العولمة الظاهرة التي لم تكتمل

عقيل نوري محمد *

عرض وصفي تحليلي لكتاب الدكتور محمود خالد المسافر الموسوم((العولمة الاقتصادية- هيمنة الشمال والتداعيات على الجنوب)) بيت الحكمة، بغداد، 2000.

 

 

العولمة ليست بالمفهوم اليسير الخوض فيه وذلك لتأرجحة وتشعبه ودخوله دخيلا على فروع متعددة من المعرفة. لقد تخطت هذه الظاهرة الحدود الاقنصادية لها لتكون اكثر رواجا وتاثيرا في الجوانب الاجتماعية والسلوكية، لهذا نجد ان العديد من الكتاب قد طرق  باب العولمة كونها تمثل نبضا اعلاميا وسياسيا مسموعا في الاوساط المثقفة على وجه التحديد ومع ذلك فأن صورة العولمة ظلت ضبابية لا يمكن تجييرها في حيزمعرفي معين ولكن الاكثر وضوحا هو ان العولمة قد نشطت اعلاميا لتعبر عن محاولات قامت وتقوم بها الدول المتقدمة في نقل ثقافة السوق الراسمالي الى الدول الاقل تقدما والدول النامية.

 

ينقلنا الدكتور المسافر الى عوالم العولمة في كتابه الموسوم ((العولمة الاقتصادية ، هيمنة الشمال والتداعيات على الجنوب)) باسلوب يجمع التدفق المعلوماتي الواضح للفكر الاقتصادي ،الذي هيمن على معظم محاور الكتاب وفصوله، مع نفس سياسي يمكن ان يستدرجنا للقول بان الكاتب يرمي الى تسييس الاقتصاد من خلال مناقشة وتبويب ظاهرة العولمة  بوصفها ظاهرة اقتصادية الجذور التي يرفض الكاتب ان يطلق عليها صفة الظاهرة بل يرى انها تمثل نظاما مؤكدا انه يستند الى قواعد وقوانين تعبر عن شموليته بوصفه نظاما.

 

يرى الكاتب ان العولمة هي احد ثمار النظام الرأسمالي او هي احد مراحله التي تمثل حضورا سياسيا واقتصاديا لدول المركز مقابل تدهور وتلقي من الاطراف والتي يرمز لها الكاتب في عنوان كتابه هيمنة الشمال (المركز) (الولايات المتحدة وبعض دول اوربا) وتداعي الجنوب (الاطراف) (الدول النامية). ويرجح الكاتب ان العالم قد عاش في وهم التوازن  بعد الحرب العالمية الثانية حيث ان ثنائية القطبية لم تستطع ان تنتج نظاما بديلا يلبي احتياجات دول الجنوب التي فقدت الكثير بانهيار قلب النظام الاشتراكي النابض في الاتحاد السوفيتي السابق ، والذي كان مركزا استقطابيا مهما، ودول شريكة اساسية اخرى في المعسكر الاشتراكي من دول اوربا الشرقية. الحقيقة ان ازمة الدول النامية ليست متعلقة بانهيار الاتحاد السوفيتي وظهور العولمة الاقتصادية التي جيرتها الانظمة الاقتصادية الراسمالية لصالحها وانما يكمن في عدم قدرة البلدان النامية على انتهاج منهج بديل قادر على مجاراة الاقتصاد الراسمالي فائق القوة والا كيف نفسر استقرار اقتصاديات دول محسوبة على العالم الثالث مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية على الرغم من انهما تنتهجان نهجا رأسماليا. وينحى الكاتب منحى سياسيا عندما يربط بين الامبريالية والعولمة في تكاملية المنظومة البنائية للنظام الرأسمالي حيث تمثل الاولى ضرورة والثانية حاجة لتطوير النظام نفسه، واذا ما نظرت الى وجهة النظر هذه بعقلية عالم الاجتماع فمن الممكن الذهاب الى ان الامبريالية انما تشكل الوحدات البنائية للنظام الراسمالي فيما تمثل العولمة الوظيفة المتطورة حسب احتياجات النظام ككل وهذا يفسر سر تأكيد الكاتب على التجانس بين الامبريالية والعولمة.

 

 

وفي معرض مناقشته لتعاريف العولمة يستنتج الكاتب ان الكثير من الكتاب الغربيين مقتنعون ان العولمة نشأت في احضان الحداثة ولكن الكاتب لم يعط اي تعريف محدد للحداثة مما جعل الترابط بين المفهومين غير واضح سيما وان الحداثة مفهوم مطاط تحوم حوله العديد من التساؤلات الفكرية والفلسفية فهو مفهوم ثقافي اكثر من كونه مفهوما اقتصاديا وهذا يتضح من تعالقه مع مفاهيم ذات ابعاد سياسية واقتصادية واجتماعية كالتحديث والغربنة هذا فضلا عن الرؤية الضبابية الغربية لمفهوم ما بعد الحداثة الذي سبب صداعا معرفيا للكثير من مثقفي دول الجنوب ، وهذا يستوجب فعلا من الكاتب ان يوضح ماهية الترابط الواقعي او التصوري بين الحداثة والعولمة.

 

اجتهد الباحث بجدية في نحت مفهومه الخاص للعولمة اذ يراها على انها (( رفع للحواجز والقيود امام المال والتجارة والاستثمار والثقافة بكل انواعها واستبدال المفاهيم الدينية والقومية والوطنية باخرى عالمية والتي تتطلب اذابة كل التقاليد والاعراف وحتى القوانين الداخلية والخارجية للدولة القومية في بوتقة الشروط والظروف الخاصة بالمرحلة الحالية للنظام الرأسمالي))، ورغم صعوبة التسليم بهذا التعريف الا ان الكاتب تدارك المسألة بأن اشار الى ان تعريفه يمثل تعريفا مبسطا للعولمة مما يشير ضمنا الى ان الظاهرة في منظوره اعقد من الوصف الذي يحدده في التعريف اعلاه . على العموم  يسهل على القاريء ان يستشف النفس الاقتصادي في التعريف وكأن الكاتب يخفي ميولا ماركسية بجعل الاقتصاد المقود الذي يحرك عجلة المجتمع وهذا واضح في طيات الكتاب رغم عدم ركون الباحث الى المفاهيم الماركسية وتحفظه منها.

 

ومن بين ابرز القضايا التي عولجت في هذا الكتاب بجهد استنتاجي للكاتب هو تحليله للاسباب الكامنة وراء انبلاج العولمة والتي يمكن تبويبها على النحو الآتي:

 

1.     سعي النظام الرأسمالي لايجاد منافذ جديدة لحل ازماته الاقتصادية وذلك عن طريق تصفية ازماته الداخلية بتصديرها الى الدول الاخرى وخاصة دول الجنوب بل وحتى الدول الشريكة في النظام الراسمالي ذاته وذلك لان الدول الرأسمالية الكبرى تخشى ان تصاب اقتصادياتها بازمات قد تؤدي الى انهيار النظام الراسمالي بكامله.

2.     الرغبة في الحاق اقتصاديات دول الجنوب بدول المركز خصوصا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي الذي كان ظهيرا قويا لبعض دول الجنوب.

3.     توسيع نطاق التجارة العالمية وضمان انسيابيتها وفق اسس وقوانين تضع حدا للتجاوزات التجارية وفقا للمنظور الرأسمالي ولذلك كان انشاء منظمة التجارة العالمية لتكون وتدا اساسيا من اوتدة العولمة الاقتصادية.

4.     التطور التكنولوجي او الثورة التكنولوجية التي ساعدت على توفير الوفرة الانتاجية بتكلفة اقل وبايدي عاملة ماهرة، هذا فضلا عن دورها الفاعل في تطوير وسائل الاتصال التي اصبحت اهم اسلحة العولمة.

5.     الدور الفاعل للشركات متعددة الجنسيات التي ترغب في توسيع اسواقها ومدها الى اوسع رقعة ممكنة.

6.     الرغبة في ربط دول الجنوب اقتصاديا بعجلة الاقتصاد الراسمالي لدول الشمال وذلك من خلال اشراك تلك الدول بصناعات معينة وخاصة غير الانتاجية منها وتدعيم استقبالها للرأسمال الغربي وذلك بقصد تحسين القوة الشرائية لمجتمعاتها من خلال توفير فرص العمل المحلية المهمة في تقليص البطالة ورفع المستوى المعاشي للمواطن في تلك الدول وهذا يعمل بدوره على تقبل المشاريع الصناعية التي تقيمها الشركات متعددة الجنسيات بوصفها شريكة لاقتصاديات هذه الدول (دول الجنوب). وبالفعل استفادت دول الشمال الممثلة بشركاتها العملاقة من العمالة والكوادر المؤهلة والرخيصة في تحقيق ارباح طائلة في المشاريع التي تقيمها في الدول المستقبلة او الحاضنة لرؤوس الاموال.

7.     عمليات الاندماج الكبرى التي حدثت في الشركات الكبرى والتي بدأت في ثمانينات القرن العشرين لتؤشر واحدا من اهم مظاهر العولمة الاقتصادية.

8.     الفراغ الايديولوجي الذي ولده انهيار المعسكر الاشتراكي.

 

اما اليات العولمة فيلخصها الكاتب في آليتين رئيستين هما المنظومة الاعلامية والاتصالية والتي تمثلت بالفضائيات التي يمكن مشاهدتها ومتابعتها في كل العالم، و الاخرى شبكة معلومات الانترنت ويسلط الكاتب الضوء على تحكمية دول الشمال بآليات العولمة (الوسائطية) ((وسائل الاعلام)) والمعلوماتية((ثورة الانترنت)).

 

يعرج الكاتب بعد ذلك على المفهوم الامريكي للعولمة كونها تمثل محور الاستقطاب في دول الشمال وما يترتب على ذلك من تبعية لدول الجنوب ، ويرى الباحث ان العولمة وفقا للمقاييس الامريكية ليست اقتصادية وحسب وانما سياسية وذات ابعاد ستراتيجية تتعلق بالامن القومي للولايات المتحدة ولكن المصلحة الاقتصادية تمثل الركن الاساسي في المصالح الامريكية ولهذا يرى الكاتب ان الاستراتيجية الاقتصادية للولايات المتحدة تقوم على ثلاثة مرتكزات هي :

 

1.     السيطرة على الاسواق العالمية

2.     ربط الدول مصلحيا بالولايات المتحدة عن طريق المساعدات الاقتصادية والتي قد تُعطى  لدول ضمن نطاق المجموعة الاوربية هذا فضلا عن دول الجنوب.

3.     سلاح العقوبات الاقتصادية الذي يمثل السلاح الاستراتيجي الذي من الممكن ان لايكون من طرف الولايات المتحدة وحدها بل من الممكن ان تؤازرها دول اخرى بفعل الارتباط المصلحي معها.

 

يظهر الكاتب في هذا الباب توجسا سياسيا من الدور الاقتصادي والسياسي الذي تلعبه الولايات المتحدة في ادارة آليات العولمة الاقتصادية والتداعيات المستقبلية لهذا الدور على دول الجنوب وهو توجس سياسي مشروع عبر عنه الكاتب في عديد الصفحات وخاصة تركيزه على مفاهيم مثل عالم القطب الواحد و الانفراد بالهيمنة وغيرها من التعابير التي تعبرعن مخاوف شرعية من المستقبل الذي ستؤول اليه دول الجنوب.

 

وفي معرض تحليله التفصيلي لاثر العولمة في القطاعات الاقتصادية الثلاث (الصناعة والزراعة والتجارة) في دول الجنوب فان الكاتب يحاول ان يحلل هذه القطاعات اقتصاديا لم يخل من اسقاطات سياسية في تحليله للاثر السلبي للعولمة ، والامر اللافت للانتباه ان الكاتب يستدرك بعد تحليله الاقتصادي المفصل لتلك القطاعات بالتأكيد على ان العولمة لم تتضح آثارها بعد بوصفها ظاهرة فاعلة ومؤثرة في القطاعات المذكورة لانها مازالت في طور التفاعل لذا يصعب فرز آثارها السلبية والايجابية هذا فضلا عن تداخل آثار العولمة مع آثار طبيعة النظم السياسية والاقتصادية الموجودة في كل بلد او مجتمع.

وبالتأكيد هذا يؤكد رؤية تحليلية نافذة في تقييم أثر العولمة لان الباحث ابتعد عن اتخاذ راي قاطع في تحديد الاثر السلبي او الايجابي للعولمة وهو ما نسميه في علم الاجتماع بلجوء الباحث الى الطروحات النسبية حتى يعطي لنفسه مرونة اكبر في التحليل والمناورة. ولكن مع ذلك فان هذا الرأي اشر تذبذبا في رؤية العولمة، فالعولمة وفقا للطرح اعلاه لم تتحدد ابعادها بوصفها ظاهرة في حين انه اشار في صفحات الكتاب الى نضوجها بوصفها نظاما فاعل التأثير! ان علماء الاجتماع ينظرون الى الظاهرة على انها انماط من التفكير والشعور والسلوك التي تتصف بعموميتها وانتشارها وخارجيتها على الافراد والزامها لهم والعولمة لم تصل بعد الى هذا المستوى من التكامل الظاهراتي.

ويختتم الكاتب رحلته مع العولمة الاقتصادية في تبيان اثرها في اعادة تشكيل بعض المفاهيم السياسية كالدولة الوطنية والديمقراطية. فقد افرزت العولمة من وجهة نظره تعويما لمفاهيم السيادة والمتطلبات الوطنية والتي يراها دعاة العولمة على انها مفاهيم تقليدية بالية مؤكدا ان هذه المفاهيم لايمكن تهميشها لانها حقائق كائنة واذا كان الاقتصاد هو العنصر الاكثر فاعلية فأن اي نظام اقتصادي لا يمكن فصله عن مفهوم الدولة القومية او الوطنية. كما يبين الكاتب عدم اتفاقه مع النظام الرأسمالي ودوره في فرض الاساليب الجاهزة للديمقراطية وشكل الدولة على دول الجنوب وهذا يوحي للقاريء بان العولمة ظاهرة سلبية الاثر من الناحية السياسية ولكن الحقيقة تقول ان وسائل الاعلام والانترنت ولا اقول العولمة ساعد كثيرا في تدويل مفهوم الديمقراطية وحث الكثير من الدول على الاصلاحات السياسية ولاسيما في دول الجنوب، وهذا ماعرج عليه الباحث في خاتمة كتابه ناصحا دول الجنوب بأن لاتغلق الباب بوجه العولمة وانما يدعوها الى التفاعل مع دول الشمال المتقدم مع المحافظة على هويتها الثقافية.

* كاتب عراقي مقيم في ماليزيا

aqeel_nori@yahoo.com