![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
اتصل بنا
ENGLISH
مجلة
الجندول
السنة الثالثة:
العدد
25:
نوفمبر (نوفمبر)
2005
- 3rd Year: Issue 25, Nov:
عندما يكون الهامش أوسع دلالة
قراءة في كتاب: ( المتن والهامش: تمارين على الكتابـة الناسـوتيـة)·
د. علي وتوت··
في تمارينه على الكتابة ( الناسـوتية ) كما يدعوها في العنوان الثانوي للكتاب، مخالفةً بذلك للمعالجات اللاهوتية، يضعنا الأستاذ قبيسـي وجهاً لوجه إزاء تساؤلات مهمة في قضايا سوسيو ثقافية عديدة. فالإشكاليات التي أثارها المؤلف في الدين والتاريخ واللغة والثقافة، وحاول تفكيكها، وإعادة تشكيلها لإخراجها من صيغة المسلمات أو البديهيات المسلّم بها ـ والتي جرت التفسيرات والمعالجات اللاهوتية والميتافيزيقية على وضعها فيها قسراً ـ ومن ثم وضعها ضمن إطارها الاجتماعي التاريخي، هذه الإشكاليات ليس هناك أدنى شك في أهميتها على مستوى التخصص في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، أو على مستوى الثقافة عموماً.
إن القضايا المعقدة العديدة التي أثارها المؤلف في كتابه تجعل من الصعب اختزال قضايا الكتاب في هذا العرض البسـيط، لكن الحقيقة أن هذه العجالة هي فعل إشادة بالجهد الرائع للمؤلف، وفي إطار الإشـادة لابد من التنويه إلى أن الأسـتاذ القبيسـي، وهو مختص بالانثروبولوجياAnthropology (أو علم الاناسة كما يسميها هو) يتعامل مع الإشكاليات المعروضة بحسِّ الباحث الموسوعي المتمكن من المقترباتApproaches العملية المناظرة بعيدها وقريبها، هذا أولاً، وثانياً فان عملية اختيار هذه القضايا وأسلوب طرحها وطريقة التعامل معها والمنهج المستخدم، كل ذلك يؤكد أننا أمام باحث مقمش من الدرجة الأولى، وبالتالي فإننا أمام جهد عملي له فرادته في الثقافة العربية الحديثة،وبخاصة عندما يثير الباحث إشكالية الهوية والأسئلة الحرجة المطروحة . ثالثا، فان الكتاب ورغم انه –وكما أكد المؤلف- مجموعة مقالات سبق له أن نشر معظمها، مع ملحق احتوى ترجمات لثلاث دراسات (مقالات) لباحثين أجانب، كان المؤلف قد ترجم واحدة وقام بتصحيح وضبط الترجمتين الباقيتين، لكن القاري سوف يدهش لهذا الترابط الذي يشد تلك المقالات التي أصبحت فصولا للكتاب. فثمة إبداع ملغز سوف يتملك القارىء مع تقدم القراءة وسوف تتسع الحيرة ويتضاءل الأمل بالقدرة على التغيير. وإذا كانت الناسوتية هي النهج الذي اختطه المؤلف في مناقشة القضايا المهمة التي أثارها في كتابه،فانه ركز بؤرة اهتمامه على تكون الثقافة المفارقة (المميزة) للجماعة الإسلامية الأولى، مثل قضايا الانبناء الثقافي لهذه الجماعة وتباينها واختلافها عن ثقافات الجماعات الأخرى، مثلما ركز على قضايا أخرى كالتعامل العلمي مع التاريخ سواء كان مكتوباً أو مروياً، فالمكتوب يحتاج إلى إعادة قراءة مثلما أن المروري منه يحتاج إلى التدوين، لكن قضايا أخرى أخذت حيزاً مهما من فصول الكتاب، إن لم تكن في حجمها ففي ثقلها النوعي كقضايا الذات والهوية والأصالة والتقليد، مثلما أثار في الفصل الأخير مشكلة الترجمة في الثقافة العربية.
والأستاذ قبيسي يتصدى لموضوعاته مستفيداً من كل الخلفيات النظرية والواقعية، إلا أنه يركز على التفسيرات التي يطغى عليها الحس البنيوي الوظيفي، فهو يبدأ المقالة الأولى الموسومة بتساؤل : "في الاستماتة ... كيف نقرا مقالاً لمرسيل موس؟" بإيراد أمثلة من كتب تراثية عدة···، حول مسألة موت المحبين ضحية للعشق والحب والوجد أو كمداً وحسرة على من يحبونهم، وهو يعزز تلك الإشارات والأمثلة بحديث نبوي شريف يؤكد المرء يمكن أن يموت فَرَقاً (أي خوفاً)، ليدخل إلى فكرة الموت عند العرب الأوائل الذين عدّوا انه يقع على أنواع بحسب أنواع الحياة "كما يقول ابن منظور، ومن هذه الأنواع الموت حزناً وكمداً وفرقاً وخوفاً مكدراً للحياة أو موتاً بالسحر([i][1]). وفي معرض تعليقه على حديث نبوي شريف يقول فيه النبي r "أن أول من مات إبليس لأنه أول من عصى"، يذكر المؤلف بان لا سبيل لفهم هذا الحديث إلا باعتبار الموت يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمعصية. ألم يذكر ابن منظور أن المعصية من الأحوال الشاقة التي قد يستعار الموت لها. وهي إذا كانت تعتبر في الدين المسيحي "مميتة"بمعنى أنها قد تؤدي بصاحبها إلى الهلاك في الآخرة شأن الكبائر في الدين الإسلامي، فهي قد تكون "مميتة" فعلاً، وفي هذه الدنيـا لدى العديد من الأقوام التي تسمى بدائية. بل قد يصح الافتراض بان المعنى الأخروي الذي أضفي على الخطيئة المميتة في الدين المسيحي ما هو إلا تطوير لمعنى اصلي مأخوذ من الأولين. ولا يكتفي المؤلف بالأحاديث النبوية وقصص الأولين([ii][2])، رغم انه يركز عليها، بل انه يستشهد من آية قرآنية، مؤكداً انه يصعب فهم بعض الآيات القرآنية من دون هذا الافتراض الذي يجعل الموت نتيجة للمعصية، من ذلك قول موسى لقومه (يا قوم إنكم ظلمكم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم) البقرة (55)، أو (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) البقرة (94)، مع إن" قتل النفس"و"تمني الموت" أمران محظوران مبدئيا والأحاديث النبوية الشريفة تترى كما يقال نهياً عن تمني الموت، ناهيك بقتل النفس([iii][3]).
إن هذه الأخبار التي يستطيع المرء أن يكثر منها إلى ما لانهاية نظرا لكثافة حضورها في الكتب التراثية([iv][4])، لا ينبغي أن تدرج بالضرورة إلى خانة الترهات والأباطيل خاصة وأنها تلقى تأكيداً، في قسم منها من جانب النصوص الدينية الأساسية، بل إن الأولى أن تعتبر بمثابة "الوقائع المجتمعية" الخوف، بالمعنى الذي يقصده موس. فإذا صح أن المرء يموت، في مجتمع معين، بسحر ساحر أو من شدة الخوف، فان افتراض الباحث انه حيال واقعة مجتمعية يكون افتراضاً على نصيب مرتفع من الصحة.هذا الافتراض يصح اعتباره فرضية عمل تستمد جدواها من مدى صحتها للمساعدة على فهم أفضل لهذا السيل من الأخبار المتماثلة التي يحفل بها التراث([v][5]). فإذا كان "موس"وجها بارزا بين الباحثين في الاجتماعيات فالأرجح أن ذلك يعود إلى أعماله حول السحر والأضحية والهبة وجملة من السلوكيات المجتمعية التي تحكمها تصورات غيبية لا اثر لهل للعقلانية فيها، بل إن البحث هو الذي يكشف عن نمط المخصوص([vi][6]).
إن الاهتمام بهذه الأخبار ـ الوقائع على ضوء مقالتي موس وكانون، ينتمي إلى مهمة إضفاء المعنى، بل المعنى العميق أحياناً على جوانب ثقافية تبدو للعقل التعليلي خالية من أي معنى وذلك باتجاه رصد الوظيفة المجتمعية لما يبدو في ظاهِرهِ نافلاً أو عبثياً أو ضرباً من ضروب الهبل وقلة العقل. ثم إن الاهتمام بهذه الوقائع الأخبار ليس اهتماماً بها بذاتها فقط، بل مدخلاً للتوقف عند غيرها من الوقائع المجانسة لها. فالوقائع المذكورة التي تشهد على حالات موت ناشيء عن عوامل نفسية ومجتمعية إنما تبلور حالة أخرى. لكن الموت بحد ذاته قد لا يكون موضوع الاهتمام الأساسي لهذه المقالة الضرورة. فإذا كانت الأحوال النفسية والمعتقدات الجماعية تصل في تأثيرها على الجسد إلى حد الموت، فهي بالأحرى قادرة على إحداث تأثيرات جسدية أدنى من حيث الدرجة، وان تكون مجانسة للأولى من حيث الطبيعة([vii][7]). فالمؤلف الذي اتخذ الحالة القصوى ـ الموت أو الاستماتة كما سماها ـ مدخلاً من خلالها المقالين اللذين يؤيدنها بالواقع، فما ذلك إلا طريقا لبلورتها كأنموذج أو موديل يصل من خلالها إلى فرضية البحث. فمن خلال تلك الوقائع الأخبار يخلص المؤلف إلى فرضيته الأساسية في هذه المقالة/البحث وهي:( إذا كانت الأحوال النفسية والمعتقدات الجماعية تصل في تأثيرها على الجسد إلى حد تعطيل وظائفه الحياتية تعطيلا كاملاً، فإنها قادرة بشكل أولى، على إحداث استجابات وتحديد ضوابط جسدية بحيث ينتج عن ذلك قولبة معينة للسلوك مجتمعياً وفردياً) ([viii][8]). ولنسأل: ماذا يعني المؤلف بهذه الفرضية،والى ماذا يريد أن يصل ؟
إن الأستاذ قبيسي يحاول أن يفسر كيف أن تصنيف الأفعال إلى مسموحات ومحظورات، أي إلى مجموعة من الأوامر والنواهي التي تحفل بها ثقافة جماعة من الجماعات تحدد سلوكها والتزاماتها وتميزها عن غيرها من الجماعات. وهو يريد أن يصل إلى بيان كيف جرى تثبيت قواعد السلوك (الجسدي) لدى المسلمون الأوائل، ما هو دور الأحوال النفسية والمعتقدات الجماعية في تثبيت القواعد التي ميزت الجماعة الإسلامية الأولى عن غيرها من الجماعات المحيطة بها من يهود ونصارى ومشركين ؟
والمؤلف يميل إلى الاعتماد على السنة النبوية في تفسير ذلك التميز مؤكداً هذا بقوله "أن ثمة ميل كبير إلى اعتبار القرآن، بما هو كلام إلهي، المصدر الأول لتكون الجماعة الإسلامية الأولى، ولكن ربما كان على الباحث المقمش أن لا يلتفت كثيراً إلى هذا الميل، وأن يخص السنة لا القرآن، باهتمام أكبر. إذ أن السُـنّة، بما هي أحكام لتحديد السلوك حتى بدقائقه الجسدية أحياناً، هي التي تفسر بالدرجة الأولى تكون الجماعة الإسلامية الأولى، بما هي جماعة متميزة عملياً عما كان حولها من الجماعات([ix][9]). ثم يضيف غير أن هذا التميز بالذات حصل بناءً على تثبيت طائفة متكاملة من قواعد السلوك، وخاصة الجسدي منها، والتي لعبت في ترسيخها القوى الغيبية والخفية، بما هي جزء من المعتقدات الجماعية الموروثة دوراً أساسياً([x][10]). وبناءً على هذه الاستنتاجات يقوم بتحليل العديد من السلوكيات المُميزة للمسلمين.
أما مقالته الثانية (مَنْ قضى ومَنْ ينتظر) فهو يبتدئها بعرضه (متهكماً) كتاباتٍ صدرت في عام 1987 تشي بتشاؤمٍ كبير بأوضاع مجتمعاتـنا، ناهيك بمستقبلها، ويبدو أكثر ما تشكك فيه هذه الكتابات هو (حداثة) هذه المجتمعات.
من هذه المقدمة عن جمود المجتمعات العربية وعدم تغيرها (من وجهة نظـر كتاب ومفكرين عرب لهم ثقلهم···· )، يقودنـا الأستاذ قبيسي إلى رؤيته للتغير عبر مناقشته لمقالة الأنثروبولوجي (الفريد مترو)، (المترجمة من قبلِهِ في ملاحق الكتاب) والموسومة (ثورة الفأس)، والتي يشير فيها إلى ما أحدثه دخول الفأس الحديدي على حياة بعض القبائل التي لم تكن تعرف الحديد من قبل، ناهيك بالفأس الحديدي. إذْ كان دخول هذه الفأس مدعاة لتخريب نظام مجتمعي بكامله، ونسف نمط حياة كان ما يزال صامداً في وجه أسباب التغير منذ قرون. فقد تغيرت وتيرة الحياة وطبيعة القيم والتبادلات والعلاقات المجتمعية والإقتصادية، بل ونصوص أساطير متوارثة منذ آلاف السنين. مما أدى إلى حالة تسيّب كامل، ما لبثت أن أدت إلى انهيارٍ فعلي تفككت على أثره القبائل وتاه أفرادها في الفيافي، وما لبثوا أن إنقرضوا، شأنهم ربما شأن جديس وطسم وأهل الرس([xi][11]).
وإذا كان تبني الفأس الفولاذية رغم كونها تقنية أشد فعالية من الفأس الحجرية، قد أدى إلى انهيار التنظيم المجتمعي وإلى تفسخ الجماعة، فلا شكّ أن تبنّي منظومات ثقافية أو مجتمعية جديدة سوف يؤدي إلى ذلك وأكثر في مجتمعاتنا. فالجماعات البشرية لا تبني كل يوم نظاماً (أو سـستاماً system كما يسميّه) مجتمعياً متكاملاً، فهي إذْ تُفلِحُ بعـدَ لأيٍ في بنـاء مثل هذا السـستام وتلمُسُ بالتجريب عبر العقود، بل والقرون، أنه بات يفعل فعله ويقوم بدوره في تنظيم حياة الجماعة وتأمين حدًّ معقول من الطمأنينة لأهلها حتى تتمسك بـه وتحافظ عليه، وتحرص على حمايته من غِيَرِ الزمان ومتقاباته، ومن هنـا هي (مُحافِظة). من هنـا نفهم كل تلك الأمثلة التي ترِدُ دراسات الأناسيين، والتي يتبين منها (عناد) بعض الشعوب وتمسكّها بتقنيـاتها المخصوصة، مثلاً ، على الرغم من اقتـناعها في كثير من الأحيان بأن تقنيات جيرانها ربما كانت أجدى وأفعل([xii][12]).
لا يكفي إذن أن تتوفر تقنية أفضل من تلك المرعية الإجراء في تنظيم مجتمعي مـا، حتى تتهافت على استقبالها الجماعات الأخرى. فالجماعات البشرية مهما كان شأنها، تدرج بالأصل على تنظيماتها ومعتقداتها، بل وأشخاصها أفضل مـا يمكن أن ينوجد في الوجود. ويروي الأناس (نيمو ونداجو)، الذي تبنتّه إحدى القبائل بعد أن تزوج إحدى نسائها، كيف أن أهل القبيلة كانوا ينتحبون شفقةً عليه كلما ذهب ليزور بلاده الأصلية، نظراً لتلك الأهوال التي لابدّ أن يعانيها بعيداً عن المكان الوحيد ـ قريتهم ـ الذي يستحق عناء العيش فيه([xiii][13]).
ومن خلال هذه الإلتـقاطات وغيرها، يعمل المؤلف جهده ليصور لنـا كيف أن مجتمعاتنا لم تبقَ جامدةً أبـداً ، بل تغير الكثير من تقنياتها، لكنها لم تتخل عن تقنياتها بالهيّن، ولاهي أُغرِمت من النظرة الأولى بالحداثة التي لم يترنم بذكرها الآن الكثير من المترنمين، لقد ظلت شعوب هذه المنطقة تتحلى برجاحة الموقف وأناتـِهِ طيلة قرون. ولعل تلك الرجاحة والأناة يعودان إلى نوع من الاطمئنان إلى تنظيم مجتمعي كان فاعلاً أو ما زال فاعلاً منذ زمن([xiv][14]). وهو يسوق لنـا العديد من الأمثلة ليؤكد مقولته تلك.
وعلى الرغم من أننـا لا نتفق مع المؤلف في تقسيمه لتاريخ البشر إلى ثورتين حاسمتين (هما الثورة الحجرية والثورة الصناعية)، إذ أن التاريخ البشري ضمّ ثورات لهـا نفس تأثير الثورة الأولى ـ على الأقل ـ إن لم تكن أعمق تأثيراً.إلا أننـا نؤيده فيما ذهب إليـه من أن عاماً واحداً من إنجازات الثورة الصناعية وفعلها في العالم الحديث يعادل عقوداً كثيرة مما تعدّه أحداث الامبراطورية الرومانية أو الخلافة العباسية على صعيد التغيرات الفعلية في نمط حياة الشعوب وأنماط معيشتها([xv][15]).
والمؤلف يدهشنـا في رؤيته لتنبؤات (ماركس) حول الامبريالية والاستعمار، إذ يؤكد أن الرجل لا يطرح البته على ما يبدو (حقَّ) الانكليز في استعمار الهند، ولا (حقَّ) الهند في أن تكون بلاداً قـادرةً على التصرف بحياتها واقتصادها ومعتقداتها على نحو ما يحلو لأهلها، بل إن ماركس يطرح المشكلة على أشد ما يكون الطرح الأوربي المحوري من نزق، ففي رأيه أم المسألة ليست في معرفة ما إذا كان يحق للإنكليز أن يسـتولوا على الهند أم لا. بل في معرفة ما إذا كنا نفضل هنداً مستولى عليها من قبل الأتراك أو الفرس أو الروس، أم هنداً مستولى عليها من قبل البريطانيين([xvi][16]).
ثم إن المؤلف يعود في المقالين الثالث والرابع الموسومين (في أصول مخالفة اليهود. دراسة ناسوتية) و(قراءة ناسوتية في أحكام السنة النبوية) إلى موضوعة الأثير الذي بحثه في المقال الأول ليشبعه بحثا ويزيده عمقا واتساعا في هذين المقالين، فهو يعرض المثل تلو الآخر عن كيفية الانبناء الثقافي للجماعة الإسلامية الأولى في السني الأولى للهجرة النبوية إلى المدينة المنورة.
أما في المقالين الخامس والسادس فانه يتناول قضية العلاقة بين التاريخ والثقافة والمجتمع مستشهدا بتنظيرات مؤرخين ومختصين في علم التاريخ لهم شئنهم محاولا قراءة ماهية التاريخ في مجتمعاتنا العربية في ضوء مقالات هؤلاء المختصين. ففي المقال الخامس الموسوم (التاريخ والعقل التقليدي) يؤكد المؤلف صحة ملاحظات المؤرخ الهندي (ساتيش شاندرا إقبال) عن هذا الاهتمام المبالغ به بالتاريخ من قبل مفكري العلم الثالث، في الوقت الذي بدأ فيه مفكرو البلدان الغربية يهونون من أمر هذا الفرع المعرفي بل ويشككون في قيمته، فهذا الاهتمام بالتاريخ كما يشير إقبال يلعب دورا واضحا في ترسيخ مفهوم القومية ويساعدهم على النظر في شؤون وحدة بلدانهم المجزأة ويعزز لديهم التطلع نحو الحداثة ونحو التطور المجتمعي([xvii][17]). والنتيجة المترتبة على هذه الملاحظة- كما يشير إليها الأستاذ القبيسي- هي أن الغاية من التشديد على التاريخ عندنا غاية تنتمي إلى الدعاوه السياسية بالدرجة الأولى، وذلك بصرف النظر عن قيمة التاريخ (كعلم) أو كمعرفة! وهو يفترض خطا هذه الغاية الواضح ثم انه من جهة أخرى يعود ليميز بين الفكر التاريخي والفكر التقليدي (الذي تتسم به مجتمعاتنا). وذلك في ضوء تمييز المؤرخ الفرنسي الكبير (فرانسوا شاتليه)، ويضرب المثل على كيفية تعامل العقل أو الفكر التقليدي مع الحادثات التاريخية او اليومية. ويستمر الأستاذ قبيسي في المقال السادس الموسوم (الفكر التاريخ والأسطورة) بمناقشة افتراض شاتليه في كتابه (ولادة التاريخ) والذي يؤكد فيه أن الوعي بالكينونة السياسية ينطوي على وعي بالكينونة التاريخية([xviii][18])، كما إن الوعي بانحلال الكينونة السياسية ينطوي على انحلال الوعي بالكينونة التاريخية، محاولا الإجابة فيـه عن تساؤل ليس عن شروط نشأة الوعي التاريخي فقط، بل التساؤل عن طبيعة الشأن السياسي المخصوص في مجتمع لا يقيم اعتبار في غياب شروطه؟ ولنا أن نتصور كيف أن المؤلف حاول قراءة تلك الافتراضات عن(ولادة التاريخ) العربي.
تنطلق ملاحظات المقال السابع الموسوم (المنهج العلمي والنظرية المأزومة) من تصور يعتمد آراء (كارل بوبر K. Popper) عن المنهج العلمي مفاده أن المعرفة العلمية ليست يقينية. وان العلم بالشيء سواء كان طبيعياً أو مجتمعاً ليس سـستاماًً System من المقولات الأكيدة أو المتقنة الصياغة، ولا هو يتقدم باضطراد وانتظام نحو غاية معلومة أو نهائية. وان العالم لا يبحث عن الحقيقة ولا يستطيع الوصول إليها ولا هو يدعي ذلك. فالجهد المبذول في هذا السبيل، إنما يبذل من اجل الوصول إلى معرفة ما نسبيه ومؤقتة دائما. فهو يؤكد أن الباحث أو العالم الذي يستحق بالفعل هذه التسمية هو الذي لا تسلبه نظريته أو فرضيته العلمية، بحيث يعتبر أن علميته تقتضي الدفاع عنها دفاعا إيمانياً أو عقائدياً، بل يسعى خلافا لذلك إلى محاولة تهديمها وتقويضها. فهو في سياق بحثه العلمي يستعمل كل ما لديه من حيل منطقية أو رياضية أو تقنية ليبرهن- إذا كان الأمر يقبل برهانا- على أن فرضياته وتخميناته كانت خاطئة أو ناقصة بغية استبدالها بفرضيات جديدة. قد تفتقد لأي تبرير عقلي أو غيره، بل إنها قد تكون أحيانا كناية عن أحكام مسبقة أو استباقات متهورة ومبتسرة للأمور([xix][19]).
والمؤلف لا يكتفي بعرض ومناقشة آراء (بوبر) فقط، بل انه يستعرض آراء العديد من المفكرين والباحثين الذين شكلت القضية جزءاً من اهتماماتهم أو شغلتهم حيناً، من أمثال هيوم وكنط ودوركهايم وبرتراند رسل مثلما يعرض بشكل جديد لآراء أبو حامد الغزالي.
أما في المقال الثامن الموسوم (نظرة ثانية إلى ابن خلدون) فان الأستاذ قبيسي يبتدأ أسطر مقالته بتعجب ساخر عن عدم مقارنة صاحب (المقدمة) و(دارون) صاحب نظرية التطور الشهيرة!! فيشير إلى أن جميع من كتب عن ابن خلدون تقريبا، ورغم اختلافهم حوله، فهو عند كاتب ليس بصاحب نظرية علمية أصلاً، وإنما هو مجرد واصف طوبوغرافي لأحداث المغرب في عصره، وهو عند دارس آخر رائد للمادية الجدلية والمادية التاريخية، وهو عند دارس ثالث مجرد امتداد للمدرسة المشائية والأفلاطونية في الفكر العربي الإسلامي، وهو عند رابع مناقض لهاتين المدرستين وامتداد للفكر الأشعري أو الغزالي خاصة، وهو عند دارس خامس انقطاع كامل عن المنطق الصوري الارسططالي، وهو عند دارس سادس زنديق يتخذ من الدين تقية أو أن الدين عنده على الأقل ليست له الصدارة في تفسير نظرياته، بل لعله يتركه عند عتبة نظريته العقلانية. وهو عند دارس سابع متدين عميق التدين، وليست نظرياته التاريخية الاجتماعية إلا امتداد وتجسيدا لرؤيته الدينية، وهكذا....وهكذا([xx][20]). إلا أنهم جميعا- أو يكادون- يؤكدون انه مفكر عقلاني، والأستاذ قبيسي يناقش هذه (العقلانية) بشيء من التفصيل مستندا في ذلك ليس على آراء نقاد ابن خلدون والباحثين الذين كتبوا عنه فقط، بل وعلى مقدمته الذائعة أيضاً، ولا يكتفي المؤلف بنقد عقلانية ابن خلدون المفترضة، لكنه وعبر مناقشة مستفيضة لمدى إيمان ابن خلدون بالسحر يبين عدم دقة استخدام المصطلحات العلمية الوصفية الحديثة (مثل العلمية والعقلانية والجدلية والمادية) على طروحات المقدمة. ورغم انه يؤكد أن ابن خلدون وبمقارنته بالعديد من الأثنوغرافيين ابتداءً من أفلاطون في شرائعه مروراً بـ (فرجيليوس) و(المجريطي) و(أبو حيان التوحيدي) وسحرة القرون الوسطى، وانتهاء بـ (مارسيل موس) في نظريته العامة حول السحر والمحاولات العديدة والمتفرقة التي نجدها في الدراسات الأناسية الحديثة حاول إيجاد نظرية في السحر أو تأريخاً له([xxi][21]). والأستاذ قبيسي يستعرض محاولة ابن خلدون تلك ويناقش فيها مطولاً.
أما في قراءته لكتاب (ادوارد هال) البعد المستتر يعود المؤلف وفي المقال التاسع إلى موضوعة البنية الحضرية ممثلة في بيئة المدينة. وعلى الرغم من أن الكتاب كان قد صدر في ستينيات القرن الماضي، إلا أن قبيسي يؤكد أهميه. وذلك لأن مؤلفه يعتمد منظورين جديدين لدراسة المدينة، إذ إن هال يعكف على دراسة المدينة ومشكلاتها من خلال عالمين قد يبدوان غريبين عنها: عالم الرموز والإشارات وما تتخذه موضوعا لها، وعالم الحيوان وما اجري عليه من تجارب لسبر أغوار البعد الحيواني في الإنسان([xxii][22]).
فضمن العالم الأول كانت الأبحاث اللغوية جسراً يمر عليه الباحثون وخاصة في علم الأناسة من أمثال بواس وبرتشارد إلى أبحاث أخرى ما لبثت أن استقلت من حيث موضوعها ومنهجيتها وكونت ما سمي بعد ذلك بعلمي الدلالة والسيمياء. وهكذا يعتبر هال أن (فرانس بواس) كان قد سبقه منذ خمسين عاما، للبحث في هذا الموضوع الذي يقوم على اعتبار التواصل بين البشر بمختلف أشكاله أساساً للثقافة بل أساساً للحياة نفسها. وبعد أن كانت اللغة تعتبر الشكل الرئيس بلا منازع من أشكال التواصل هذه. اخذ الباحثون يهتمون بأشكال أخرى تشكل موضوعا لعلم قائم بذاته: السيميولوجيا ومن بين هذه العناصر السيميائية ثمة عنصر لم يحظ باهتمام الباحثين إلا منذ فترة وجيزة، انه ذلك العنصر المسمى بلغة الغرب، والذي يصطلح الأستاذ قبيسي على ترجمته بـ"المجال"، وصار النوع المعرفي الذي يتخذ المجال موضوعا للدراسة، بوصفه عنصرا من عناصر التواصل بين البشر، مكرسا تحت اسم المجاليةProxemique هي جزء من والسيمياء تدرس كيفية استخدام المجال من قبل الكائنات الحية وخاصة منها الإنسان([xxiii][23]).
إن كتاب هال لا يقتصر على البعد الثقافي وحده. فهو إذ يؤكد أن السساتيم الثقافية تؤثر في بنية السلوك تأثيراًً كبيراًً، فإن الذي لا يقل صحة هو أنها متجذّرة في الكيان البايولوجي والفيزيولوجي للإنسان، فقد أوجد الإنسان لنفسه (امتدادات) مكنّته من تحسين وتخصيص عدد من الوظائف، فالحاسبة الالكترونية كجزء من الدماغ، والهاتف امتداد للصوت، والعجلات امتداد للساقين، واللغة امتداد للتجربة عبر الزمان والمكان، لكن الإنسان أوصل امتداداته هذه إلى مستوى من التبلور بحيث كدنا ننسى أن إنسانيته متجذرة في طبيعة الحيوانية، حتى أن الإنسان أصبح قادرا على أن يبني مجمل المحيط الذي يعيش فيه من ألفه إلى يائه، وان دور البعد الطبيعي أخذ بالتضاؤل إلى حد التلاشي. لكن الإنسان إذ يبني محيطه على هذا النحو يحدد في الوقت نفسه معالم الكائن العضوي كما سيكون عليه في المستقبل. وهذا ما يعتبره هال منظوراً معلقاً وأفقاً قائماً في ضوء معرفته بالوضع اليائس الذي يطغي على المدينة([xxiv][24]).
وإذا كان هال ـ كما يقول الأستاذ قبيسي ـ يشكو من مدن تحاصرها بيوت التنك والصفيح، وتحفل بمستشفيات للمعالجة العقلية، وبسجون وسيارات تضيق الخناق على البشر وتنذر بولادة إنسان مختلف غير معروف المعالم، فماذا نقول عن مدننـا([xxv][25]).
في المقالين العاشر والحادي عشر يعمد المؤلف إلى مناقشة إشكالية هوية المثقف العربي، وذلك خلال الأسئلة الحرجة المطروحة على هذه الهوية. ففي المقال العاشر الموسوم(هوية بمنزلة الصفر) والمقصود بالهوية هنا هو الانتماء فرديا كان أو جماعياً. إذ يؤكد الأستاذ قبيسي سلفاً أن البحث في ذلك هو مجلبة للهّم وانشغال البال([xxvi][26]). وربما تكون هذه المجلبة للهّم هي التي دفعته إلى أن يحاول أن يجيب عن سؤال "ماهية هويته" والذي يبدو أن من سأله كان يرجو منه محاورة النفس قبل كل شيء، لعل الأسئلة تعود عليه بما يشفي الغليل أو يسد الرمق، وبهذا المعنى كثيراً ما يكون المسؤول مرآة السائل، تحت طائلة توازي المرايا وتناسل الصور إلى مالا نهاية([xxvii][27]).
والأستاذ قبيسي يبتدأ إجابته بالتمهيد "فإذا كان لابد منه بد فربما كان على العاقل أن يهون الأمور على نفسه فتهون، فيزين لها أن هذا التمرين الإنشائي ليس عميقا بالقدر الذي نتخيل"([xxviii][28]). وهو يبادر إلى الإجابة مدفوعا باليأس مرة وبالخشية مرة أخرى"وحتى لا نطيل أمر هذه المحنة التي ابتليتني بها فاطرح معك السؤال عن هويتي الفردية والحق إنني أخشى في هذا المجال أن يكتشف جوابي عن جهلٍ مطبق إذ أتسائل من أنـا؟ ([xxix][29]).
وهو ينطلق في إجابته عن هويته الفردية "الذاتية" التي هي ـ كما يقول ـ "عبارة عن جسدي وآرائي وسلوكي وكلامي وذوقي وعلاقاتي وطائفة من مثل هذه العناصر لكنها كلها عناصر متغيرة بفعل مرور الزمن وتغير المعطيات فضلا عن إن علاقة هذه العناصر بعضها ببعض هي الأخرى علاقة متغيرة بفعل العاملين المذكورين إياهما "([xxx][30]). فالجسد الذي يتغير بشكل مستمر وهو مسيطر عليه من قبل الدماغ والجهاز العصبي هذا الجهاز الذي لا نكاد نفقه من قوانينه شيء يتحكم في السلوك إلى حد كبير مثلما يفبرك ما يسمى الآراء والمعتقدات والأفكار أيضا إذ يذكر المؤلف انه تغير من قومي التوجه يهتف بعروبة الجزائر إلى ماركسي مناضل لا يقل مشروعه طموحا عن تغيير العالم ثم إلى طوباوي يعتبر أن الأمة التي لا تأكل مما تزرع امة ضحكت من جهلها الأمم. وهو يفترض مضطرا صحة القول بأن المبادئ الثابتة لا وجود لها إلا في الديانات السماوية ليؤكد أن من الممكن أن يغير قناعته في أي لحظة قادمة. فقد تكون لدي (الآن) أفكار عظيمة وقد يكون اطمئناني إليها وثقتي بها على نحو اطمئناني إلى أفكاري السابقة أو يزيد. فالمسالة ليست هنا، وإنما هي في أن هذا كله لا يجدي في تحديد (هوية) إذ ما القياس الذي نحدد به مدى هذه (الآن)؟ ومن يضمن لي أن لا أغير هذه الآراء غدا أو بعد غد؟ ([xxxi][31]).
ثم الأستاذ قبيسي ينتقل إلى الهوية القومية فيقول"فلا أخالك إلا منتظرا مني بصبر أن أحدثك عن هويتي بحكم انتمائي إلى قوم، أي عن هويتي "القومية". وربما كنت اشتبه في انك تنتظر مني كلاما مفيدا حول ماهية انتمائي إلى ذنيك العاملين اللذين ملئا دنيانا وشغلا ناسنا طوال تاريخنا وآننا. والذين هما العروبة والإسلام. إذ إنني لا أخالك تعول أهمية كبيرة على التماهي بالتيارات الفكرية أو الايديولوجية الأخرى التي عرفتها هذه المنطقة في أزمنتها القديمة أو الحديثة.
فاعلم أيها الأخ إن من أسهل الأمور وأريحها أن يقول المرء أنا عربي أو أنا إسلامي فيتماهى والحالة هذه بهوية اجتماعية (سوسيولوجية) موروثة ويكفي نفسه وأنفس المؤمنين شر السجال وما يبحثون([xxxii][32]). إذ أن الهوية المجتمعية (نسبة إلى المجتمع) أو القومية (نسبة إلى القوم) أمر لا ينتمي من حيث وجوده إلى حيز التأكيد بقدر ما ينتمي إلى حيز (إعادة البناء الدائمة) وان كل استعمال لمقولة الهوية إنما يبدأ بنقد هذه المقولة بالذات أي بتجزئتها إلى عناصر شتى([xxxiii][33]). هذا ما كان قد توصل مجموعة من الباحثين الفرنسيين في الحلقة الدراسية التي عقدت في الكوليج دي فرانس والتي صدرت أعمالها في كتاب صدر عام 1977, فقد لاحظ هؤلاء الباحثين أن جميع المجتمعات أو الثقافات التي درسوها بعيدة كل البعد عن توكيد هوية جوهرية لها، بل انها اقرب في تناولها لهويتها إلى القيام بتحليل تتناثر الهوية بموجبه أجزاء وشظايا، ولنقل إلى عناصر مختلفة، وعليه فإنهم افترضوا أن أزمة الهوية تتقوم في أمرين كلاهما ادعى إلى القلق من الأخر هما:-
1- أنها وظيفة غير مستقرة (من حيث أنها ليست واقعا جوهريا).
2- أنها عبارة عن مكان وزمان (غير مستقرين هما الآخران). تتضافر فيهما المعطيات وتتبادل وتتنازع (فلا يشترك فيهما إلا قوى الطبيعة والتاريخ التي تترفع من عليائها عن اجتهاداتنا الفكرية المكرورة([xxxiv][34]).
يعود المؤلف بعد عرض هذه الحلقة الدراسية إلى محاولة البحث في الهوية القومية فيقول باندهاش:" لا أخال أن أحدا ما زال يعتقد أن هناك قوما عربا حافظوا على نقاوتهم كعنصر أو كعرق عبر كل هذه العصور وبعد كل هذا الاختلاط الذي شهدته المنطقة (العربية) ولابد من تسمية-بين أعراق وشعوب وجماعات شتى. بل الأصح أن يقال أن أولئك العرب الذين انتشروا في المنطقة- وعلى افتراض أنهم يشكلون عرقا واحدا-قد تلاقحوا وذابوا في خضم خليط من الشعوب. فلا معنى لأن يتحدث المرء عن عرب ما، رغم علمه مثلا أن خلفاء الدولة العربية في عصرها الذهبي –العباسي- لم يكن بينهم الا ثلاثة فقط ممن كانت أمهاتهم عربيات. أما سائر الباقين أي الأكثرية الساحقة- فقد كانت أمهاتهم (سراري) روميات أو تركيات أو فارسيات..الخ([xxxv][35]). هذا عندما لم يبح الحكام أنفسهم من أعراق أخرى مبني بويه أو السلاجقة أو كالمماليك ومحمد علي باشا الكبير. وهذا الذي يصح على الخاصة يصح على العامة أيضاً: " لا لأن أسواق النخاسة كانت تملأ المدن العربية بمختلف أنواع العبيد نساء ورجال وان الجواري كن يلدن كما تلد الحرائر أو يزيد وحسب، بل لأن التسري كان قد غدا مبدأ فاعلا منذ زمن مبكر من عمر المجتمع الجديد وذلك منذ أن أطلق هذا المجتمع اسم " السادة الغر" على : علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بـ (زين العابدين)، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، الذين فاقوا أهل المدينة علماً وتقى وعبادة وورعاً وما منهم إلا ابن سرية، فرغب الناس عندئذٍ في اتخاذ السراري ". وكان من شأن الاختلاط المذكور إن لم يبق من سؤدد العرب ـ باستثناء السلطة ـ إلا لغتهم التي سادت وطغت على سائر اللغات، لكن العربية نفسها ما لبثت أن ساهم في تقعيدها أناس لم يكونوا عربا فادخلوا في نحوا اللغة العربية قواعد تنتمي إلى بنية لغتهم الأم وطعموها بالألفاظ الدخيلة.
أما الثقافة العربية بما فيها مجمل السلوك المعيوش من عادات وتقاليد ولباس ومسكن ومأكل وشعائر..ألخ، فقد كانت هي الأخرى من صنع شعوب شتى([xxxvi][36]). ثم إن السلطة نفسها ما لبثت أن صارت غير عربية وإذا كانت التسمية -عربية- ظلت تطلق عليها في معرض الحديث عن دولة والحضارة فما ذلك إلا لأن الكلام لا يقوم في أحيان كثيرة على مجاراة تطور الوقائع. وذلك من قبيل القول بأن الشمس أشرقت وأغربت وهي في الواقع لا تشرق ولا تغرب، وإنما هي ارض تدور.. وأيام تتداول بين (الناس) ([xxxvii][37]).
ويضيف المؤلف أن إلقاء اللوم على الاستعمار-وهو ملوم ولا تكفي تجزئة الأمة العربية الواحدة ليس من الحق في شيء، إذ يذكر في هذا الشأن انقسامات الأمة التي تحدرت أقطارها منذ أمد بعيد، وحروبها مع بعضها وحروب هذه الأقطار مع بعضها البعض في ستينات وسبعينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وهو يسأل أيضا، هل أن فهم العرب لمقولة (العدو) تقتصر على العدو الصهيوني وحسب؟ أم أن هناك من لا يزال يعتقد أن الجهل عدو، والأمية عدو، وأزمات السكن عدو، واستشراء أجهزة الرقابة والمخابرات عدو، والصحافة المكممة عدو، والارتهان بالغذاء للغير عدو، والعجز عن إنتاج أبرة أو مسمار عدو، وتبذير الدخل اليومي على شراء أسلحة تدمر كل عقد أو يكاد عدو، وعلى شراء المصانع و(المفتاح باليد) لا غلقها بعد أقل من عقد؟ وبيع مخزون النفط لتعزيز اقتصاد(العدو) بل و(الأعداء) أجمعين..
... ثم تسألني من نحن ؟ في الحقيقة لم أعد ادري على وجه التحديد"([xxxviii][38]).
وتأتي المقالة الحادية عشرة والتي هي عبارة عن أجوبة لأسئلة وجهها أحد الصحفيين إلى المشتغلين بالفلسفة تخص التوجهات الفكرية، والتي يحاول المؤلف فيها أن يشير إلى قضايا مهم عديدة في هذا المجال (منها قضية التوجه أو المدرسة الفكرية والمنهج المستخدم و... ما إلى غيرها من قضايا).
أما في المقال الأخير الموسوم (لغتنا والترجمة: بحث العلة وتسكينها) يخص المؤلف واقع الترجمة في اللغة العربية بدراسة كانت الأطول على مستوى فصول الكتاب (بلغت 48 صفحة) وانتهت بثلاث ترجمات مهمة. إذ يفتتح المقالة بالإشارة إلى النقص الواضح الذي تعانيه المكتبة العربية من أدبيات العلوم الاجتماعية المختلفة التي تتسارع خطى تطورها بعيدا جدا عنا، فيقول: "ليس من الضروري ان يجتهد المرء اجتهاداً كثيراً ليتبين له إن ما هو متوفر باللغة العربية من الكتب الأساسية في العلوم الإنسانية والاجتماعية لا يفي بحاجات الثقافة العربية الراهنة، ناهيك بشروط تطورها المستقبلة"([xxxix][39]). وهو يعرض الإنجازات المتواضعة لقطاع الترجمة العربية في هذا المجال، مثلما يعرض لأراء أكثر الخبراء والباحثين في الترجمة باستعراض آرائهم في الندوتين اللتين أقيمتا لهذا الغرض·····. ثم انه يضعنا إزاء علة القضية وذلك بالتأكيد على أن طرح القضية على هذا المستوى العلم يجعلها بالتالي مشكلة حضارية معقدة(تضاف إلى بقية المشكلات المعقدة الأخرى)، لذا فهو يخرج باستنتاج مفاده أننا لا نبالغ إذا قلنا أن هذا ما آلت إليه شتى المعالجات لمشكلة العلاقة بالنتاج الفكري والغربي بما هو الفكر الذي يبلور في عصرنا هذا نظرة معرفية لشؤون العالم([xl][40]). لكن المؤلف يحاول أن يعرض للمشكلة من كافة جوانبها معززاً ذلك بالأمثلة والاستشهادات أينما وجدت، كل ذلك من اجل التوصل إلى حلول ناجعة بعيداً عن الشعارات الكبيرة والرنانة التي تغني ولا تشبع.
ضمن هذه الإشكالات السوسيوثقافية وأخرى غيرها تأتي مساهمة حسن قبيسي الرائعة لتضيف مبدأ جديداً لانفتاح الوعي العربي، وتعكس بالتالي سعيه الحثيث لإنتاج ثقافة أصيلة أساسها قراءة الذات، وقد كان هذا العرض دعوة للقراءة.
|
·· باحث من العراق: رئيس قسم علم الاجتماع في كلية الآداب/ جامعة القادسية |
|
··· كالمستظرف للأبشيهي وطوق الحمامة لأبن حزم الأندلسي ومصارع العشاق للسراج وتزيين الأسواق للأنطاكي. |
|
([i][1])حسن قبيسي: المتن والهامش، تمارين على الكتابة الناسوتية، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1997، ص12 |
|
([ii][2]) نفسه، ص12 |
|
([iii][3]) نفسه، ص13 |
|
([iv][4]) نفسه، ص14 |
|
([v][5]) نفسه، ص16 |
|
([vi][6]) نفسه، ص16 |
|
([vii][7]) نفسه، ص17 |
|
([viii][8]) نفسه، ص17 |
|
([ix][9]) نفسه، ص18 |
|
([x][10]) نفسه، ص19 |
|
···· برهان غليون في كتابه (مجتمع النخبة)، هشام شرابي في كتابه (البنية البطريريكية)، جورج قرم في كتابه (انفجار المشرق العربي). |
|
([xi][11]) نفسه، ص37 |
|
([xii][12]) نفسه، ص38 |
|
([xiii][13]) نفسه، ص39 |
|
([xiv][14]) نفسه، ص39 |
|
([xv][15]) نفسه، ص40 |
|
([xvi][16]) نفسه، ص42 |
|
([xvii][17]) نفسه، ص117 |
|
([xviii][18]) نفسه، ص135 |
|
([xix][19]) نفسه، ص160 |
|
([xx][20]) نفسه، ص189 |
|
([xxi][21]) نفسه، ص196 |
|
([xxii][22]) نفسه، ص211 |
|
([xxiii][23]) نفسه، ص212 |
|
([xxiv][24]) نفسه، ص213 |
|
([xxv][25]) نفسه، ص214 |
|
([xxvi][26]) نفسه، ص227 |
|
([xxvii][27]) نفسه، ص228 |
|
([xxviii][28]) نفسه، ص228 |
|
([xxix][29]) نفسه، ص228 |
|
([xxx][30]) نفسه، ص229 |
|
([xxxi][31]) نفسه، ص230 |
|
([xxxii][32]) نفسه، ص230 |
|
([xxxiii][33]) نفسه، ص231 |
|
([xxxiv][34]) نفسه، ص232 |
|
([xxxv][35]) نفسه، ص233 |
|
([xxxvi][36]) نفسه، ص234 |
|
([xxxvii][37]) نفسه، ص235 |
|
([xxxviii][38]) نفسه، ص256 |
|
([xxxix][39]) نفسه، ص257 |
|
····· المقصود بهما : 1- أعمال الندوة التي عقدها مركز الدراسات العربية (بيروت) ونشرها عام 1982 بعنوان (التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي. 2- الندوة التي نظمتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (تونس) بعنوان (واقع الترجمة في الوطن العربي)، وذلك عام 1985. |
|
([xl][40]) نفسه، ص258 |
مجلة علوم انسانية www.uluminsania.net السنة الثالثة: العدد 25: نوفمبر (نوفمبر) 2005 - 3rd Year: Issue 25, Nov:
![]()