موت الإله: العلمانية في الغرب
ستيف بروس

بلاكول 2002-  مراجعة: داني يي

ترجمة: حميد الهاشمي

h.hashimi@lycos.com

 

God is Dead:
Secularization in the West

Steve Bruce

Blackwell 2002

 A book review by Danny Yee

 

لا يعد مفهوم العلمانية مثالا مبسطا، حيث ان توضيح بروس له في فصله الاول من كتابه " موت الاله..  قد بدأه بمخطط بياني..  تتناول مسيرة (الاصلاح البروتستانتي) هبوطا الى مفهوم "النسبية" و "الحيازة الفردية والخصخصة" … وقد الحق ذلك بخمسة وعشرين صفحة من الشروحات. ولكن الفكرة المركزية هي انه كان هناك انحسارا طويل الامد في القوة، الشعبية، ومكانة المتدينين والمؤمنين والطقوس الدينية. وقد نتج ذلك عن طريق الحداثة او بشكل اكثر تحديدا ناجم عن تنامي النزعة الفردية وثقافة الاختلاف والمساواة ضمن سياق الديمقراطية الليبرلية.

ويمس بروس ايضا القوى التي تستطيع العمل ضد العلمانية عندما يصبح الدين مرتبطا بالانتماء العرقي والقومية او حتى التحديث نفسه، او على بعض سوء الفهم العام حول نموذج العلمانية التي من المتوقع ان تنشر الالحاد على سبيل المثال عندما تدل في حقيقتها على تزايد عدم المبالاة تجاه الدين. وتذكر الفصول الباقية بالحقائق المختلفة لهذا المثال حيث يقدم الدليل الرئيسي للعلمانية، وتحليل الآليات من وراء ذلك، ويعالج قضايا المنهجية ويقدر وجهات النظر البديلة.

ان منهج بروس الاجتماعي ينسج على منوال أميل دوركايم وماكس فيبر وصولا الى نيبر ومارتن، ويدمج بعض الاطر النظرية على سبيل المثال شرح مفاهيم "الطائفة، الكنيسة، الفئة" علم التنميط. ويدخل في نقاش اكاديمي، لكن النتيجة العامة سهلة المنال حيث يحافظ على توازن جيد في التواصل مع النظرية والاحصاء ودراسة الحالة.

ان فصول الكتاب تبدو مستقلة بشكل كبير ايضا، وبعضها مستند على مقالات نشرت في مكان اخر، وبالامكان ان تقرأ بشكل مفصل.

يبدا بروس بالردود على المنتقدين الذين حاولوا اثارة الجدل من ان الدين مازال محتفظا بهيبته.

ويعود الكتاب الى الوراء ليلقي نظرة على بريطانيا في القرون الوسطى، لربما لم يكن هناك اي عصر ذهبي للايمان وكل من المعرفة والدين والارثوذكسية، حيث من المرجح ان تكون قد تحجمت. لكن المعتقدات الدينية كانت مازالت واسعة الانتشار بشكل كبير وأكثر تأثيرا مما هم عليه الان.

ويشير الفصل الثالث الى دلائل مختلفة تمثل أفول المسيحية في بريطانيا خلال ال150 سنة الماضية بينما قد لا يمثل هذا عزلتها.

ينسب الى العولمة غالبا ازدهار العلم، ولكن ليس هناك من بين علماء الاجتماع الديني المعاصرين من يجادل على ان المسيحية قد تقوضت تماما بمقابل العلم. حيث ان المعتقدات الدينية تلقى اهتماما نوعا ما من لدن العلماء. ويأخذنا بروس برحلات جانبية لاستكشاف الخلاف في بعض المجالات، مثل الرياضيات، حيث نجد ان اصحابها اكثر تدينا من الانثروبولوجيين مثلا. كما يصحبنا الى التشابه في النمط الادراكي والمنهج المعرفي بين بعض انواع العلم والدين. كان يتوجب على حركة العصر الجديد اظهار وعرض وجود المعتقد الشعبي الواسع الانتشار او ربما بإعتباره "حاجة دائمية" للدين.

ولكن اختبار بروس لمدى وطبيعة واهمية تلك الحركة يطرح خلاف ذلك. حيث يستنتج ان العصر الجديد انتقائي الى درجة لم يسبق لها مثيل ومهيمن عليه من قبل مستهلكي المبدأ السائد والذي سوف يقرر ما يعتقده، حتى في حالة كوننا نتمتلك بعض النزعة الفطرية الى الروحانية والحاجة الدينية. وسوف لن نشهد من حيث نحن الان على اي نوع من انواع الاحياء الديني.

يبدو ان مبدأ النزعة الفردية في الإختيار قائم بشدة في ثقافتنا تلك. وانا هنا لا استطيع رؤية كيف يمكن للايمان المشترك ان ينتج عن عالم هابط وصامت للدين يحض على الاختيار الاندماج. علاوة على ذلك فانني اشك بان العصر الجديد ضعيف بمكوناته دائما ويضعف اكثر كأطفال العصر الجديد الذين يبرهنون بلا مبالاة عن ذلك بالسؤال الروحي لآبائهم .

ان الوجود المتزايد للافكار الشرقية في الغرب وبنفس الطريقة لا يعطي دليلا على تهديد العلمانية، حيث ان اغلبه ضحل.

ان الاهتمام ب (Feng Sui) مثلا لا يعطي دليلا اكبر لإحياء روحي اكثر من موضة الاثاث "الهزاز"، ودليل ذلك ان اللندنيين يريدون انعاش الطائفة البروتستانتية الاميركية في القرن التاسع عشر الذي بدأ بالاسلوب الاصلاحي البسيط. وهو يسير بطريقة اقل ارضاءا واستخدام اكثر العناصر مرونة. حيث يتبنى البريطانيون أكثر الطرق الفلسفية المطواعة، ثم تكييفها، ويكون ذلك مركزيا بالنسبة الى الانصياع للضغط الغربي على سلطة المستهلك الفردي الستقل ذاتيا.

ان شعبية الاديان الشرقية تتعزز كلما كانت حالتهم في موقف ضعف، بينما يكون الامر بالنسبة للمسيحية انها تبقى تعاني من ارتباطاتها وعقدتها التاريخية.

في فصل "الارتداد الى التوسط"  يعرض المؤلف سلسلة من المقالات القصيرة حول الاقليات التي حاولت الاحتفاظ بانساقها ومعتقداتها وطرق حياتها، ومن امثلة ذلك القساوسة الاسكتلنديين والآمش. ان مفتاح بقاء الاختلاف في " بيئة عدائية منعزلة" عن المجتمع الحديث، يكمن في التنظيم الاجتماعي، وينشر روحانية طائفية بل طائفية مستفيضة لا تستطيع تحمل النظام الاجتماعي، احتاجت الى علمانية محدودة. وهذا الفصل حول حركة الكارزما البريطانية يلخص تاريخها، مسارها ومداها، والتساؤل فيما اذا كان ذلك في عداد العلمانية.

ولخص بروس ذلك " بعيدا عن تمثيل بديل ديني راديكالي لعولمة المجتمع الاوسع. حيث كانت الحركة الكارزمية هي الطريق الذي اصبح فيه الكثير من البروتستانتيين الانجيليين المحافظين سابقا لبراليين وفئويين جدا. انه لا يعطي مثالا قويا على رفض علمانيين اقوياء للحداثة: انه بالاحرى ايضاح للطريقة المنظمة التي انحطت فيها الثقافة البروتستانتية. ان الناس الذين نشأوا في كنائس اخوانية ومعمدانية في الخمسينات من القرن العشرين، استعملت لغة التجديد الديني والاصلاح لينتقلوا من ارثوذوكسيتهم الضيقة والوضع الناجم عن التفسيرات الدينية المرنة للمعتقدات البروتستانتية تباعا. ان بعض اطفالهم سوف يهجرون المسيحية بصورة عامة والبعض الاخر سوف يستمر في الكنائس الجديدة وليجعلهم اكثر ليبرالية وسف يرفض الآخرون ذلك الاتجاه وينفصلون، لتتشكل طوائف جديدة. تلك التنظيمات الجديدة سوف تكون اصغر من تلك التي اسسها آباؤهم، وستتطور بشكل تدريجي بالطريقة نفسها.

هناك فصلان من الكتاب يركزان على النقاش الاكاديمي، احدهما ينظر بطريقة نقدية على " جانب سد النقص" في النظريات الدينية التي تجادل على "المطلب" الثابت والعالي وان تعتمد ذلك المستوى من الحيوية الدينية لذلك يعتمد على هذا السعي لسد ذلك النقص الذي يكون اعظم عندما تكون هناك سوق حرة وتنافسية " للمجهزين".

يجد بروس عناصر المنهج المفيد لكنه يجادل على ان ذلك يتحقق في تقدير الامكانات ل" تجهيز آلي" او ديمومة الدين والاختلافات المهمة بين الاديان.

ويبرز الفصل الآخر المشاكل المنهجية بالاستطلاعات التي تعرض مستويات عالية على افتراض المعتقد الديني "الغير رسمي".

اسئلة مسحية متحيزة، الفرق يكون باختيار الدعم المبهم ل"شئ ما هناك" في المعتقد الديني الاصيل ومعه، وتعاريف ضعيفة وملتوية لاعادة تعريف العلماني كمتدين.

اغلب قدرات الإله ميتة فيما يتعلق ببريطانيا، ولكن هناك فصل حول الولايات المتحدة الاميركية يجادل فيه بروس على ان عملية مشابهة من العلمنة جارية هناك ولو انها قد تتأخر الى خمسين سنة وتختفي بتوجهات الناس الى الادعاء بتدخل اكثر بالدين مما لديهم (مع ان الاستطلاعات لا تظهر الاعداد الحقيقية للحضور).

ان الاسباب الممكنة لتميز الولايات المتحدة لاستقطابها اعدادا كبيرة من المهاجرين، والكثير من البلدان الاقل تحديثا والحيز او المجال الذي يعطي التركيب السياسي الفدرالي الاوسع للاقليات لكي تحافظ على عزلتها. وسماح المغايرة السياسية للحرية ان تتجنب المغايرة الثقافية، هي من ضمن اهتمامات الكتاب الاخرى.

اخيرا حاول البعض ربط الدين بما بعد الحداثة خلال الهجمات الاخيرة على العقلانية، الا ان العلمانية لم تقاد بواسطة العلم او العقلانية على اية حال انما بالمغايرة والاختيار الفردي حيث يعد كلاهما موضوعي ما بعد الحداثة التي جلبت بروس الى استنتاجه التالي:

" اصبحت التعددية والمساواة متركزة بعمق في الوعي العام ومتجسدة في الليبرالية التقدمية حيث تبقى ولايات ناجحة ومستقرة بما فيه الكفاية، وحيث مذهب المساواة وحقيقة الاختلاف واتجاهه لم تجرفها بعض جوانب الازمة الحالية الغريبة. ارى هنا عدم وجود الارضيات لتوقع ان يكون مستقبل العولمة معكوسا". http://dannyreviews.com/h/God_Dead.html

مجلة علوم انسانية : العدد 9 ماي 2004 : www.uluminsania.net