تفيده , و مد مقصوره , و قصر ممدوده , و الجمع بين لغاته و التفريق بين صفاته , و استخراج ما كلت الألسن عن وصفه و نعته , و الأذهان عن فهمه و إيضاحه فيقربون البعيد و يبعدون القريب , و يحتج بهم و لا يحتج عليهم "(19)
و نلمس في هذا النص لهجة التقدير للشعراء , فتجاوزهم لسلطة القاعدة لا يأتي فقط " كرخصة شعرية " تجوز لهم المحرم , بل يحدث أيضا لأن لهم القدرة على التصرف في الكلام و تغييره و الابتكار فيه . و ستتخذ مسألة الرخصة هذه بعدا أكثر جدة في حديث الفارسي ثم تلميذه ابن جني , حيث أن " ارتكاب الضرورة أو ما عدا ذلك لا يكون بسبب الاضطرار دائما , كما أن اللجوء إليها لا يجب اعتباره من قبيل ما يعتذر عنه و ما يستدعي التأويل و التخريج لأنه قد يكون برضى الشاعر و عمده لحاجات خلاف ما يراه القائمون على القواعد التقليدية , و هو اعتراف بحق الشاعر في أن يكون له لغته الخاصة " (20)
و هي لغة يضطر الشاعر في ممارستها أحيانا ( و يقتصد أحيانا أخرى ) إلى التغيير في المتواضع عليه من التراكيب و المصطلح عليه من الدلالات , ذلك أن " اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني و جودتها و قصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها و ليس ذلك بالنظر إلى المفردات و إنما هو بالنظر إلى التراكيب ." (21) لقد أدرك القدامى إذن وجود مستويين للكلام , المستوى الأول الذي يتحدث به جميع الناس , و المستوى الثاني الذي هو مستوى فردي خاص , و انطلاقا من ذلك الإدراك بدأ البحث في هذا الخاص و علاقته بالمستوى الأول , فأعتبر التحرش باللغة اليومية بداية التأسيس " للأسلوب " الفردي , و شجاعة سماها ابن الأثير و ابن جني "شجاعة العربية " و شبه الشاعر الخارج عن الأنماط المألوفة بالفارس الذي يركب جوادا لا لجام له . يقول ابن جني في وصف هذا الشاعر : " .... مثله في ذلك عندي مثل مجري الجموح بلا لجام , و وارد الحرب الضروس حاسرا من غير احتشام , فهو وإن كان ملوما في عنفه و تهالكه , فإنه مشهود له بشجاعته وفيض منته " (22) و نفهم من هذا النص أن الشهادة للشاعر بالشهامة اللغوية تتجاوز لومه على تعنيف اللغة .
و قد أدى الاهتمام بإعجاز القرآن , و البحث في خصوصية ذلك الخطاب المنقطع معرفيا – لغويا عما كان سائدا, إلى تأكيد فكرة المستويين هذه و اعتبار مستوى الخطاب القرآني خارجا عن العرف , و ذلك الخروج هو ما يشكل بلاغته و من ثم إعجازه بالقياس إلى الكلام اليومي المتداول في المجتمع العربي , و لهذا يؤكد نصر حامد أبو زيد على أن " البحث في قضية الإعجاز ليس في حقيقته إلا بحثا عن السمات الخاصة للنص و التي تميزه عن النصوص الأخرى في الثقافة و تجعله يعلو عليها و يتفوق " (23) بخروجه عن " المعهود عن نظام جميع كلام العرب , و مباينته للمألوف من ترتيب خطابهم " (24) كما يقول الباقلاني الذي يقسم كلام العرب إلى خمسة أقسام : الشعر , الكلام الموزون غير المقفي , الكلام المسجع ,الكلام الموزون غير المسجع, و الكلام المرسل . و يرى أن الخطاب القرآني يمثل نمطا خاصا مفارقا لكل هذه الأنماط , و يشكل بالتالي مستوى كلاميا ثانيا أكثر إدهاشا و أكثر إثارة .
و قبل الباقلاني كان الفراء قد وقف في " معاني القرآن " وقفة نحوية دلالية متأملة في الأبنية المجازية التي تفرد بها الخطاب السماوي , بالإضافة إلى القضايا التي تخص النص القرآني من تقديم و تأخير و التفات , و مختلف الظواهر الصوتية المميزة له , كما تعمق الجاحظ في تذوق أسرار البلاغة في اللغة القرآنية , و هو الشيء نفسه الذي قام به ابن قتيبة في " النكت في إعجاز القرآن " و الجرجاني في " دلائل الإعجاز "...الخ . و مختلف هذه الدراسات تجمع على تفرد النص القرآني , و تعيد علة ذلك التفرد إلى عدول أسلوبه عن أساليب العرب مما يجعل الكلام في الآيات خارقا لواحدية البعد الدلالي قابلا لأكثر من قراءة .
ما يقال عن خروج الخطاب القرآني عن النظام الكلامي المعهود في المجتمع العربي يقال أيضا عن الخطاب الشعري , و إن اختلفت درجات ذلك الخروج و أشكاله , و سوف نلاحظ أن الخروج عن المألوف , أو الانزياح عن المستوى العادي , الذي يؤدي إلى جمالية لغوية غير معهودة يتعلق في الواقع بجوانب شتى , ويمس بذلك مختلف المقولات المرجعية التي يتأسس وفقها الخطاب سواء منها المقولات النحوية أو الصرفية أو المعجمية الدلالية التي تتظافر لتشكل " مثالية اللغة" في حيز الاستعمال العادي, والتي ينتهكها المرسل/ الشاعر, فتنتج ظواهر " لانحوية" لديها دلالاتها الأسلوبية – الجمالية.
ويعد " تطويع ونحت واشتقاق مفردات جيدة" (25) وابتداع أخرى غير مألوفة سواء من ناحية " تتابع الصوت أو من ناحية تكوينها أو تركيبها" (26) شكلا من أشكال الانزياح عن المعهود عند القدماء, كما أخذت – في هذا السياق- مسألة " التقديم والتأخير" حيزا واسعا من الاهتمام, وأكد القدماء على القيم الجمالية التي تنتج عن التغيير في مراتب الدوال في المتتالية. ومن المعروف أن اللغات تختلف اختلافا ملحوظا من جهة حريتها في ترتيب الكلمات, "ومن هذه الوجهة يفرق غالبا بين نوعين من اللغات: اللغات ذات الترتيب الحر, واللغات ذات الترتيب الثابت" (27) وتنتمي اللغة العربية إلى النوع الأول ويسمح الإعراب فيها بالحرية في الحركة وتغيير أماكن الأجزاء المشكلة للجملة, ويستعملها فندريس كمثال للتدليل على اللغات التي " لا يفرض فيها النحو أي نظام إجباري ولاتتأثر العلاقة المنطقية التي بين كلمات الجملة في شيء إذا غيرنا وضعها... تقول العربية ( يضرب زيد عمرا) أو (عمرا يضرب زيد) دون أن يؤدي ذلك إلى تردد في معرفة الفاعل والفعل والمفعول به لأن التحليل المنطقي لا يؤدي ذلك أي اختلاف (... ) غير أن هذه الأوضاع الثلاثة ليست على درجة واحدة من الجودة ...فالمسألة في كل حالة من الحالات مسألة حس أكثر منها مسألة مذهب نحوي , إذ أن هناك ترتيبا معتادا مبتذلا يطرق الذهن لأول وهلة, وهذا الترتيب يمكن مخالفته, ولكن مجرد المخالفة ينبئ عن غرض ما, ذلك الغرض هو إبراز كلمة من الكلمات لتوجيه التفات السامع إليها, وتلك مسألة أسلوبية يمكن تتبعها إلى أقصى وقائعها" (28)
ولم يغب هذا الأمر ( النحوي في أساسه, الجمالي في غايته) عن النحاة العرب القدامى, الذين تحدثوا بإسهاب عن " الرتبة المحفوظة" و " الرتبة غير المحفوظة" والمخالفة في الترتيب " بتقديم المفعول على الفعل, وتقديم الخبر على المبتدأ, وتقديم الظرف أو الحال أو الاستثناء عن العامل... في الوقت الذي يفترض فيه جعل مرتبة العمدة قبل مرتبة الفضلة, ومرتبة المبتدأ قبل مرتبة الخبر..."(29) ومثل تلك المخالفة تشكل في غالب الأحيان الجملة الأكثر بلاغة.
وقد شكل انتهاك الحركات الإعرابية- كأن تنصب كلمة في سياق رفع, أو العكس- شكلا آخر من أشكال انحراف لغة الشعر عن الاستعمال اللغوي السائد ( أو المثالي) وجاز للشاعر بذلك عدم الامتثال التام لسلامة العبارة من الوجهة النحوية المحضة. يقول ابن جني متناولا المسألة من جانب البعد الموسيقي الخاص بلغة الشعر, متحدثا عن البيت الشعري " إذا تجادبه أمران زيغ الإعراب وقبح الزحاف... فإن الجفاة الفصحاء لا يحفلون بقبح الزحاف إذا أدى إلى صحة الإعراب... فإن كان ترك زيغ الإعراب يكسر البيت كسرا- لا يزاحفه زحافا- فإنه لا بد من ضعف زيغ الإعراب واحتمال ضرورته"(30)
ومن بين المقولات القديمة التي تحوي بين طياتها بذور فكرة الانزياح, مقولة " الالتفات" التي يعبر عنها بصيغ أخرى مثل " التوسع" , " الخروج على خلاف مقتضى الظاهر" , " المجاز" (31) فإذا كان النحاة يقولون بوجوب المطابقة بين الضمائر في العدد والنوع, والمطابقة في الزمن , فالبلاغيون يرون في تجاوز مثل تلك المطابقة انزياحا من شأنه أن يؤسس جمالية خاصة بالخطاب الأدبي, وإذا كان النحاة يقدمون نظاما زمنيا صارما عبر الفعل بكل أقسامه فالبلاغيون يجيزون الانتقال في الفعل من الماضي إلى المستقبل أو العكس كما أنهم يقبلون انتقال الخطاب من الشاهد إلى الغائب أو العكس, ويرون فيه" التفاتا" يكسر جمود الخطاب , وذهبوا إلى تقديم الغايات البلاغية من وراء هذه الحالات , كما نرى على سبيل المثال في تحليل ابن الأثير لسورة الفاتحة حيث يعدل النص السماوي من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: " إياك نعبد وإياك نستعين" (32) بعد الحمد لله رب العالمين , وهذا العدول في نظر ابن الأثير يهدف إلى تعظيم شأن المخاطب..."(33)
وسنورد فيما يأتي نصين يؤكدان على أن " الالتفات" في الكلام يتقنه فقط العارفون بالبلاغة والفصاحة, وفضلا عن ذلك فهو يخلص الكلام من تكراريته ويمنحه الطلاوة والحلاوة بتعبير القدماء, يقول السكاكي: " ... ويسمى هذا النقل التفاتا عند علماء المعاني , والعرب يستكثرون منه, ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب ادخل في القبول عند السامع, وأحسن تطرية لنشاطه" (34) , ويقول ابن الأثير" واعلم...أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك وهو لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة الذي اطلع على أسرارها"(35)
ركز القدماء إضافة إلى ما سبق على فكرة " صناعة الكلام" والتي نستشف من أحاديثهم حولها تركيزا على الجانب الفردي – المنزاح عن أشكال الآخرين- في استخدام الألفاظ, ولهذا كانت المعاني بالنسبة للشاعر عندهم " بمثابة المادة الموضوعة, والشعر فيها كان كالصورة كما يوجد في كل صناعة, مثل الخشب للنجارة والفضة للصياغة"(36)والشاعر المبدع هو الذي يخلق من المادة المتداولة بين جميع الناس نمطا تعبيريا خاصا ينسب إليه دون غيره, ويحدث ذلك عبر التشكيل الصوري الذي يمارسه الشاعر خارجا عن ا لنحو, مفسدا منطق الإسناد , مقدما بنيات " غير نحوية" فيريك " الجماد حيا ناطقا, والأعجم فصيحا, والأجسام الخرساء مبنية"(37), وعلى هذا الأساس يشكل " اللانحو" دائما العنصر الأكثر إثارة, بالنسبة لمتلقي الشعر, وكلما ابتعد الشاعر عن البنيات النحوية الجاهزة كلما انتقل بخطابه إلى دائرة الشعرية. لقد ذهب بعض النقاد إلى قياس درجة هذه الشعرية بمدى القدرة على الابتعاد عن المألوف, حتى قال ابن رشيق: " فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه, أو استظراف لفظ وابتداعه, أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ, أو صرف معنى عن وجه إلى وجه آخر, ...كان اسم الشاعر مجازا لا حقيقيا"(38).
ونستخلص مما سبق الإدراك القديم من قبل العرب لمسألة وجود مستويين للكلام: الأول عادي تراعى فيه مثالية اللغة, والثاني متجاوز له, خارج عن أنظمته, كما أنهم قدروا ذلك الخروج وبحثوا له دائما عن المسوغات الجمالية, حتى صار الشعر يقابل " التوليد" الابتداع " الزيادة", أو "النقصان" أي ( المخالفة) ثم " صرف المعنى" كما رأينا مع ابن رشيق, وقد أحاطوا من جهة أخرى بمختلف الجوانب التي ينزاح فيها كلام الشاعر عن الكلام العادي سواء كانت تركيبية نحوية أو دلالية, بل بحثوا في العلاقة بين هذه وتلك وعلاقة كل ذلك باللغة الشعرية. ويعتبر عمل الجرجاني في كتابيه " دلائل الإعجاز" و " أسرار البلاغة" بحثا في التمييز بين مستويات الكلام, تلك التي تبدأ بالكلام اليومي وتنتهي إلى الكلام الشعري والكلام المعجز.
هكذا نجد أن القدماء وإن لم يستعملوا مصطلح الانزياح أو الانحراف مثلما تستعمله الدراسات الحديثة, فقد تداولوا فيما بينهم الحديث عن الظاهرة ودلالاتها مستعملين مصطلحات أخرى تلائم السياق التاريخي والمعرفي الذي تولدت فيه دراساتهم تلك.
عند ما نتزك مسا ئل العد و ل و الالتفات و الضرورات الشعرية عند العرب القدامي , وننتقل إلي الفكر الغربي , نجد الأمر لا يخلتف كثيرا. فما قدمته التيارات النقدية الحديثة حول اللغة الشعرية, سواء في ذلك الشكلية الروسية أو الأسلوبية أو النقد الجديد يتحرك في الواقع
داخل نموذج ثقافي موروث, و" لم يكن هناك نموذج أكثر تأثيرا من نموذج البلاغة" (39)ولهذا " لم يكن عبثا أن يظل علما البلاغة والبويطيقا في بداياتهما متحدين بصورة وثيقة , بل يمكن القول أن الصلة بينهما لم نتقطع أبدا" (40) فقد كان يعتقد أن اللغة الأدبية تتجسد في شكل أكثر ارتقاء, وكان يعتمد – لتحقيق ذلك الشكل- على الصور البلاغية لأنها تنتقل بالكلام من محور " الانضباط" إلى محور " التكسير" يقول فونتانيير " Fantaniller" " إن الصور تبتعد عن الطريقة البسيطة , عن الطريقة العادية, والشائعة في الكلام, بمعنى أنها يمكن أن يستبدل بها شيئا أكثر اعتيادا وأكثر شيوعا" (41) وتتمظهر هذه الصور في أشكال شتى, كالاستبدال, الاستعارات, الكنايات, وحتى الاستفهام والتعجب ... الخ"(42).
ويلخص خوسيه ماريا مظاهر تأثير البلاغة القديمة في مسألة اللغة الشعرية في دعامتين أساسيتين تتعلقان بالمفهوم الانحرافي للغة الشعرية , والدعامة الأولى تتمثل في كون البلاغة كانت تطرح على أنها فن تجميل الكلام " وتجميل الكلام الخاص بالبلاغة يتحدد في طرق تفصيل لباس لغوي جمالي ينظر إليه على أنه تعديل في اللغة النحوية" (43) مما يعني أن ميدان البحث البلاغي كان يهتم بالطرق الفنية التي تحقق للنص الشعري الخروج عن النحو وبالتالي الخصوصية والتميز اللذان يجنبان المتلقي السأم واللامبالاة كما يرى كوينتاليان.(44)
ولعل الدعامة الثانية مرتبطة بالأولى من حيث كون الاهتمام موجه نحو مقابلة اللغة " البلاغية"باللغة " القاعدة" واعتبار الأولى انحرافا إراديا عن القواعد اللغوية الصارمة, يمارسه مرسل الخطاب الشعري الجمالي متجاوزا به سلطة المعيار" (45)
الانزياح في الشعرية البنيوية:
تنطوي الشعرية البنيوية في الواقع على اتجاهين كبيرين, يرتكز كل منهما على النظريات اللسانية في تحليل الخطاب الشعري, على اعتبار أن الشعر – والأدب بصفة عامة- ظاهرة لغوية, وهذان الاتجاهان يمكن تصنيفهما " بالشعرية اللسانية" و " الشعرية اللسانية البلاغية" (46) وقد بحثا هذان التياران كثيرا في قضايا اللغة الشعرية, وفي مسألة الانزياح كمعيار لتخصيص الخطاب الأدبي, وفيما يلي نستعرض كل اتجاه على حدة, لنلاحظ عناصر التلاقي والتكامل بينهما قي تأسيس شعرية انزياحية.
الشعرية اللسانية: نقصد بها الشعرية التي اتخذت من معطيات اللسانيات الأسس النظرية لتطبيقاتها, معتبرة النص الأدبي عملا مغلقا ينفتح فقط على ذاته, , لذا يراعى في تحليله العلاقات الموجودة بين الدلائل دون الاهتمام بعلاقة النص كدليل بالخارج . ولعل أهم أعلام الشعرية اللسانية الباحث السوفياتي رومان جاكوبوسون والشكلانيون بصفة عامة حيث اهتمت هذه المدرسة بمسألة اللغة الشعرية التي رأى فيها أعضاء الجمعية " لغة خاصة تتصف بتشويه مقصود للغة العادية عن طريق العنف " المنظم" الذي يرتكب ضدها"(47)
والواقع أن الوصول إلى مثل هذه الخلاصة قد جاء في خضم الحديث عن طبيعة " الأدبي" وإمكانية قيام علم للأدب, لا يكون موضوعه الأدب بل الأدبية, كما ذهب إلى ذلك رومان جاكبسون, وتساءل بذلك الشكلانيون حول البنى التي يكون وجودها ضروريا في النص الأدبي , وليس كذلك في خطاب آخر فلسفي أو تاريخي أو اجتماعي, وهذه البنى هي التي ستشكل موضوع علم الأدب, يقول: " ايخينباوم EI KHENBOUM : " إن موضع علم الأدب يجب أن يكون دراسة الخصوصيات الخاصة التي تميز موضوعات أدبية عن كل مادة أخرى" (48) وهي خصوصيات لغوية بنائية بالدرجة الأولى. وقد كانت هذه نقطة الانطلاق الرئيسية في تمييز " الشعري" و " الأدبي" , فصرح شكلوفسكي في هذا السياق بأن لغة الشعر تختلف عن اللغة النثرية( اليومية) بالطابع المحسوس في تشكيلها ,وهو طابع منحرف, وهناك مظاهر كثيرة لذلك الانحراف كالانتهاك اللساني وإبداعات المجددين والتراكيب الجريئة للكلمات واختيار البنى اللانحوية أو المنحرفة دلاليا حسب تعبير موكاروفسكي Mukarovesky الباحث التشيكي وأحد مؤسسي حلقة براغ اللغوية.(49)
ونلاحظ أن الجمل السابقة على اختلاف ألفاظها تصب في سياق دلالي واحد, هو القول بأن الخطاب الشعري يعيش تجاذبا مستمرا بين الثبات والتحول" بين المحافظة على المعايير وخرقها"(50)
وتتعلق هذه المعايير بالجوانب التركيبية والدلالية على حد سواء , فهناك دائما المستوى المألوف, القديم, العادي, النحوي, وهناك في المقابل الرغبة في الانحراف عن..., التجديد, واختراق المتوالية اللسانية العادية بحثا عن اللانحو, مما يكسر طابع ا لعلاقات النحوية- الدلالية القديمة. إن منتج الخطاب الشعري يعيش قطبين , قطب الملاءمة , وقطب الاختلاف, قطب التكرار وقطب الاستقلال, وحدد الشعر" كفن الخروج عن التكرارات المنتظرة للحصول على أثر المفاجأة " (51) , ومثل ذلك الخروج يوصل الخطاب الشعري إلى ما يسميه الشكلانيون الروس بحالة " توحيش اللغةLa defamiliarisation ou des automatistation du language "(52) غير أن هذا لا يعني إلغاء كل المعايير السابقة " لأن المرسلة التي تخرق كل المعايير تصبح غير مفهومة"(53)
ويطرح رومان جاكبسون في هذا السياق مفهوم " التوازي" " paralelisme" محاولا بواسطته النظر إلى الخصوصيات التي يتحدد بواسطتها الشعر, والتوازي هو " الترابط الموجود بين الثابت والمتحول – كما يقول جاكبسون- ففي أحد القطبين نجد استعادة ثابت يمثل تكرارا خالصا, وفي قطب آخر نجد غياب الثابت وهو بمثابة اختلاف خالص. إن التوازي هو ذلك " الشيء" المقيم بين هذا الثابت وذاك المتحول" (54) وبوضع الثابت في سياق تساؤلات التحول تحدث ظاهرة الانزياح.
وتتحقق اللغة الشعرية كنوع لغوي يزداد ابتعادا كل مرة عن اللغة المعيارية و إن بقى دائما مرتبطا بها , إذ أن اللغة المعيارية في الواقع هي – وحسب جاكابسون- " الخلفية التي ينعكس عليها التحريف الجمالي المتعمد للمكونات اللغوية للعمل أو بعبارة أخرى الانتهاك المتعمد لقانون اللغة المعيارية" (55) ولن يوجد الشعر ما لم يوجد انتهاك للمعيار " وكلما كان قانون اللغة المعيارية أكثر ثباتا في لغة ما كان انتهاكه أكثر تنوعا, ومن ثم كثرت إمكانات الشعر في تلك اللغة ومن ناحية أخرى كلما قل الوعي . بهذا القانون قلت إمكانات الانتهاك , ومن ثم تقل إمكانات الشعر "(56)
هكذا إذن نظرت الشعرية اللسانية إلى اللغة الشعرية على أنها مستوى مختلفا من الكلام , وإذا أردنا أن " نحدد مفهوم الشعر يجب أن نعارضه بما هو ليس بشعر "(57) لكن هل معرفة ماهو ليس بشعر أمر سهل ؟ ثم هل يكفي اعتبار لغة الشعر انحرافا مقصودا عن لغة الخطاب اليومي لتحديد الشعري ؟
لقد انتبه رومان جاكبسون إلى هذه التساؤلات وأجاب عنها , فالأساليب " المنحرفة" توجد في الشعر كما توجد في نصوص غير أدبية, بل حتى في خطاب عامي, فقد نسمع في الحافلة العمومية بعض المزاح الذي يتأسس على نفس الصور التي تشكل الشعر الغنائي...(58) ولذا كان لمبحث الوظائف اللغوية أهمية كبيرة في مثل هذه السياقات , خاصة وأن جاكوبسون قدم قضية الهيمنة كمعيار بإمكانه الفصل في تحديد نوعية الرسائل اللغوية, ذلك أن مفهوم الشعر متغير مع الزمن, وخصائص الأجناس الأدبية صارت متداخلة فيما بينها أكثر من السابق مما يصعب مهمة تمييز الشعري عن النثري, لكن هناك دائما وظيفة تهيمن بشكل ملحوظ, ويتحدد نوع الرسالة اللغوية تبعا لنوعية الوظيفة المهيمنة, ويمكننا الحديث عن نص ما ونعته بالشعري إذا هيمنت الوظيفة الشعرية فيه, أي إذا لاحظ القارئ تلك الخلخلة الدائمة لأنظمة المرجع اللغوية, قصد الإثارة الجمالية.(59)
الانزياح في الشعرية اللسانية البلاغية :
نعني بالشعرية اللسانية تلك الشعرية التي عملت على تجديد البيت البلاغي القديم , وحشدته بأثاث جديد يمثل الأدوات الإجرائية الجديدة المتحدة للتعامل مع البنيات الجمالية للنص وهي أداوات ترفض التصنيف الجامد , وتتطلع إلى البحث عن "البنية المشتركة بين الصور المختلفة "(60) ثم إنها أداوات مستقاة من اللسانيات , لأن هذه الشعرية تنظر إلى أن عبقرية الشاعر تتجلى في الإبداع اللغوي, وبعبارة أخرى في قدرة الشاعر على خرق قانون اللغة لبناء نسيج الصور(61), ومن هنا كان تركيزها الكبير على الانزياح. وعندما نتحدث عن الانزياح في الشعرية اللسانية البلاغية, فنحن في الواقع نتحث عن الناقد الفرنسي جون كوهين بالدرجة الأولى ثم عن الباحثين مولينيو وطامين, فمع جون كوهين نلاحظ التنظير الفعلي لمفهوم الانزياح ودوره في بناء جماليات النص, حيث اعتبر المسألة الأكثر جوهرية في لغة الشعر.
وتقوم نظرية الانزياح عند جون كوهين على ثنائية ( المعيار/ الانزياح), وهذان المصطلحان متداولان كثيرا في الأسلوبية كما سنرى, لكن السؤال الذي يراود كل من يخوض في هذا الميدان يتعلق بالمعيار: ماهو المعيار وكيف يمكن الانزياح عنه؟ للإجابة عن هذا السؤال ينطلق كوهين من بعض المقدمات التي صارت بديهية, " صارت اللسانيات – يقول كوهين- علما منذ أن تبنت – مع سوسبير- مبدأ المحايثة: تفسير اللغة بالغة وعلى الشعرية أن تتبنى نفس وجهة النظر" (62) , لقد ظل النقد يعتبر النص وثيقة نفسية أو اجتماعية ينبغي العودة إلى طفولة الكاتب أو مجتمعه لتفسيرها, وبهذا ظل النقاد يبحثون عن المفتاح خلف لغة النص , بينما المفتاح موجود في اللغة ذاتها " فالشاعر شاعر ليس لأنه فكر أو أحس ، بل لأنه قال . إنه خالق كلمات لا خالق أفكار ,وكل عبقريته تكمن في الإبداع اللغوي...إن بحيرة لامارتين, حزن أولمبيو لهوجو, الذكرى لموسيه قصائد تقول الشيء نفسه , لكن كل واحدة من هذه القصائد تقوله بطريقة جديدة, في تراكيب لفظية ترسخ إلى الأبد في الذاكرة"(63), لأن السر يكمن في " كيفية" التركيب المختلفة هذه. ويستشهد كوهين في هذا السياق بمقولة مالارميه الشهيرة " لا يصنع الشعر بالأفكار بل بالكلمات Ce n est pas avec des idées que l on fait des vers c est avec des mots "(64) لكن ما هو شكل هذه الكلمات؟ هل تستمد من معجم خاص؟ هل الشاعر نبي يعلمه الله أسماء مميزة للأشياء أم أنه شيطان يرتكب المعاصي فوق كوكب اللغة أم أنه صعلوك خارج عن القانون يضيق درعا بشرطة النحو وضوابط الإسناد؟
إذا تابعنا التأمل في تحليلات كوهين نجد عبارات " خرق القانون" هذه كثيرة التردد, فالشاعر ليس نبيا بل " شيطانا" يمارس الخرق, وإذا كان الخرق بجميع أشكاله جرم يعاقب عليه المرجع والعرف وكل السلطات , فهو بالنسبة للشاعر حماقة مستحبة بل ضرورية, كما لو كان مفوضا فوق العادة في مملكة اللغة وظيفته مطاردتها وتعنيفها ( أو تجميلها) " وإذا كان كوهين يؤكد هذا الخرق الذي تمارسه اللغة الشعرية على القانون اللغوي -المعيار, فإن محور عمله سينصب كله على دراسة أوجه هذا الخرق ومحاولة ضبطه والتنظير له" (65) وبذلك فهو يقدم لنا مختلف الحالات التي ينزاح فيها الشاعر عن المعيار, والمعيار بهذا هو " اللغة الطبيعية التي هي بالتعريف اللغة النثرية"(66)La langage naturel par definition, c est la prose".
يشير كوهين إذن إلى أن اللغة تتشكل من قطبين , تتموضع في القطب الأول اللغة الطبيعية التي ننظر إليها من زاوية وظيفية محضة باعتبارها نظاما علاميا للتواصل , وفي القطب الثاني تتموضع لغة الشعر " المصطنعة" التي تتغير معها وظيفة الخطاب, ومنذ القديم يقول كوهين " حددت البلاغة الصور على أنها طرق تعبيرية بعيدة عن تلك الطرق الطبيعية العادية, وبمعنى آخر كانزياحات لغوية" (67)
ويعد التشكيل الاستعاري المميز الأساسي للغة الشعر, حتى أن كوهين أخذ بالفكرة القائلة أن الشعر بنية استعارية لكن – وكما يقول- " شريطة أن نعيد الاستعارة إلى طبيعتها الحقيقية ونضعها في مكانها" (68) ذلك أن غاية كل الأشعار هي أحداث استبدالات في اللغة, وهي استبدالات تترجم بدورها تحولا ذهنيا Une metamorphase mentale. ليس الشعر – يتابع كوهين-" التعبير الوافي عن عالم غير عادي بل التعبير غير العادي عن عالم عادي"(69), ويضرب للقارئ أمثلة عن الاستبدالات التي تحدث في الشعر فتميز العبارة الشعرية عن الاستعمال النثري, ومن مثل ذلك أن الشاعر لا يقول لقد اكتشفنا أسماكا تستطيع الغناء كما يقول العالم أو المتحدث العادي , بل يقول ذلك انزياحيا كما فعل رامبو عندما قال"
Du flot bleu, ces poissons d’or ,ces poissons chantants
وبمثل هذه الأخطاء المقصودة ينتقل الخطاب من الحيادية إلى " التكثيف" فيقدم صورة تعيد اكتشاف العالم وتشكيله من جديد بعد الخلخلة المتعمدة التي يحدثها الشاعر في أشيائه , ويوجز الدكتور خالد سليكي, عملية الخرق هذه وإعادة البناء عند كوهين في الخطاطة الآتية(70)

![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()

![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
الشاعر إذن يخرق قانون اللغة ليخلق صورة بظلال إيحائية جديدة, إنه لا" يحطم اللغة اليومية إلا ليعيد بناءها على مستوى أعلى...الشعرية بهذا المفهوم دراسة الأشكال غير العادية للغة" (71) ولهذا – وبالنسبة لكوهين- لا توجد معاني شعرية وأخرى نثرية, وإنما الذي يحدث هو الطريقة " غير العادية" في التعبير حتى وإن كان المرجع واحدا" فالمعنى بين الشعر والنثر هو في نفس الآن متماثل ومختلف , يكمن التماثل في وحدة المرجعية, ويختلفان في الطريقة التي تتم بها الإحالة"(72) . ويلجأ الباحث المغربي – لتوضيح ذلك- للمثال الذي استعمله كوهين في هذا السياق, فيقدمه في خطاطة أخرى كالتالي:
يحيل على
![]()
![]()
![]()
كوكب الأرض
![]()
هذا
المنجل الذهبي
يحيل على
هناك إذن طريقتان في التعبير تنتجان نوعين من الدلالة, دلالة المطابقة ودلالة الإيحاء, وتخص الأولى النثر, بينما تخص الثانية الشعر, وعلى الشاعر أن يهرب دائما من المطابقة, ويفسد العلاقة الآلية بين الدال والمدلول لكي يبدع كلاما ملفتا للتلقي حيث لا يصبح الأمر " متعلقا بالرسالة نفسها باعتبارها نظاما من الأدلة , بل بالأثر الناتج عند المتلقي , لا يصبح متعلقا بالبنية بل بالوظيفة اللغوية "(73) ويوضح كوهين هذه المسألة أكثر بوضعها في التخطيط الآتي(74):
دلالة
المطابقة ..............= الدال
المدلول 1
• الوظيفة
دلالة
الإيحاء .........= المدلول2
ففي المثال السابق نعثر في الجملة النثرية الأولى على دلالة مطابقة: القمر يساوي كوكبا , بينما يتصاعد الإيحا ء في جملة " هذا المنجل الذهبي وسط حقل من نجوم " لأن هذه الجملة ترسي قواعد إسنادية جديدة تمنح القارئ تصورا غير مألوف عن السماء والقمر .
و لعلنا نخلص من هذا إلى القول أن الانزياح عند كوهين يركز خاصة على الجوانب البلاغية أي كافة العمليات الإستبدالية التي تهدم العلاقة بين الدال و المدلول , من جهة , و بين الأدلة من جهة أخرى حيث تواجهنا عمليات اسنادية غريبة عن المنطق المألوف , لكنها تملك بدورها منطقها الخاص . و الواقع أنه لا انفصال بين المستوى التركيبي النحوي و المستوى البلاغي , فالصورة في النهاية هي تواطؤ يحدث بين الكلام والنظام حيث " يتحول الدال اللفظي من أن يكون مجرد طرف في العلاقات السياقية على مستوى النظم إلى أن يثير الانتباه إلى طبيعته الذاتية , إلى حقيقة كونه دالا "
(75) و إذا كان الخطاب اليومي يتموضح في صف النظام خاضعا لقواعده المختلفة , مستسلما لسلطته , فالخطاب الشعري يخضع النظام له و يجعله قابلا للتحول , لكن هل كل إخضاع ( أو إفساد ) للنظام هو انزياح شعري ؟ و هل كل جرأة على المعيار تشكل شعرا .؟
يعتب كوهين في هذا السباق على الشعراء السرياليين الذين يدفعون بالانزياح إلى حدود غير معقولة لاعتقادهم بوجود عالم ما فوق الواقع , متأثرين في ذلك بالمثالية الألمانية , و بذلك يحدثون قطيعة مع الجمهور(76) , لأن الانزياح درجات إذا تجاوزت المعقول رفضت . هذا من جهة و من جهة أخرى , فهناك بعض الحالات التي لا يشكل فيها الخروج عن المعيار شعرا , لأنها تكون قد استهلكت بتكرارها بشكل أو بآخر , فتصير معقوليتها عند الجمهور المتقف سريعة و بذلك يضيع الانزياح و تتضاءل القيمة الأسلوبية, مثل الصورة التي نستعملها بإستمرار للتدليل على الرجل الشجاع :" إنه أسد " و التي غذت من قبيل المجاز الميت .
الإنزياح عند مولينو و طامين :
يخصص مولينو وطامين في كتابهما :" مدخل إلى تحليل الشعر" حيزا واسعا للحديث عن الانزياح, بما في ذلك المصطلح ومقابلاته الدلالية ثم مفهومه وكافة أشكاله وعلاقته بأدبية النص وبالأدق بشعرية الشعر.
وينطلق مولينو وطامين من التركيز أولا على أنه لا ينبغي النظر إلى اللغة على أنها مجموعة من القواعد سواء تعلق الأمر بالقواعد الضمنية Interiorises أو بالاجباريات decontrintes التي تضعها الجماعة "(77) وبوجود هذه الإجباريات يدرك الانزياح, ذلك أن الإجباريات تكرس الاستعمال الجاري, إذ لا يزعج المتحدث العادي أن يكرر الصيغة نفسها, إذا تشابهت المواقف ممتثلا, خاضعا للعادة غير أن الشاعر مطالب بتغيير الصيغة كلما تشابه الموقف, وإن لم يفعل مات الشعر. على الشاعر أن يتحرر من القواعد المفروضة عليه كيفما كان نوعها ثم يعيد بناء قواعد جديدة, وهكذا يتحدد الانزياح مرتبطا بقاعدة ثابتة ينظر إليها على أنها غير قابلة للمساس, لكن يمكن إدراكه أيضا على أنه مسافة أو قطيعة في الزمن (78), وكسر القاعدة سواء على محور نظام الكلمات في المتتالية أو على المحور العلائقي بين الدال والمدلول ينتج أنظمة إشارية حية في النص الشعري تعكس التجربة الذاتية مع اللغة, ذلك أن القول بالإنزياح يعني بشكل ما رفض المعرفية المتكررة والبحث عن أبنية " فردية" خاصة.
والواقع أن مولينو وطامين قد اهتما في معالجتهما لمسألة الانزياح هذه بالإرث البلاغي القديم اهتماما كبيرا , وخاضا قضية اللغة الشعرية انطلاقا من ثنائية الانزياح- التكرار و هما" مفهومان يعودان إلى البلاغة الشعرية القديمة- كما يقولان – واليوم أيضا يتأرجح التحليل الشعري بين إيضاحات الانزياح عند البلاغيين الجدد أو في النحو التوليدي, وبين دراسة الأشكال المختلفة للتكرار والتوازي"(79) ويلاحظ الباحثان أنه ومنذ الرومانسية بدأت الخصائص الشكلية الخارجية ( الإيقاعية بالدرجة الأولى)تتراخى ولم تعد المميز الأساسي للشعر, وتقدمت بدلا منها خصائص أخرى تعد بالنسبة للجمهور القلب النابض للقصيدة وتتمثل هذه الخصائص في الاستعمال المطرد للصور, فتصبح هذه الأخيرة تدريجيا الميزة المحددة للشعر التي تفصل بين الاستعمال الشعري والاستعمالات الأخرى للغة. ومن بين الصور المتعدة هناك صور أساسية في هذا السياق يسميها مولينو وطامين بصور البناء " les figures de construction"(80), يتفرع عنها نوعان من الانزياح:الانزياح البلاغي أو ما يسمى بالمحو أو صور البناء بالتفاهم المتبادل, والانزياح الشعري أو ما يسمى بالرخص الشعرية (81)
هناك وحسب هذا التصور شكلان بارزان للانزياح: انزياح المحو وانزياح الاستبدال, وسنلخص ما سبق بالخطاطة الآتية التي يضعها الباحث المغربي خالد سليكي دائما أثناء قراءته لكتاب مولينو وطامين:
التضمين البلاغي( المحو)

صور
البناء الانزياح
الإستبدال- انزياح شعري
( الرخص الشعرية)(82)
ويعتبر المحو من أبرز الأشكال الانزياحية , وهو ذو أساس بلاغي , " ولإبراز عنصر المحو داخل تركيب شعري ما فإن مبدأ التحليل البلاغي يسير وفق هدا الخط : يتم عرض وجود شكل أصلي للجملة التي تعتبر الأساس ( والشكل الأصلي) وبعد ذلك إظهار بعد مقارنة الجملة التي سيتم تحليلها بالأصلية , محو عنصر ما "(83) وهو المحو الذي يجعل الواقعة الشعرية في شرخ مع الكلام المتداول, ويبدو أن القمر يلهم الشعراء والمنظرين بالصور التي تحوي مثل هذه الشروخ , فيتخذ دائما كمثال أقرب للتمييز بين العبارة الحيادية والعبارة الإيحائية , فإذا استعملنا لوصف القمر –كما يقول الباحثان- العبارة التلميحية " نجم الليالي"(84), نستنتج تأثيرا خاصا على السامع لأننا لم نستعمل اللفظة الأكثر بساطة ومارسنا بعض المحو فاختفت العناصر المألوفة لتظهر أخرى.
وإلى جانب صور البناء التي تتحقق عبر المحو, هناك ما يسمى بالرخص الشعرية كما سبق الذكر, ويتعلق الأمر هنا بنظام الكلمات في المتتالية اللغوية, ومدى تأثير عملية ترتيب الكلمات في تحقيق أثر جمالي, يقول مولينو وطامين: " تتميز اللغة الفرنسية بنظام تطوري, وحسب ذلك النظام نجد الموصوف يتموضع قبل الصفة, المسند إليه قبل المسند, الفعل قبل المفعول به... الخ, وكل تغير يحدث في هذا النظام يمكن أن يصنف على أنه قلب . بعض أشكال القلب إجبارية في مستوى لغوي معين, مثل القلب في الجملة الاستفهامية Est il venu? لكن هناك أشكال أخرى تدرس غالبا من قبل الأسلوبية وتوسم بأنها تعبيرية تأثيرية مثل قول فلوبير " flaubert “ Au bas de byrsa, s’étalait une langue massse noire”"
وهذه الأشكال كانت البلاغة القديمة تسميها بصور القلب , أو صور المبالغة..., وإن استعملت هذه الصور في الكلام الشفوي أو في الكلام النثري, فهي بالنسبة للبلاغيين الكلاسيكيين الجدد ميزة متعلقة خاصة بالشعر"(85), ويدعم مولينو وطامين حديثهما عن قضايا القلب هذه باعتبارها رخصة شعرية مباحة, لها تأثير خاص في المتلقي بنقلهما لنص من قاموس القوافي لمارتينو Martinon جاء فيه " إن القلب هو أهم الرخص الشعرية بفضل سحره الخاص الذي هو سحر الشعر. إن لغتنا تقبل نوعين من البناء : الأول يحترم نظام الترابط بين الكلمات والثاني يبتعد عن ذلك النظام, الأول هو البناء المباشر , والثاني هو القلب"(86)
ولعل هذا الحديث يذكر بمسألة التقديم والتأخير في النحو العربي والتأثير البلاغي الناجم عن تلك العملية التي ينحرف فيها الكلام عن البناء الجاري, ليبتدع نسقا ترتيبيا جديدا, ونشير هنا إلى أن هذه الظاهرة تميز خاصة الشعر القديم وتقل في الشعر المعاصر الذي لم يعد يضطره ضابطي القافية والروي إلى مثل تلك الإجراءات.
الانزياح في الأسلوبية:
ترتبط لفظة أسلوبية stylistique الحديثة العهد بلفظة أسلوب" Style " القديمة جدا, وإذا كان مصطلح أسلوب يمتلك مدلولا إنسانيا ذاتيا, وبالتالي نسبيا"(87) فلفظة أسلوبية التي تتشكل من الجذر ( أسلوب) واللاحقة (ية) تقابل دلاليا عبارة " علم الأسلوب" لأن اللاحقة تتضمن البعد العلمي, وبما أن الأسلوب هو الطريقة الفردية الخاصة في التعبير عند كاتب ما (88) فالأسلوبية تتحدد في هذا السياق بأنها – كما قال جورج مونان- " دراسة الخصائص اللغوية التي بها يتحول الخطاب عن سياقه الإخباري إلى وظيفته التأثيرية والجمالية"(89)
ومن هنا ينصب اهتمامها على دراسة اللغة الأدبية حيث تبرز الخصوصية الفردية والاختيار الواعي من قبل مرسل الخطاب , وتدرس الأسلوبية هذه اللغة بصفتها انحرافا أو انزياحا, وإذا كانت الشعرية البنيوية تهتم بمعاينة اللغة الأدبية في انحرافاتها الشكلية التي تؤدي إلى غايات جمالية كما رأينا, فالأسلوبية تتناول الانزياحات ليست فقط كمعطيات شكلية, بنائية , بل لأنها " تترجم عن أصالة روحية وعن قدرة إبداعية منفردة, وهي التي ينبغي على المنهج النقدي أن يكتشفها"(90), وهذا ما ركز عليه ليو سبيتزر " leo spetser" الباحث الذي ادخل مصطلح الانحراف إلى الأسلوبية معتبرا إياه ركيزة جوهرية في منهج التحليل النقدي لديه, يقول: " عندما كنت أقرأ في الروايات الفرنسية الحديثة تكونت لدي عادة وضع خطوط تحت التعبيرات التي كانت تجذب انتباهي لابتعادها عن الاستخدام العام وحدث في كثير من المرات أن كانت الفقرات التي تحتها خط بالرغم من تعارض كل منهما مع الأخريات تبدو وكأن بينها نوعا من التلاقي, ولأني فوجئت بهذه الظاهرة فقد سألت نفسي : ألن يكون مفيدا أن نقيم تسمية مشتركة بين كلا هذه الانحرافات أو معظمها؟ وهل يمكن إيجاد الأصل الروحي والأصل النفسي المشترك والخصائص الأسلويبة عند كاتب ما, مثلما وجدنا تسميات مشتركة لعدد من الأشكال اللغوية الشاردة؟ " (91) ولعل أولى الملاحظات التي تخرج بها أثناء قراءتنا لهذا النص هو الربط بين مصطلح الإنحراف ومسألة الابتعاد عن " العام" الذي هو استخدام جاري, ثم إن سبيتزر لاحظ هذه الانحرافات في الرواية, أي في النثر, مما يعني أن لغة الخطاب الشعري هي انحراف عن اللغة التواصلية اليومية لا لغة النثر الأدبي لأن لغة هذا الأخير تقوم بدورها على الانحراف, والملاحظة الثالثة هي تركيز النص على الصلة الوثيقة بين الإنشاءات اللغوية الخارجة عن المألوف وبين نفسية المبدع, وكأنه كلما تواترت ظواهر لغوية معينة في أثر كاتب ما كلما دلت على خصائص نفسية تميزه.
والواقع أن مثل هذه الأفكار هي وريثة النظرية الكلاسيكية عن الأسلوب , نظرية بيفون buffon التي أثر بها في اللاحقين والتي يمكن تلخيصها في جملة واحدة لبيفون نفسه وقد وردت هذه الجملة في مؤلف" discours sur le style " يقول فيها : " إن من الهين أن تنتزع المعارف والأحداث والمكتشفات أو أن تبدل , بل كثيرا ما تترقى إذا ما عالجها من هو أكثر مهارة من صاحبها , كل تلك الأشياء هي خارجة عن ذات الإنسان و أما الأسلوب فهو الإنسان عينه , لذلك تعذر انتزاعه أو تحويله أو سلخه" (92) ثم تطورت مثل هذه الأفكار وصارت كلمة أسلوب تدل على " ما نذر ودق من خصائص الخطاب التي تبرز عبقرية الإنسان وبراعته فيما يكتب أو يلفظ " (93) كما قال بذلك أحد مفكري القرن الثامن عشر وستتجدد هذه النظرة التي تركز على العناصر الفردية والخصائص النادرة في الخطاب , في الأسلوبية الحديثة , مقترنة بالانزياح كما رأينا مع سبيتزر , معتبرة الأسلوب مجموعة من الانزياحات الممارسة في اللغة , بل ربما كان الأسلوب هو الانزياح ذاته (94) ويعرف البحث الأسلوبي – بناء على ذلك – بأنه علم الانحرافات science des ecarts (95)
وإذا كان ليوسبيترز – كما رأينا – ربط بين مفهوم الانزياح باعتباره " أسلوبا " يتميز به الكلام الأدبي عن غيره من الرسائل اللفظية و بين العبقرية الفردية الخلاقة التي يؤسسها حدس فردي خاص , فهناك بحوث أخرى تدخل في إطار الأسلوبية لم تهتم بمثل هذه العلاقة , وعملت فقط على إضاءة التأثيرات الجمالية التي يحدثها الخروج عن المعيار والتي تشكل الأسلوب , فالعبارة تبقى حسب ماروزو في درجة الصفر غير أن اختيار الكاتب لبعض العناصر من شأنه أن يخرجها من حيادها لتتحول إلى خطاب يتميز بنفسه وهذا هو الأسلوب (96)
ويشكل الانزياح عند تودروف T.Todorov ركيزة لتعريف الأسلوب , ويمنح هذا المفهوم عبارة " اللحن المبرر" التي أشرنا إليها سابقا ويرى تودوروف أن اللغة تتشكل في الواقع من ثلاثة مستويات : المستوى النحوي , المستوى اللانحوي , المستوى المرفوض , وتتحقق اللغة الأدبية أو الأسلوب في المستوى الثاني , حيث ينبغي للمبدع أن ينحرف عن الأشكال النحوية الجامدة التي نلتزم بها في خطاباتنا التواصلية المحضة .
ويهتم ميكائيل ريفاتير بمسألة الانزياح اهتماما كبيرا , محاولا تدارك الانتقادات التي وجهت إلى هذا المبدأ , ويعرف ريفاتير الانزياح بكونه " الخروج " عن النمط التعبيري المتواضع عليه " (97) ويكون ذلك بخرق القواعد حينا , واللجوء إلى ما ندر من الصيغ حينا آخر , فأما في حالته الأولى فهو "من مشمولات علم البلاغة فيقتضي إذن تقييما بالاعتماد على أحكام معيارية , وأما في صورته الثانية فالبحث فيه من مقتضيات اللسانيات عامة والأسلوبية خاصة"(98)غير أن ريفاتير يلاحظ أن مفاهيم الاستعمال الجاري, والخطاب التواصلي, واللغة الوظيفية هي مفاهيم غير دقيقة, ولذلك يستبد لها بمفهوم " السياق الأسلوبي" مما يعني أن بنية النص تقوم هي نفسها على مستويين اثنين" أحدهما يمثل النسيج الطبيعي , وثانيهما يزدوج معه ويمثل مقدار الخروج عن حده"(99), ولتوضيح ذلك يعرف ميكائيل ريفاتير السياق الأسلوبي بأنه " نموذج لساني مقطوع بعنصر غير متوقع والتناقض الناتج عن هذا التداخل هو المنبه الأسلوبي "(100) عند ذلك التداخل أوالتصادم إذن تحدث المفارقة , والقيمة الأسلوبية للتضاد تكمن في العلاقات التي تتأسس بين العنصرين المتصادميين.
لقد لاحظ ريفاتير أن اعتبار الانزياح خروجا عن المعيار لا يحل مشكلة اللغة الشعرية ذلك أن تحديد المعيار أمر صعب من الناحية العملية, فاختار استبداله بمسألة السياق مؤكدا أن " الفرضية التي تعتبر السياق يلعب دور القاعدة وأن الأسلوب يخلق عبر انزياح عنه " فرضية مثمرة" (101) , ولقد قسم ريفاتير السياق إلى نوعين : سياق أصغر Micro-texte , وسياق أكبر Macro-texte , ويقوم السياق الأصغر على المقا رنة بين عنصرين مختلفين, وتحدث الإثارة نتيجة ارتباط هذين العنصرين بعلاقة تنافر أو تضاد, ونحن عندما نقول أن هذه الكلمة أو مجموعة من الكلمات تشكل تضادا مع كلمة أخرى أو مجموعة كلمات , فهذه الكلمة تجعل من الأخرى القاعدة التي تنتهكها, والواقع أن المفارقة الناجمة عن التضاد لا تحدد فقط مكونات الجملة بل تحورها أيضا " ويشكل هذا التحوير في أدنى الحالات البعد الجديد الممنوح لهذه العناصر, أي دورها السياقي, وفي أقصى الحالات يشكل تحولا دلاليا"(102) وفي كلتا الحالتين نجد تجاوزا واضحا للعلاقات النحوية والدلالية السائدة.
وفي مقابل السياق الأصغر يتحدث ريفاتير عن السياق الأكبر ويعرفه بأنه جزء الرسالة الذي يسبق الحدث الأسلوبي, ويتموضع خارجه"(103) ويعلق عبد الله راجع على هذا التعريف , وبالأدق على كلمة " الخارج" هذه , بقوله: " سنتعامل مع هذا السياق لا باعتباره سياقا فضفاضا يشمل النص والواقع والظروف النفسية الكامنة وراء عملية الكتابة – وهو ما يذهب إليه البعض- بل باعتباره تتاليا لوحدات لسنية محكومة بالعلاقات الناشئة فيما بينها"(104) , السياق الأكبر إذن ليس هو التاريخ والمجتمع ومختلف الظروف الخارجية التي تحيط بمرسل الخطاب , كما يبديه الفهم البسيط والسريع للمصطلح, لكنه شيء يتموقع داخل الخطاب نفسه ويمهد للحدث الأسلوبي.
وعلى العموم فالأسلوبية مثلها مثل الشعرية البنائية تؤمن بالانزياح كإجراء لمعاينة " الشعري" في النص , واعتبار الخطاب الأدبي خطابا متعاليا لأنه يبحث عن ا لجمالي, وهو لكي يحقق ذلك ينبغي له أن يطلّق محور التراكيب النفعية ويتجاوزه ليخلق وضعا جديدا للغة. ولعل معظم الدراسات التي تناولت مسألة الانزياح تتفق حول كونه " كسرا" يمارس في اللغة وإفسادا لمنطق الإسناد بإيجاد اختيارات قاموسية خاصة بالشاعر ومختلفة عن المألوف مما يحدث " خللا" في علاقة المسند والمسند إليه, سواء كانت تلك العلاقة تخص الفعل وفاعله أو المبتدأ و خبره, أو الفعل ومفعوله... الخ, وهذا الخلل ( النحو الثاني) هو ما يشكل بلاغة الخطاب الشعري.
إن الانزياح بهذه الصورة هو آلية الخروج عن سلطة اللغة وتكرار تمظهراتها والدخول في مملكة حرية الكلام وإبداعيته, إنه انتقال الخطاب من جماعية اللسان وبلادة الأساليب إلى فردانية فعل التكلم, وحيوية الأسلوب, وهو امتلاك النص لسلطته في مقابل هيمنة المرجع, وهو انتقال بلغة الشعر إلى حيز الدهشة والمفاجأة التي عبر عنها النقد العربي القديم مبكرا بمصطلحات الشجاعة , العدول , الالتفات , الإعجاز , الإقدام على الكلام.
هوامش الدراسة
1-Ferdinand de Saussure :cours de linguistique generale.E.N.A.G reghaia.algerie.1990.p 30.
2- المرجع نفسه. الصفحة نفسها.
3-جون لبونز:نظرية شومسكي اللغوية.ترجمة وتعليق.حلمي خليل.دار المعرفة الجامعية.قناة السويس. مصر.1995.ص74
4-عبد السلام المسدي:الأسلوبية والأسلوب.الدار العربية للكتاب.تونس ليبيا.ط2 1982 ص39.
5-عمر أوكان: مدخل لدراسة النص والسلطة . افريقيا الشرق .الدار البيضاء.المغرب. ط2 1994.ص120
6-خوسيه ماريا , بوثوليو إيفانكوس: نظرلية اللغة الأدبية. ترجمة حامد أبو أحمد. مكتبة غريب .القاهرة . مصر.ص27
7-ابن منظور: لسان العرب.ج2 دار صادر. بيروت. لبنان.ص614
8-Dictionnaire encyclopedique larousse. Paris. France.1979. p464
9-المرجع نفسه. ص464-465
10-عبد السلام المسدي. الأسلوبية والأسلوب.ص100-101
11-Jean Molino,Joelle Gardes Tamine: Intrroduction àl'analyse de la poesie.Presses universitaire de France.1ed. 1982. p129
12-صلاح فضل :بلاغة الخطاب وعلم النص.المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.الكويت.1992 ص63-64
1"-Jean Dubois:Dictionnaire de linguistique. librairie larousse. Paris.France. 1989.p42 14
-نور الدين السد:الأسلوبية في النقد العربي الحديث.رسالة دكتوراه.جامعة الجزائر. 1993 ص149
15-Jhon Cohen: structure du langage poétique .nouvelle bibliothèque scientifique.flammrion.Paris.France 1966. p23 16-عبد الله راجع: القصيدة المغربية المعاصرة.ج1 منشورات عيون المقالات.الدار البيضاء.المغرب. ط1 1987 .ص27
17-Molino,Tamine:introduction à l'analyse de la poésie.p128
18-Roman Jakobson: questions de poétique. editions du seuil.Paris France. p16-17 19- عبد الحكيم راضي:نظرية اللغة في النقد الأدبي. مكتبة الخانجي.القاهرة. مصر. ص46
20-المرجع نفسه.ص57 .
21-ابن خلدون :المقدمة. ج1 دار الجيل .بيروت. لبنان.ص613.
22-ابن جني:الخصائص.ج2 تحقيق محمد علي النجار.مطبعة دار الكتب المصرية . القاهرة1952-1956. ص392-393
23-نصر حامد أبو زيد:إشكاليات القراءة وآليات التأويل.المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء .المغرب. بيروت لبنان.ط4 1996. ص137
24-الباقلاني: إعجاز القرآن.تحقيق السيد أحمد صقر. دار المعارف. القاهرة مصر.1954.ص51-52
25-رجاء عيد: البحث الأسلوبي معاصرة وتراث. منشأة المعارف بالإسكندرية.مصر. 1993.ص149.
26-المرجع نفسه. الصفحة نفسها
27-عبد الحكيم راضي:نظرية اللغة الأدبية. ص211
28-المرجع نفسه.ص212- 213
29-المرجع نفسه. ص214
30-ابن جني :الخصائص.ج1. ص333
31-عبد الحكيم راضي: نظرية اللغة في النقد الأدبي. ص249
32-سورة الفاتحة.الآية4
33-ابن الأثير :المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر.ج2. المكتبة العصرية للطباعة والنشر.بيروت .لبنان .1990.ص05
34-السكاكي: مفتاح العلوم. مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.ط1. 1937. ص150
35إبن الأثير :المثل السائر.ج2 ص12
36-قدامة بن جعفر :نقد الشعر.تحقيق كمال مصطفى.مكتبة الخانجي بمصر.ومكتبة المثنى ببغداد.ط2 1963. ص17.
37- عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة في علم البيان.تصحيح محمد رشيد رضا. دار المعرفة بيروت .لبنان.ص22
38-ابن رشيق : العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده. ج1.دار الجيل .بيروت لبنان.ط5 1981 ص116
39-خوسيه ماريا, بوثوليو إيفانكوس: نظرية اللغة الأدبية. ص19
40-المرجع نفسه.ص20
41-المرجع نفسه. ص22
42-voir Molino, Tamine: Introduction à l'analyse de la poésie.p144-164
43-خوسيه ماريا ,بثوليو إيفانكوس:نظرية اللغة الأدبية.ص24
44-المرجع نفسه.الصفحة نفسها.
45-المرجع نفسه.ص25
46-خالد سليكي :من النقد المعياري إلى التحليل اللساني.مجلة عالم الفكر .الكويت.المجلد 23 العدد1,2.ديسمبر 1994.ص395 396.
47-المرجع نفسه.ص380.
48-Marc Angenot et autres :théorie litteraire. presses universitaire de France.1ed 1989. p34
49-المرجع نفسه. الصفحة نفسها.
50-فاطمة الطبال بركة:النظرية الألسنية عند رومان جاكوبسون.المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.بيروت لبنان.ط1 1993.ص78
51-المرجع نفسه. الصفحة نفسها.
52-M. Angenot et autre :theorie letteraire.p34
53-فاطمة الطبال بركة: النظرية الألسنية عند رومان جاكوبسون.ص78
54-خالد سليكي: من النقد المعياري إلى التحليل اللساني.ص392
55-يان موكاروفسكي: اللغة المعيارية واللغة الشعرية.مجلة فصول.المجلد الخامس.العدد الأول سنة 1984.ص41
56-المرجع نفسه. الصفحة نفسها.
57-Roman Jakobson: questions de poétique.p114
58- M. Angenot et autres :theorie letteraire.p35 59-voir Roman Jakobson:questions de poétique.pp145-146
60- خالد سليكي : من النقد المعياري إلى التحليل اللساني.ص394
61-المرجع نفسه .الصفحة نفسها.
62-J.Cohen: structure du langage poétique.pp41-42
63-المرجع نفسه. الصفحة 42.
64-المرجع نفسه. الصفحة 43.
65-خالد سليكي: من النقد المعياري إلى التحليل اللساني. ص394
66-J.cohen: structure du langage poétique.p48
67-المرجع نفسه.الصفحة49 .
68-المرجع نفسه الصفحة 115.
69-المرجع نفسه.الصفحة 118
70- خالد سليكي : من النقد المعياري إلى التحليل اللساني.ص398
71-J.Cohen: structure du langage poétique .p14 72- خالد سليكي: من النقد المعياري إلى التحليل اللساني.ص399
73-J.Cohen: structure du langage poétique.p 203.
74-المرجع نفسه.الصفحة 111.
75-حامد أبو زيد : إشكاليات القراءة وآليات التأويل , ص187.
76- J. Cohen : structure du langage poétique. p133 .
77-Molino,Tamine: Introduction à l'analyse de la poésie.p128-129
78-المرجع نفسه. ص130
79-المرجع نفسه.ص128
80-المرجع نفسه.ص132-133
81-المرجع نفسه.ص135
82-خالد سليكي :من النقد المعياري إلى التحليل اللساني.ص412
83-المرجع نفسه.الصفحة نفسها.
84-Molino, Tamine: introduction à l'analyse de la poésie.p130
85-المرجع نفسه.ص136
86-المرجع نفسه.الصفحة نفسها.
87-عبد السلام المسدي: الأسلوبية و الأسلوب.ص34.
88-ينظر محمد عبد المطلب:البلاغة والأسلوبية.دار نوبار للطباعة .القاهرة .مصر.ط1 1994.ص185
89- عبد السلام المسدي : الأسلوبية والأسلوب . ص36.
90-خوسيه ماريا,بوثوليو إيفانكوس:نظرية اللغة الأدبية.ص29
91-المرجع نفسه.ص30
92-عبد السلام المسدي:الأسلوبية والأسلوب.ص17
93-المرجع نفسه.ص70
94-محمد عبد المطلب: البلاغة والأسلوبية.ص268
95-برند شبلنر:علم اللغة والدراسات الأدبية.ترجمة محمود جاد الرب.الدار الفنية للنشر والتوزيع.الرياض.السعودية.ص61
96-عبد السلام المسدي:الأسلوبية والأسلوب.ص102
97-المرجع نفسه.ص103.
98-المرجع نفسه.الصفحة نفسها.
99-المرجع نفسه.ص104
100-ميكائيل ريفاتير:معايير تحليل الأسلوب.ترجمة وتقديم حميد لحميداني.دار النجاح الجديدة. الدار البيضاء.المغرب.ط1 1993ص56
101-المرجع نفسه:ص54
102-عبد الله راجع:القصيدة المغربية المعاصرة.ص
103-المرجع نفسه.ص41
104-المرجع نفسه.الصفحة نفسها.
مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 43: خريف 2009 - 7th Year, :July Issue 43