بحوث ودراساتآراء وأفكارعرض أطاريح  CONTACT US   

مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 44: شتاء 2010  -  Issue 44, Year 7th , Jan.

تشكيل معالم النص القرآني عند المستشرقين

رمضان حينوني

– جامعة بشار / الجزائر . كانون أول /ديسمبر2006

 

لجنة المناقشة

د. محمد تحريشي         رئيسا

د. مختار حبار            مشرفا

د. لحسن كرومي        مشرفا مساعدا

د . الشيخ بوقربة         عضوا مناقشا

د. محمد بن حمو          عضوا مناقشا

 

         إن الحديث عن الاستشراق و المستشرقين مرتبط في غالب الأحيان بمجال الدراسات الإسلامية ،          و القرآنية منها  تحديدا . و بقدر ما يرفض المسلم  الكثير من الآراء و التحليلات الاستشراقية المتعلقة بكتاب الله أو بنبيِّه صلى الله عليه و سلم، بقدر ما يجد في ما كتبوه كثيرا من الإيجابيات ؛ و إذا لم يكن منها سوى تنبيه بعض العرب  و المسلمين من غفلتهم تجاه دينهم و تراثهم ، و دفعهم بقوّة إلى الدفاع عنهما، لكان ذلك كافيا ، فكيف إذا عددنا غير هذا ، مثل التَّقَوِّي بآراء المنصفين منهم ، في إطار ( شهد شاهد من أهلها ) لتصحيح نظرة الغرب إلى الإسلام ، خاصة عند الأجيال التي تشرأب أعناقها لمعرفة الإسلام على حقيقته .

         في هذا الإطار  اخترت  هذا الموضوع : ( تشكيل معالم  النص القرآني عند  المستشرقين ) و كلمة تشكيل إنما جيء بها لتناسب نظرة أغلب المستشرقين إلى القرآن الكريم ، بوصفه عندهم كتابا بشريا .       و يبحث في ثلاثة جوانب تخص النص القرآني لفتت انتباه المستشرقين ، و هي  معماره  و موضوعاته      و أسلوبه . و رأيت أن أتناوله عند عدد من المستشرقين ، بدلا من اختيار مستشرق  نموذجا ، لأن هذا التشكيل إنما  يتّضح  من خلال آراء مختلفة ، و لمستشرقين تباعدت بهم الأماكن ، و الاختصاصات،         و ربما طرق التفكير أيضا . فالبحث يهدف ، إلى تقصي هذه الآراء المختلفة ، و نقدها ، للوصول بالقارئ إلى رؤية نرجو أن تكون علمية    موضوعية .

         و الملاحظ  أن المستشرقين يربطون  بين الإسلام بوصفه دينا ينظرون إليه من زاوية رافضة في الغالب ، و بين النص القرآني المبني على لغة عربية معروفة ببيانها و انزياحاتها و غنى دلالاتها .و في هذا الإطار نلمس إسقاطا واضحا من لدن المستشرقين ، أي إسقاط موقفهم من الإسلام كدين ، على موقفهم من النص و أدبيته و خصوصياته ، و هذا شيء  مثير للانتباه ، رغم اعترافنا  بالتفاوت  بين المستشرقين أنفسهم في طبيعة هذا الاسقاط . و إني لأميل إلى قول القائلين بوجود فئة منصفة  و أخرى متحاملة ، فيما يخص النظر إلى الإسلام  و القرآن و ما يتعلق بهما ؛ و هو يعني عدم فصل المستشرقين  في أدبية القرآن ، و عدم وصولهم إلى نتائج واحدة أو متقاربة ، حتى يدفعنا هذا إلى إعادة النظر في مواقفنا تجاهها . بل إن الأمر ليكشف عن أن قراءات هؤلاء في أغلبها ، لم تبلغ المرحلة التي تستجيب فيها إلى البحث النزيه         و المتجرّد من كلِّ خلفية مسبقة .  

         و قد انطلقت من  أعمال المستشرقين، مثل أعمال  بلاشير و جولدزيهر و يوسف شاخت وجاك بيرك  و غيرهم ، و هي التي نفترض أنّها كوّنت في مجملها نظرة خاصة لهذا النص ، بنيت على خلفيات عقائدية    و تاريخية و ربّما سياسية أيضا . و كان من نتائج ذلك خروجها بهذا النص عن حقيقته ،          و تخريجها له بالشكل الذي لا يتفق و خصوصيات اللغة التي نزلت به ، و لا المحيط الذي شمله في مراحله الأولى . و صحيح أنه مهما قلنا عن معرفة المستشرقين للغة التي  يدرسونها ، فإنها معرفة لا ترقى -  في أغلب الأحيان - إلى المستوى الذي يخول للمستشرق الخوض  فيه ؛ فلغة الغربي يحكمها فكر يصعب تكييفه و عقلية الشرق ، أو هكذا يُفهم من كتاباتهم على الأقل .

         والملاحظ هو أن  أغلب الدراسات العربية التي تناولت الاستشراق ، ركّزت على جوانبه التاريخية ، أو من مواقفه من الإسلام ، و نحن واجدون في هذا المجال عددا كبيرا من الكتب و الدراسات ، وصف أغلبها بالافتقار إلى المناهج العلمية الأكاديمية ، لأنها تصب في مجال الدفاع عن الإسلام ضد الحملات الغربية  بعاطفية ملحوظة ، و باندفاعية تتجاهل أحيانا الأمانة العلمية ، و إذا كان من الصعب فعلا الانفلات من العاطفة  و الاندفاعية ، فإن المأمول من هذا البحث أن يكون لبنة متواضعة في صرح أكاديمي كبير .

         و يطرح هذا البحث بعض التساؤلات الهامة منها :  إلى أي مدى تمكن المستشرقون من رصد معالم النص القرآني ، في أبعاده المختلفة : المعمارية و الموضوعية و الفنيّة ؟ وما مدى كفاية النتائج المتوصل إليها في هذا المجال ؟ و هل بنيت أعمالهم  على مفاهيم من شأنها الإحاطة ببناء النص القرآني ؟ و هل الآدوات المستخدمة  كالإحصاء و التصنيف و النمذجة التي يوظفها المستشرق لخدمة أهدافه و توجّهاته تكفل الوصول إلى هذا الهدف ؟ ثم ، هل توجه المستشرقين إلى القارئ الأوروبي بالدرجة الأولى سعي وراء كشف الحقائق ، كما يقتضيها المنهج العلمي ، أم أنه توجيه له نحو ما يراد له أن يعرف ؟

         وللوصول إلى حل لهذه الإشكالية ، لا بد من الانطلاق أولا  من أعمال المستشرق نفسه لا من نظرتنا عنه ، و لابدّ من تفحص الأقوال و الآراء ، و مراعاة ظروفها و خلفياتها ، فنكون إما متقبلين لها أو رافضين لكن بعد تمحيص . و أرى أن الاستعانة  بنظرتنا الإسلامية ، مجسّدة في ما توصل إليه باحثونا الأجلاء  ضرورية ، دون التعصب لها  .

         و تجدر الإشارة هنا إلى أن  المنهج الوصفي هو المعتمد في هذه الدراسة ، للوصول إلى تصور      و رؤيا واضحين . ويقتضي هذا المنهج أدوات إجرائية توصل إلى النتائج المرجوّة ، من ذلك مثلا المقارنة التي أرى أن لا مناص منها لتقويم عمل المستشرق أو إثرائه . و هي مقارنة تجرى أحيانا بين أعمال المستشرقين أنفسهم ،  و أحيانا أخرى بين أعمالهم و أعمال الدارسين العرب و المسلمين ، باعتبارها الأساس في الدراسات القرآنية ، و الأقرب إلى لمس الحقيقة الإسلامية. و قراءة القراءة  ضرورية   أيضا ، إذ لا يمكن أن تكون قراءة المستشرق نهائية أو حاسمة ، مهما ادّعى معرفة و خبرة بمناهج البحث  و طرق التفكير .

         و قد تشكل هذا الموضوع من مدخل و فصول ثلاثة ، و قد جعلت الحديث عن موقع النص القرآني في كتابات المستشرقين مدخلا ، و فيه محوران : بدأتهما بعرض  نظرة فريقين من المستشرقين للنص القرآني ، فهو عند هؤلاء نص بشري و تراث إنساني ، و على هذا الأساس يجب أن يعامل و يحلل ؛ و هو عند أولئك نص إلهي مقدس  كغيره من الكتب السماوية ، إن لم يكن أفضلها   و أغناها ، ثم ختمتهما بانعكاس الفكر الاستشراقي على الفكر العربي ، نتيجة التواصل العربي الأوروبي منذ عصر النهضة العربية .

         و قد عنونت الفصل الأول بـتشكيل المعلم المعماري للنص القرآني عند المستشرقين ، و يدخل في  هذا الإطار التقسيمات التي اعتمدوها ، سواء منها الزمنية عن طريق اعتماد العهود على النمط التوراتي  الإنجيلي ، أو الشكلية مثل البنية الكلية و البنية الجزئية للقرآن الكريم ، و مسألة الأصيل  و الدخيل في النص القرآني ، و الاتهامات التي نتجت عن نظرية الدخيل خاصة ما تعلّق منها  بالألفاظ  ، لجعل القرآن مجرّد نسخة عربية من الكتب السماوية الأخرى .

         أما تشكيل المعلم الموضوعاتي فقد اكتفيت فيه بموضوعات أربع رأيت أنّها نالت حظا كبيرا لدى         المستشرقين ، لحساسيتها و أهميتها عند المسلمين . ففكرة الوحي التي تعيد القرآن إلى مصدره الإلهي ، هي عند بعضهم  مجرد علامة على عبقرية النبي صلى الله عليه و سلم ، و الدعوة في مكة تختلف عن الدعوة في المدينة ، مما يعني - عندهم - أن الدعوة تتحول من عهد إلى آخر ، و التشريع الإسلامي ما هو إلا قوانين استقاها المسلمون من مصادر خارجية ، أما الجهاد أو ما يسمونه الحرب المقدسة ، فهي العدوان و الإكراه و التسلط . إنّها موضوعات إذن  من الأهمية بمكان ، بحيث تبدو بقية الموضوعات ظلالا من ظلالها .

         و في تشكيل المعلم الأسلوبي  عنوان الفصل الثالث ، اقتصرت أيضا على أربعة عناصر مهمة هي : معلم  الصورة الفنية ، و معلم القصة ، و المعلم الإيقاعي ، و معلم التصريح و التلميح  . و ركزت على التخبط الذي وقع فيه أغلب المستشرقين في هذا المجال الذي يتطلب معرفة خاصة باللغة العربية ، و بالبلاغة العربية ؛ مما نتج عنه لجوءهم إلى الأحكام الانطباعية البعيدة عن روح البحث النزيه ، و عن الذوق العربي لأن القرآن نص عربي .

         و قد حاولت جهدي أن أستند إلى المصادر و المراجع الثرية ، التي تسهل عملي هذا ، و لا أدّعي أن الأمر تيسّر لي ، رغم أن الذي توفر لدي لا يستهان به . فالمراجع الأجنبية كان لها دور أساس في إنجاز هذا البحث منها  ، خاصة  أن أصحابها من أعلام الاستشراق ، أو المطلعين بعمق على التاريخ العربي       و الإسلامي ،  و أذكر منها : ( القرآن ) لبلاشير ، و ( العقيدة و الشريعة في الإسلام ) لجولدزيهر ،            و ( التعابير العربية في الوقت الحاضر ) و ( الإسلام في زمن العالم ) لجاك بيرك ، وهي باللغة الفرنسية ، و من الكتب المعربة : ( تاريخ الأدب العربي ) لبلاشير ، و ( كيف نفهم الإسلام ) لفريتجوف شيون ،      و ( الفكر العربي و مكانه في التاريخ ) لدي لاسي أوليري ، و ( أصول الفقه ) ليوسف شاخت ، و غيرها . و لا أنتقص من قيمة ما لم أذكره من مراجع حديثة ، كان لها الفضل في إنارة طريقي ، و في إثراء بحثي . مثل ( الظاهرة القرآنية ) لمالك بن نبي، و ( التصوير الفني في القرآن ) لسيد قطب .

         كما استعنت ببعض  من أمهات الكتب مثل : ( تأويل مشكل القرآن ) لابن قتيبة و ( بيان إعجاز القرآن ) للخطابي و( إعجاز القرآن ) للباقلاني، و ( متشابه القرآن ) للقاضي عبد الجبار، و ( دلائل الإعجاز ) للجرجاني ) .  

         غير أنّه لا بد من الاعتراف ببعض الصعوبات التي اعترضت مسعاي، و أخص بالذكر، ترجمة النصوص عن الفرنسية ؛ و قد اجتهدت في أن أنقل معاني ما أترجم بحيث تكون الفكرة واضحة     وصحيحة ، كما أنني استعنت ببعض من زملائي في تقويم ما أترجمه ،  و ليتجاوز القارئ إن لم يجد الدقّة المتناهية في الترجمة ، فالمهم - كما أرى - أن تصل الفكرة سليمة ، ليُبنى عليها نقد سليم .

         و إذا كان لهذا البحث من نجاح ، فإن الفضل في ذلك يعود إلى  ما بذله أستاذاي الدكتور مختار  حبار ، و الدكتور لحسن كرومي من جهد في  توجيه البحث وجهته الصحيحة ، و ما خصصاه له من وقتهما الثمين و اهتمامهما المقدر  ؛ شاكرا لهما سعة صدريهما  أمام ما وجداه مني من تقصير أحيانا  ،     و معاملتهما الطيبة المشجعة ، و نصائحهما السديدة التي كانت لي معينا على تخطي الصعاب ، و تدليل العقبات . كما يعود الفضل أيضا إلى أساتذتي الأجلاء الذين أمضيت معهم سنة نظرية كلها علم وفوائد       و توجيه ، و أخص بالذكر الدكتور محمد تحريشي  الذي فتح لنا  مشروعه في ( النقد و الإعجاز ) بابا واسعا في البحث الأكاديمي كنا في أمس الحاجة إليه. فلهؤلاء جميعا خالص  الشكر  وعظيم العرفان ،       و أسأل الله التوفيق و السداد .

                                                            ramhin@yahoo.fr           

 

مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 44: شتاء 2010  -  Issue 44, Year 7th , Jan.