بحوث ودراساتآراء وأفكارعرض أطاريح  CONTACT US   

مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 42: صيف 2009  - July 7th Year: I

إشكالية العنف في الأسرة الجزائرية قراءة في النص الروائي

الدكتور الشريف حبيلة

قسم اللغة العربية و آدابها- معهد الأدب و اللغات المركز الجامعي العربي تبسي

تبسة -  الجزائر

صورت الراوية الجزائرية المعاصرة المرأة زوجة و أما و أختا و حبيبة، و رسمت علاقتها بالرجل، و موقفه منها موقفا يتباينا تبعا لتكوين صاحبه؛ حيث نظر إليها أحيانا عبر رغبته الغريزية، فاختزلها في الجسد، و أحيانا وجد فيها أداة إنجاب وظيفتها عمل البيت، بينما أرادها المثقف غير ذلك، محاولا الاهتمام بها ككيان إنساني، لكنه لم يقدمها إلا من خلال علاقته الجنسية بها،  لينتهي بها إلى جسد مصدر اللذة، كما هو حال بطل ( سيدة المقام )، و حروف الزين في (يصحو الحرير ) ، فقد جاءت الرواية مدافعة عن المرأة، و دون أن يدرك الراوي سيطرت عليه صورة المرأة الجسد الكامنة في منطقة اللاوعي، حددت رؤيته لها، ثم علاقته، أو علاقة الرجل بها، التي انحصرت في الجنس.

ينطوي تحت هذه الرؤية عنوان رواية واسيني الأعرج ( سيدة المقام )، الدال على إيقاع موسيقي، و عندما يسند إلى ( سيدة ) التي هي حتما أنثى تمتلك المقام، فإنها لا تمتلكه إلا بجسدها، تعبر عنه حركات الجسد و هو يرافق أنغام المقام في متن النص، تحضر مريم من خلال جسدها، و هي ترقص، يصف الراوي حركات جسدها في فصل كامل، و إذا كان المقام يدل على وضع ما، و هو مستبعد، فإنه مقام الجنس، و هي أيضا سيدته في علاقتها بالراوي، و قد احتوى النص على بعض الإشارات الدالة عليه، كان الراوي يتعمدها.

و في ( يصحو الحرير ) تحكي الحكاية امرأة، هي حروف الزين، و رغم أنها فنانة تشكيلية ترتهن ذاتها في جسدها، حين حديثها عن علاقاتها الجنسية مع الجندي ممو العين، و علها كانت ضحية النظرة الذكورية التي وقفت حائلا دون تخلصها من أسر الجسد، لأن كاتب النص رجل ( أمين الزاوي )، لم يترك لها الحرية كراوية، تؤدي لعبة القص، فارضا عليها صورتها الراهنة التي هي صورة الجسد.

لا يشذ راوي ( تيميمون ) في نظرته للمرأة، فلا يرى فيها غير الجسد <<يهزني فيها ذلك الجسم المرن و الهندام المهفهف و البشرة المصقولة و الصدر المسطح و الأعين البنفسجية و قد تحول لونها إلى الأزرق الفاتر بعد أن شربت برفقتي كأس فودكا فريدا. انبهرت إذن بكل هذا الجمال و على وجه الخصوص بمظهرها الرجولي >>(1)؛ لا يكتفي الراوي باختزال المرأة في جسدها، بل يسلبها حتى جسدها الأنثوي، و يلبسها جسد الرجل بدافع عقدته التي تربت معه منذ الطفولة، كان سببها الأب المتسلط، الممارس لرجولة طالت عدة نساء، ونشأ هو تحت الضغط الأبوي صاحبه إلى سن الأربعين، و خلال رحلة العمر سلبه رجولته، ففقد انجذابه نحو الأنثى.

 من هذا المنطلق نرى أن الذات الأنثوية لا تملك حريتها، تحضر في النص تابعة للرجل، يضعها ضمن ممتلكاته، سلعة يستهلكها، و يفرض عليها سلطته، فتضمحل ذاتها، و لا تظهر إلا من خلال رجلها، حينها تنفتح علاقتها بالواقع على المأساة و العذاب، تؤدي دور الضحية التي لا تجد لنفسها حلا في مجتمع قاهر، لا ملاذ منه سوى الهروب، أو التعايش مع قهره و حرمانه، و الانطواء والعزلة النفسية.

إنها صورة الزوجة في رواية ( تيميمون ) أم الراوي، امرأة مثالية، تكتسب مثاليتها من نظرة الرجل إليها، الذي يحددها في إفناء وجودها في وجوده، وفكرها في فكره، و مشاعرها في مشاعره، و فعلها في فعله، تغلف ذلك بالرقة والتسامح و العطاء، لتنحدر إلى مستوى الشيء، يرسمها النص شخصية نمطية، يفرض عليها المجتمع دورها في الحياة، و يسلب فرديتها، و تنصاع هي خاضعة لقمع الرجل بسلبية، تضحي بذاتها لأجله، ثم تهرب إلى الصبر، محافظة على وضعيتها تلك داخل المجتمع. هذه صورة أم الراوي نتاج رغبة الكاتب و فكرته عن الزوجة التي يراها خاضعة لمجتمع لا يسمح بأنثى لها كيانها المستقل.

تقوم المرأة بدور المحافظة على المؤسسة الزوجية، دور يرفضه الراوي، ويتحدث عنه << أما أمي فكانت على عكس ذلك. كانت طيبة و ساذجة إلى حد الإفراط و غير قادرة على فهم استراتيجية البطاقات البريدية التي خططها لها زوجها، و كانت أمي هي الأخرى و بطريقتها الخاصة غائبة عن الوجود و قد غلبها أبي و تغلب عليها بمبادراته الغريبة و مناوراته الكريهة، فباتت مصدومة، مسمرة في منزلها، مترقبة عودة رب بيتها أياما و أسابيع و أشهر طويلة >>(2)، هي ذي صورة الزوجة، شكلتها المسندات ( الطيبة، السذاجة، الغياب عن الوجود، المصدومة، المتسمرة في المنزل، المنتظرة )، صفات تقدم امرأة خاضعة مقهورة، تشيأت حتى صارت شيئا يملكه الرجل، يعود إليه كلما أراد استهلاكه، نمطية يرفضها الابن، و لأجلها كره الأب، يظهر كرهه في وصفه سلوكياته بالكريهة، مع استغرابه لها.

و يستحضر اسم الإشارة ( ذلك ) المسبوق بكلمة ( عكس ) في المقطع صورة الأب الذي كان << ثريا جدا و مسافرا و أنانيا رهيبا. و كأنه قد أصيب بمرض التنقل و الترحال، فمن قارة إلى أخرى و من امرأة إلى أخرى و من صفقة تجارية إلى أخرى >>(3)، يرى الراوي أن الأب يمارس رجولته بعنف، تقاسمتها الأسفار و النساء و التجارة، بينما أهمل زوجته، يستعيض عنها بنساء أخريات، لأنه يملك المال.

بهذين النموذجين يقدم النص ثنائية ضدية، في غير وضعها الطبيعي، الأصل فيها التكامل ( رجل/امرأة )، عالم الرجل في مقابل عالم المرأة؛ تشكل الأول الألفاظ ( الثراء، السفر، الخيانة )، و هي سلبية، يراها صاحبها إيجابية، يجد لها مبررات، مقابل وفاء الزوجة، و تشكل الثاني الألفاظ ( الطيبة، الساذجة، الغياب، الانتظار )، ذات محمولات دلالية سلبية، الزوجة المضحية من أجل الحفاظ على الأسرة، لذا تضمحل ذاتها، و تغيب عن الوجود، لا كيان لها مستقل خارج كيان الزوج الغائب طوال الوقت، و لا تظهر في النص إلا في علاقتها بالرجل، تكسب وجودها، و تعريفها في ظل هذه العلاقة، و هكذا <<فإن المرأة تعاني معاناة مضاعفة، لكونها الأضعف في صياغة العلاقة الاجتماعية بينها وبين الرجل، بحيث تصبح مجردة من مزايا كثيرة تستلب حريتها، مقارنة بالرجل الذي تصبح هذه المزايا حقا شرعيا له بحكم الأعراف و التقاليد >>(4)، فلا يبقى أمامها سوى الخنوع و الرضا، و عقاب الذات بعقدة الذنب، ثم خدمة الزوج متى عاد، مع الحرص على عفتها، و التأقلم مع الواقع.

يتحدث الراوي عنها في ألم شديد، و نقم كبير على الأب المتسبب الرئيس في ألم أمه << كانت أمي تملك مزاجا وهميا و خياليا، لا علاقة له بالواقع الملموس، دائما صامتة دائما ساهية، دائما مزروعة في غربتها، فلا تبيّن شيئا و لا يمكن قراءة أي شيء من خلال نظرتها الخالية من كل تعبير و من كل عبرة، لكنها كانت تحمل على وجهها سمات المسالمة و المحايدة و نوعا من الإحساس المشبع بالعزلة و الطهارة و الوفاق و الانغلاق و كأن الزمن قد توقف نهائيا بالنسبة لها و ذلك بقرار من زوجها المغياب >>(5)؛ إن الشعور بالاغتراب ناتج عن افتقادها الآخر كذات متفهمة لوجودها الإنساني، تضل محاصرة قابعة داخل حدود الذات لا تتجاوزها، محاطة بواقع مؤلم، تستبدله بالوهم و الخيال؛ بدل الانتفاضة، و الثورة عليه، يتعجب ابنها لعدم احتجاجها على خيانة زوجها لها، و غيابه الطويل، بل بالعكس تصير لوحة عناصرها ( المسالمة و المحايدة )، خالية من أي ملامح تنبئ عنها، و بعيدة عن اتخاذ أي موقف تجاه واقعها.

إنها امرأة ميتة الروح، ميتة الجسد وظيفيا، و ذلك بقرار من زوجها، هي الثنائية الضدية إذا، الصمت مقابل الكلام، الانحباس مقابل الحركة، العزلة مقابل الاختلاط، الوفاء مقابل الخيانة... << و تتشكل طقوس الصمت من ازدواجية معينة، ذلك أن المرأة كما تشير وولف في الغرفة منتمية و لا منتمية صامتة ومنتجة كلام في الوقت ذاته، إنها كائن تشكل اجتماعيا كي يصغي بصبر إلى الرجال، و لكنها تستخدم فضاء الإصغاء الهادئ لتخلق فضاء لنفسها تستطيع أن تفكر فيه >>(6)، لكنه تفكير لا ينتج موقفا إيجابيا، بل يعمق فعل القهر.

لقد صارت المرأة متموقعة في الهامش، بعد أن فقدت ذاتها و هويتها، وذابت في الرجل؛ ثم تحولت إلى سلعة يستهلكها، و لأنه يمتلك العامل الاقتصادي يجعل منها شيئا، تمكنه سلطة المال من الحركة، بينما تعجز هي بافتقادها لها عن التحرك؛ << لكن في الواقع كان الرجل مريضا بالتمظهر و التبجح والتغطرس، و لا يهتم بهذه العلاقات النسوية الكثيرة إلا لإبراز قدراته الجنسية و إمكانياته المالية >>(7) تشكل الذكورة مع المال مقابل الأنوثة المعدومة في مجتمع قمعي بتقاليده قهرا متصاعدا، و متعدد الأطراف، تعانيه المرأة المسلوبة الإرادة والإنسانية، لذا فامرأة هذا حالها << هي امرأة تابعة خاضعة لمالك القوة الاقتصادية، الرجل، فعدم انتاجها هو سر عبوديتها و خضوعها المطلق للرجل المعيل سواء كان أبا أم أخا أم زوجا. إن ضعفها ليس فطريا و استسلامها للرجل ليس صفة أصيلة ناشئة عن ضعف مقدرتها العقلية و قواها الفكرية >>(8)، بل بسبب اتحاد قوى القهر الاجتماعي و الاقتصادي التي صنعها المجتمع، الذي سيده الرجل، تسانده العادات و التقاليد، مرتكز سلطته. هكذا تبقى أم الراوي في دائرة الزوج سجينة ذات لم تتحقق، يستهلكها الرجل و الأولاد، و المجتمع.

تتكرر صورة الأم المستلبة من طرف الزوج في رواية ( الشمعة و الدهاليز )، فهذا الشاعر يحكي عن ظلم أبيه لأمه، الذي دشن << حياته التواطئية بتطليق أمي، بعد ما وضعني جنينا في أحشائها >>(9)، و الأب هنا صورة مكرر للأب هناك، رجل غني، يمكنه ماله من الحصول على النساء، كما يحصل على أي شيء آخر يدفع ثمنه، و إذا انفصل الأول عن زوجته بسبب السفر الطويل، فإن الثاني انفصل عنها بالطلاق، لأنها رفضت أن تعيش ضرة، ترى أن لها الحق في امتلاك رجلها كما له هو الحق في امتلاكها، غير أنه يرفض أن تشاركه هذا الحق، ويطلقها.

تترك لحرمانها عقابا بحجة عدم إنتاجها رفقة أبنائها، يستشهد أحدهم، ويلتحق الآخر بالجيش، و تبقى هي وحيدة << مع ثلاث بنات تعاني العزلة والمرارة، و ضيق ذات اليد، فما كان يدفعه لها قليل جدا و كثيرا ما ينسانا عدة أشهر >>(10)، يولد سلوك الأب عند الشاعر الابن الحاجة إلى السلطة والحماية، ينزع عنه صفة الأبوة، و يتعمد استفزازه و إغضابه، ليذيقه مما أذاقه هو للأم، دون أن يجد حرجا في الاعتراف بذلك << سررت عندما رأيته يغضب، كانت تلكم بغيتي، و قررت من يومها أن أثيره كلما التقيت به >>(11).

تتجسد الحاجة إلى الأب أكثر في التحقيق الذي أجرته الأم مع ابنها بعد عودته من لقاء جمعه بأبيه، كما تستفسر ما إذا كان زوجها السابق يهتم لأمرها، و لحال أبنائه الاجتماعية و الاقتصادية المزرية << هل حدثك عني، هل سألك أسئلة تتعلق بي، و عن أخواتك، ماذا قال؟ هل سأل عن دراستهن، هل سأل عن أحوالهن؟ عن انشغالاتهن؟ هل قال لك كم مرة تأكلون اللحم في الشهر؟ وهناك، أين تقع دارهم؟ هل هي كبيرة؟ كم غرفة فيها؟ >>(12)، تتوالى الأسئلة مركزة على المرأة، ثم البنات، ثم الوضع الاقتصادي للأسرة، ثم الاجتماعي؛ يكشف سؤال الأم ما إذا سأل عنها زوجها السابق عن حاجتها للرجل، ليس فقط لرغبة، بل اقتصاديا، فقد دجنت منذ الطفولة بحيث لا يمكنها العيش من غيره، و لأنه يعرف ذلك فقد تعمد النسيان، ليبرهن لها أنه ضرورة، من دونه تستحيل الحياة، و << نجد أن الهاجس الأساس في قمع حرية المرأة، يكمن في خوف أساسي عند الرجل، فالمواضيع التي تدخل في ملكيته، لا يمكن الحفاظ عليها إلا في قمع الرغبة لها، فهي ما دامت في إطار الحاجة و الطلب تبقى مرتهنة به، ملتزمة في الانصياع لرغبته أو أمره >>(13)، و إن كانت مطلقة.

و يلتقي القارئ مع هذا الأب أيضا في رواية ( يصحو الحرير )، كرهت ابنته الزواج بسببه << نفوري من الزواج سببه معاملات أبي لزوجاته الكثيرات، هن ستة ربما أكثر... كان يقول أنا لم أسمع منه ذلك، و لكني متأكدة من ذلك: إني مثل الرسول محمد "ص" خاتم الأنبياء و الرسل، لم يعرف عدد زوجاته، أنا على سنة جدي الأول>>(14)، و ليس السبب فقط كون الأب رجل تدفعه غريزته إلى إشباعها، بل لأنه يمتلك المال أيضا، نثره في مهور الزوجات، يملك بحكم وظيفته مترجما محلفا في المحاكم سلطة التطليق و الزواج كيفما شاء؛ إنه شخصية منحها تكوينها البيولوجي ( الذكورة )، و الثروة القدرة الشرائية، والوظيفة سلطة التنفيذ، لذا راح يتزوج و يطلق، دون أدنى عبرة بالإنسان المرأة، التي سيتزوجها مع نيته المسبقة في تطليقها لاحقا؛ و ما ذلك إلا امتهان واحتقار، و تشييء لها.

و تعتبر أم حروف الزين ضحية لنزوة الأب، حيث حشرها و ابنتيها في غرفة، و هيأ الأخرى لعروسه الجديدة، التي انتهت بالضرب و الطرد، ما زالت البطلة تذكرها <<أبي الذي كان يطعم جاكلين من يديه ينقلب هكذا فجأة إلى وحش يسب المرأة الجميلة و ينعتها بالكافرة، بدت كلمة "كافرة" كبيرة ومخيفة، صورة أبي و هو يصفع جاكلين على وجهها الملائكي المصقول محفورة في رأسي >>(15).

تؤكد كلمة ( وحش ) في مقابل ( المرأة الجميلة ) وحشية الفعل المقترف على الأنثى، يجعل العلاقة مستحيلة، إذ يستحيل الجمع بين وحش و جميلة؛ لذا كانت النتيجة (صفعة ) أنهت العلاقة. هناك ازدواجية في معاملة الرجل للمرأة، فمرة يطعمها بيد، و مرة يصفعها بأخرى، يفرغها من إنسانيتها بحجة حريته في التعامل معها كيف شاء، و في كلا << الحالتين جرى تجريد المرأة من إنسانيتها و تضخمت سلبياتها أو إيجابيتها لإخراجها من شرط الإنساني الذي يقتضي النظر إليها بأسلوب مبرأ من القمع و التزلف>>(16).

نرى أن شخصية الأم المحبوسة تتكرر، متحركة على وتيرة واحدة في صورة نمطية، تلعب دورا محددا سلفا؛ تحضر مسلوبة الشخصية، قالبا يبدو مثاليا وفق نظرة المجتمع، لكنه محكوم بالانصياع و الخضوع و السلبية، بلا مواقف أو ردود أفعال. في المقابل تتكرر صورة الأب الشبقي المتعطش إلى المرأة الجسد، يسعى دوما وراء ها هدفه إشباع عطشه الجنسي، غير عابئ بأن التي يضطهدها تملك كيانا إنسانيا، بل يتمادى مستغلا سلطته و ماله، فيمتلكها وقت شاء، و يتخلى عنها إن شاء، و حتى عند الطلاق يشعرها بأنها تحت سلطته ما دام المنفق عليها، تربطها به الحاجة و العوز، و يحاصرها المجتمع، فتقبع بالبيت رهينة سلطة الرجل.

تبدو الذكورة في المستوى الدلالي كقدرة على إعادة الإنتاج جنسيا واجتماعيا, و قدرة على القتال، و ممارسة العنف، الانتقام خاصة، عكس المرأة ممثلة الشرف، موضوعا للدفاع عنه، أو فقدانه، لا مزية لها سوى الإخلاص؛ بينما يسعى الرجل بما يملك من إمكانات إلى تحسين وضعه بالسعي نحو المجد والتميز في المجال العام، فلم يستطع رؤية المرأة كيانا مستقلا له ذاتا تشكل الآخر بأصالته، إنما نظر إليها انطلاقا من ذاته و غريزته، فكانت عنده مصدرا للجنس ورحما ينتج له أطفالا، و عاملة تقف على راحته، و هي موضوعات تعبر عن واقع المرأة الاجتماعي و الثقافي و الإرث الحضاري الذي تتحمل تبعات سلطاته بمختلف أشكالها, سواء كانت سلطة ثقافة المجتمع التي كرست سلطة الرجل الذي لم يتوان في ممارستها ضد المرأة.

يتجسد القهر الذكوري في صورة الأب، أو الزوج الغائب، يقسو على أفراد أسرته خاصة الزوجة، يعرضهم للإذلال و الإهمال، يطال قهره الجميع، تعانيه الشخصيات بحكم عقد اجتماعي ( الزواج )، يتسبب في قهر نفسي، تعيشه المرأة زوجة و أما، و تنخرط في غربة قاتلة، تتمحور في الإحساس بفقدان الذات أكثر من فقدان الرجل، لذا تكون الغربة هي القاهر الأول للذات؛ بمعنى أن الذات هي قاهرة الذات، أي أن المرأة بشكل ما هي سبب القهر الذي تعيشه، مرجعه الواقع الاجتماعي، و تاريخ التقاليد، بينما القهر الذكوري و النفسي تجل له فقط. هذا التجلي في النص يمثله بقوة الرجل، لما يكون موضوع القهر هم الأطفال إضافة إلى الأم، يظهر في الهجر و الإهمال، و الجاني هن نساء أخريات، وهنا يكمن القول أن المرأة تساهم في قهر المرأة، عن وعي أو عن غير وعي.

يصل القهر في ( بين  فكي.. وطن ) إلى حد إلغاء إرادتها، وسلب إنسانيتها، بل و تجريدها من جسدها، حتى أنها لا تشعر به إلا من خلال الرجل القاهر، كل ذلك كونها أنثى لا تمتلك خصائص الذكر، <<احتملته إلى درجة التلذذ بآلامه و الصبر عن أوجاعه بشهوة مازوشية قاسية...>>(17). يدفع هذا الجوع الأنثوي إلى الذكورة بحياة إلى الانتظار، والصبر من أجل الحصول على يد حانية دافئة كأقصى مطلب، تسعى إلى كسبها بالاستسلام، و احتمال الإذلال والعذاب، و بمرور الوقت يتحول ذلك إلى لذة تشتهيها، تتلذذ بألم الذات المعذبة بيد فائق الذكر الغني المانح.

و لا تجد لذلك بديلا، فتفضل الانتظار، بل << إنها على استعداد لأن تنتظره و تواصل انتظاره العمر كله.. لا خيار لها إلا ذلك... و لا مفر لها من ذلك ..>>(18) ؛ هذا الارتباط غير الطبيعي ( غير الشرعي ) بالرجل أصبح حتمية، يجد تفسيره في طبيعة العلاقة التي تربط حياة بفائق، و قد غذتها، ورسختها القوانين الاجتماعية، المعاقبة للمرأة إن أخطأت، و المتسامحة مع الذكر، تتركه بلا عقاب، بينما قد يصل عند الأنثى حد القتل، و لأن  المرأة من هذا النوع التي تفتقر إلى الخبرة الحياتية و السلطة المالية، و الرازحة تحت ضغط التقاليد تلجأ إلى الاستسلام، و الخنوع في علاقتها مع الرجل، من أجل تحقيق ما تطمح إليه، فقد حملت حياة، و عندما فرت من البيت خوفا من القتل على يد الذكر الواقف حارسا على حدود الشرف، جاءت فائقا متسولة الزواج، تقابل بالرفض، و التهديد، و يكتفي بأن يلقي عليها اللوم لأنها لم تتخذ احتياطها.

هكذا هي نظرة الرجل للجنس، ينهمك هو في إشباع غريزته، يريدها هي متيقظة حتى لا يقع الحمل؛ و إن كانت العلاقة خطيئة من أساسها، فالقهر في وضع كهذا يتجلى بعنف، ينتجه الرجل مستغلا السلطة التي منحها إياه المجتمع، مقابل ضعف المرأة، فيستغلها جنسيا، و تتحول هي إلى << ذيل حقيقي لفائق>>(19).

و حين يراها عالة عليه، تثور في صمت، مما يؤكد تبعيتها و استلابها، من حيث ترفض دون امتلاكها القوة في الانعتاق، لأن اعتبارها متوقف على الزواج، و هو يرفض الزواج و << يتأمله... يتأمل خضوعها و استسلامها الذي يغذي غروره و أنانيته>>(20). إن العلاقة الجنسية التي تورطت فيها حياة، أضعفتها، وأضاعت شخصيتها، و ذاب كيانها الإنساني في كيان صاحبها، فتطلب رضاه للحفاظ على حظوتها لديه، رغم أن الخوف يتملكها من عدم حصولها على فائق زوجا؛ ثم إن التورط في هذه العلاقة، و تعميقها جنسيا بالعيش  معه في بيته غير مرغوب فيها من طرفه، لأنه ينظر إليها كعلاقة عابرة، و هو رجل يرى المرأة مجرد متاع، أداة للمتعة، و مع إدراكها لذلك لا تجد خيارا آخر غير الخضوع له، فالارتباط الجنسي الغير شرعي في المجتمع يساوي الضياع، تدفع ثمنه المرأة. 

و يقدم حادث الاغتصاب الذي استغرق فصلا كاملا في (سيدة المقام) تحت عنوان ( محنة الاغتصاب ) صورة أعنف للقهر الممارس على يد الرجل ضد المرأة، فقد تمنعت مريم عن زوجها منذ الليلة الأولى، و بقيت على موقفها إلى أن قرر الزوج ذات ليلة اغتصابها، ليثبت أنه رجل فحل، في مجتمع يرى في الدخلة رمزا للرجولة، و نقرأ فعل الاغتصاب على أنه فعل عدواني ذكوري، يختزل المرأة إلى مجرد عضو جنسي يعبر به الرجل عن فحولته << و في إطار توصيف نتائج الاختراق و الكشف و آثار التلقي و الاستقبال تتنوع الصياغات الدالة بمعظمها على الألم و الشعور بالخيبة الناجمة عن أنانية الطرف الآخر أحيانا، و من همجيته و عدوانيته و قيامه بدور المفترس أو الغازي أحيانا>>(21).

و هذا يثبت أن الرجل لم يستطع في واقع اجتماعي قاهر إدراك أن المرأة كيان مستقل عنه، نظر إليها عبر ذاته، و غريزته، و اختزلها إلى جسد مصدر للذة؛ بنى موقفه الاستغلالي على أساس اقتصادي، بامتلاكه المال، لأن المجتمع جذر << فروقا بين الجنسين كتقسيم العمل، و سيادة الرجل على النساء، وحصر النساء بأعمال نسوية الطابع في فعل الإنتاج الاجتماعي >>(22)، وتضخيم البعد الجنسي في المرأة قضى على الأبعاد الأخرى، أو جعلها أقل ظهورا.

و من جهة أخرى يكون موقف الرجل من المرأة بسبب شخصيته المأزومة، وفحولته المعطوبة، لذا يظن أن الأنثى الجسد هي تعويض عن فحولته، و إثبات لها، تمنحه فرصة التأكيد للمجتمع أنه رجل فحل، و لو تطلب ذلك الاغتصاب <<و هنا تتدخل من جديد عين المذكر لتصوغ هذا العالم المسقط انطلاقا من مخيال المذكر و أحلامه، و كذا من المظلة الثقافية التي تفسر سلوكه، و كذا سلوك المؤنث >>(23).

و أخيرا يمكن القول أن المرأة حتى و إن كانت متمردة في سلوكها، فإنها مستلبة الفكر، مقيدة الوجدان، و بالتالي لا تملك إرادة الحركة و الانطلاق مستقلة، بل يوجد دوما من يملي عليها حركتها سواء كان شخصا مثله (الرجل)، أو ضغوطا معنوية تشكلها الضوابط و المفاهيم الراسخة في المجتمع، التي تحتل وعيها، و تحدد نمط شخصيتها.

 

الهوامش:

 (1) – رشيد بوجدرة: تيميمون المؤسسة الوطنية الاتصال و النشر ولإشهار، الجزائر ط2/2002 ص 15

(2) – المصدر نفسه ص 18

(3) – المصدر نفسه ص 18

(4) – حسين مناصرة: المرأة و علاقتها بالآخر في الرواية العربية الفلسطينية، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت ط1/2002 ص 389

(5) – رشيد بوجدرة: المصدر السابق ص 19

(6) – رضا الظاهر: غرفة فرجينيا وولف، دراسة في كتابة النساء، دار المدى للثقافة و النشر، سوريا ط1/2002 ص 217

(7 – رشيد بوجدرة: المصدر السابق ص 91

(8) - إيمان قاضي: الرواية النسوية في بلاد الشام، السمات النفسية و الفنية، 1950-1985، الأهالي للطباعة و النشر و التوزيع، دمشق ط1/1992 ص 63

(9) –  الطاهر وطار: الشمعة و الدهاليز منشورات التبيين، الجاحظية الجزائر  1995 ص 82

 (10)  -  المصدر نفسه ص 84

(11)-  المصدر نفسه ص 84

(12)-  – المصدر نفسه ص 84

(13) - عدنان حب الله: التحليل النفسي للرجولة و الأنوثة من فرويد إلى لاكان، دار الفرابي، لبنان ط1/2004  ص220  

(14) – أمين الزاوي: يصحو الحرير دار الغرب للنشر و التوزيع، الجزائر ط1/2002 ص 56

(15) – المصدر نفسه ص 61

(16) – محي الدين اللاذقاني: الأنثى مصباح الكوز، أوديسة النساء بين الحرية و الحرملك، مكتبة مدبولي  2002 ص203

(17) – زهرة ديك : بين فكي.. وطن منشورات التبيين، الجاحظية، الجزائر 2000 ص 37

(18) – المصدر نفسه ص 37

(19) –المصدر نفسه ص 38

(20) – المصدر نفسه ص 40

(21) – صلاح صالح: سرد الآخر الأنا و الآخر عبر اللغة السردية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ط1/2003 ص 166

(22) – جورج طرابيشي: الروائي و بطله، مقاربة اللاشعور في الرواية العربية، دار الآداب، بيروت ط1/1995 ص 99

(23) – سعيد بن كراد: النص السردي، نحو سميائيات للأيديولوجيا، دار الأمان، الرباط ط1/1996 ص 135

مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السابعة: العدد 42: صيف 2009  - July 7th Year: I