مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السادسة: العدد 40: شتاء 2009 - 6th Year: Issue 40 Winter
التخريج الفقهي لتسجيل آيات القرآن الكريم على جهاز الاتصال –الخلوي - وحمله
د. أحمد محمد خلف المومني
جامعة عمان العربية للدراسات العليا- كلية الدراسات القانونية العليا- قسم القانون العام
الملخص:
يتبين لنا من البحث أن القرآن الكريم هو كلام الله المتعبد بتلاوته، ومن الواجب احترامه بل وتقديسه، ووجوب الحفاظ عليه ، فلا يمسه إلا الطاهر، وهو الأصل، ويجوز للضرورة في حالات تقدر بقدر الضرورة كالخوف عليه من الحرق أو التلف جاز رفعه بهذه الحالة على أي حال كان المنقذ له، كذلك أجاز العلماء المسلمون حمله للمتعلمين على أية حال رفعا للحرج.
وتبين لنا كذلك أن الفقهاء اجمعوا على حرمة مس المصحف لغير الطاهر إلا لضرورة، وأجازوا حمله بغلافه أو بمحفظة من الجلد، أو مع مجموعة من الملابس كأن يكون في احد جيوب ثوب يحمله.
وقد اتفق العلماء على وجوب طهارة القارئ للآيات من المصحف، وجوزوا قراءة غير المتوضئ مما يحفظ عن ظهر قلب كما فصلنا في البحث.
وتبين لنا جواز حمل الجهاز المسجل عليه آيات من القرآن الكريم، وانه لا يطلق عليه اسم المصحف أو القرآن, لما يلي:
1- ان البرمجة لإدخال الآية الكريمة في الشريحة داخل الجهاز تكون- حسب ما يعلمه أهل الاختصاص في الحاسوب - لغة أرقام وليست أحرفا.
2- أن الآية تكون محفوظة على شريحة أو في ذاكرة في الجهاز، ولا يمكن لأي مستخدم للحاسوب أو الجهاز أن يعلم ما بداخل الشريحة، لو وجدها على حالتها دون إجراء عدة خطوات باستخدام جهاز لهذه الغاية، فلا يمكن أن يطلق عليها اسم المصحف أو القرآن.
3- ان استخدام الجهاز في إظهار الآية إنما يكون بالسماع وليس بالتلاوة، فيأتي الصوت بناء على إرسال موجة من أحد المتصلين فيظهر صوت القرآن، وفي حالة السماع يجوز للمسلم سماع القرآن على أية حالة أكان طاهرا أم جنبا أم حائضا - إن كانت امرأة-، وفي إي مكان ولو كان ذلك في بيت الخلاء، على أن لا يردد ما يسمع . وكذلك فان خروج الصوت من الجهاز لا يكون بفعل الحامل للجهاز ولا بإرادته حيث هو مستقبل وليس مرسلا.
4- انه يمكن أن يسجل من الآيات ما لا يتغير المعنى على أي موقع قطع الكلام عنده ،مثل قوله تعال(قل هو الله أحد). فأينما قطع الكلام لا يتغير المعنى، وهو ما كان علة عند المانعين من استخدام القرآن على الأجهزة الخلوية للتنبيه أو للاستقبال. وهذا يعد مما عمت به البلوى لكثرة استخدام الجهاز في أيامنا هذه كل حال وفي كل مكان.
5- ان هذا النوع من الاستخدام للقرآن هو أفضل بالتأكيد من استخدام الموجات الموسيقية للايقاظ أو الاستقبال، لإجماع المسلمين على حرمةسماع الموسيقى عدا الدف والمزهر، والأفضل والأكثر حيطة لتكريم القرآن وتقديسه هو وضع فقرة من دعاء أهل الخير والصلاح بدلا من تسجيل جزء من أية ولو لم يتغير معناها في أي جزء تم عنده قطع الصوت.
6- عند صدور الصوت فان حامل الجهاز يكون مستمعا وليس تاليا لآيات القرآن الكريم أو لجزء منها، وكما بينا سابقا فقد اتضح جواز الاستماع لآيات القرآن الكريم في أي حال وفي كل وقت.
-7ومع هذا، فاني أرى بناء على ما سبق أن تسجيل دعاء من أحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أو من أدعية الصالحين هو أولى من استخدام الموسيقى ، وربما انتفع به من يسمعه أو يكون ذكرى لحامله باعتبار أنها شعيرة مميزة للمسلم في غالب الأحيان، وأحوط من تسجيل أية من القرآن الكريم، والله أعلم.
Abstract:
The Qura"an is the holy B00k of the Muslims,so they must keep it in all times and places.
Those who are not pure or women who are not clean because of the monthly period,are prevented from touching the Qura"an directly, but they are allowed to carry it indirectly when necessary.
Nowadays,verses of the Qura"an or parts of them are registered on the chip of the mobile telephone to be used as alarm signals.
-this is allowed depending on that;these verses or verse parts are registered as numbers and not in Arabic letters.
-these verses or verse parts are heared and not read ,and hearing the Qura"an is allowed in all times and places.
Although registering verses or parts of them is not prohibited,it is better to register sayings of the Prophet(Peace-be-upon-Him) or some other religious texets instead of Qura"an,which is in all cases better than registering musik or song.
المقدمة
الحمد لله العزيز الغفار، الملك الجبار، الكريم المنان ، الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأصلي وأسلم على النبي محمد العربي الكريم وعلى اله وصحبه وأتباعه الغر الميامين.
وبعد فان الالتزام بأحكام الدين هو الأساس من البنيان، إذا ثبت الأساس وقوي استقام البنيان وارتفع، وإذا ضعف الأساس انهار البنيان. وعلى المسلم أن يكون على وعي ودراية بأمور دينه ليكون على بينة من أمره فيحسن تنفيذ أمر الله على الوجه الأفضل بما يحقق الإتقان طمعا بالقبول من الله تعالى، وخاصة بعد أن كثر استخدام الأجهزة الجوالة- الخلوية- وشاع تسجيل بعض آيات من القرآن عليها ، لتكون منبها لحاملها بمكلمة أو وصول رسالة أو منبها له من نومه بدلا من استخدام مقاطع موسيقية أو بعض أغان عربية أو أجنبية. فما حكم الشرعة في استخدام مثل هذه ألآيات في مثل هذه الأغراض السالفة؟ وكيف يمكن إن ننزل الواقعة على نصوص القرآن وأحاديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقوال الفقهاء؟ هذا ماس أبينه في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
منهجية البحث: يتطلب هذا البحث اعتماد منهج الاستقراء مع التحليل للنصوص وإبراز الأدلة والعلة من الحكم حيثما وجد للخروج بالحكم الذي يدل عليه النص المتوفر.
لذا , سيكون البحث في مبحثين الأول يتناول أهمية القرآن الكريم وحكم حمله ومسه من قبل الإنسان في أحواله المتنوعة،وحكم السفر به ، وحكم سماع القرآن،وقياس حمل الجهاز المبرمج عليه آيات من القرآن الكريم على ما نتوصل له من أحكام، والمبحث الثاني لبيان أصل البرمجة وهل يعد الجهاز بهذه الحالة مصحفا ، وحكم حمله في الأماكن المختلفة في الطهارة أو عدمها.
ثم نختم الملخص والفهارس.
المبحث الأول:فضل قراءة القرآن الكريم ووجوب حفظه
المطلب الأول: فضل قراءة القرآن الكريم
القرآن الكريم كلام الله ووحيه لنبي البشرية محمد، صلى الله عليه وسلم، أنزله بلسان عربي مبين ليكون هدى ورحمة للناس أجمعين. هذا القرآن الكريم نزل على مكث ومنجما حسب الحوادث لكي يتقبله الناس فيستوعبوه، لأن آياته قد نزلت في الغالب إجابة عن مسببات اختلفت الآراء حولها، وبشكل خاص بما يتعلق بالشؤون الحياتية، فكان قبول الحلول التي تأتي بها هذه الآيات .
القرآن نحيا به القلوب كما تحيا ألأشباح بالأرواح. قال تعالى:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }،الشورى،52.
وفي تعلمه وتعليمه خير كبير في الدنيا والآخرة، قال صلى الله عليه وسلم:(خيركم من تعلم القرآن وعلمه) (1).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في بيان عظيم ثواب قارئ القرآن أنه قال: يجيء القرآن يوم القيامة فيقول : يا رب حله فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول : يا رب زده فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول : يارب ارض عنه فيرضى عنه ،فيقال له : اقرأ وارق وتزاد بكل آية حسنة) (2).
وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله سبحانه على سائر خلقه).(3) ، فقد ورد عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ،أنه قال عن رب العزة:( من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) (4).
ومن قرأ القرآن وعمل بما به شفعه الله سبحانه يوم الشفاعة في عشرة من أهله، قال صلى الله عليه وسلم:( من قرأ القرآن واستظهره فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم وجبت لهم النار5). والقرآن أفضل عبادة يتقرب بها العبد لربه بعد الفرائض، عن الحارث الأعور قال : مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على علي رضي الله عنه فقلت : يا أمير المؤمنين ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث قال : وقد فعلوها؟ قلت :نعم.قال:أما إني قد سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول:(ألا أنها ستكون فتنة، فقلت ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ من كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ }،الأحقاف،30. من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور) (6) .
وفي القرآن شفاء لكثير من الأمراض، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً }،الإسراء،82. ومن هنا لبيان الجنس لا للتبعيض، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }،يونس،57. فالقرآن هو الشفاء التام من أكثر ألأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة.(7).
لقد وعد الله بحفظ ذكره وهو الذي يعلم كل شيء، حيث قال في سورة يونس:(وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }،يونس،61.
ولهذا جعل الحط من قيمة القرآن كبيرة من الكبائر عند الفقهاء وان اختلف الناس في الكبائر فمنهم من قصد تعريفها بتعدادها، و ذكروا في ذلك أعدادا من الذنوب و من سلك هذه الطريقة فليجمع ما ورد في ذلك في الأحاديث، إلا أنه لا يستفيد بذلك الحصر، و من هذا قيل : إن بعض السلف قيل له : أنها سبع فقال : إنها إلى السبعين أقرب منها إلى السبع ، و منهم من سلك طريق الحصر بالضوابط فقيل عن بعضهم : إن كل ذنب قرن به وعيد أو لعن أو حد فهو من الكبائر، فتغيير منافع الأرض كبيرة لاقتران اللعن به، و كذا قتل المؤمن لاقتران الوعيد به و المحاربة به و الزنا و السرقة و القذف كبائر لاقتران الحدود بها و اللعنة يبعضها. و سلك بعض المتأخرين طريقا فقال : إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر و الكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإذا زادت على أقل مفاسد الكبائر فهي من مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر، و إن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليه فهي من الكبائر. و عد الشافعي من الكبائر شتم الرب- تبارك و تعالى- أو الرسول عليه الصلاة والسلام- و الاستهانة بالرسل و تكذيب واحد منهم ، و تضميخ الكعبة بالعذرة و إلقاء المصحف في القاذورات فهذا من أكبر الكبائر، و لم يصرح الشرع بأنه كبيرة وهذا الذي قاله داخل عندي- أي عند الشافعي- فيما نص عليه الشرع بالكفر إن جعلنا المراد بالإشراك بالله مطلق الكفر على ما سنسببه عليه. و لا بد مع هذا من أمرين أحدهما: أن المفسدة لا تؤخذ مجردة عما يقترن بها من أمر آخر فإنه قد يقع خطأ في ذلك، ألا ترى أن السابق إلى الذهن أن مفسدة الخمر السكر و تشويش العقل ؟ فإن أخذنا هذا بمجرده لزم منه أن لا يكون شرب القطرة الواحدة كبيرة لخلائها عن المفسدة المذكورة لكنها كبيرة فإنها و إن خلت عن المفسدة المذكورة إلا أنه يقترن بها مفسدة الإقدام و التحري على شرب الكثير الموقع في المفسدة فبهذا الاقتران تصير كبيرة (8).
والثاني : أنا إذا سلكنا هذا المسلك فقد تكون مفسدة بعض الوسائل إلى بعض الكبائر مساوية لبعض الكبائر أو زائدة عليها ، فإن من أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها ، أو مسلما معصوما لمن يقتله فهو كبيرة أعظم مفسدة من أكل مال الربا أو أكل مال اليتيم وهما منصوص عليهما ، و كذلك لو دل على عورة من عورات المسلمين تفضي إلى قتلهم وسبي ذرا ريهم و أخذ أموالهم كان ذلك أعظم من فراره من الزحف، و الفرار من الزحف منصوص عليه دون هذه ، و كذلك تفعل على هذا القول الذي ذكرناه من أن الكبيرة ما رتب عليها اللعن أو الحد أو الوعيد فتعتبر مفاسد بالنسبة إلى ما رتب عليه من ذلك، فما ساوى أقلها فهو كبيرة و ما نقص عن ذلك فليس بكبيرة.(9).
ومن هنا نجد إن من الكبائر عدم احترام وتوقير كتاب الله القرآن الكريم.
الفرع الأول: قرأه القرآن وحمله في جميع ألأحوال
يمكن أن نبحث هذا الموضوع إذا علمنا أن القارئ إما أن يكون طاهرا من الحدث الأصغر والأكبر وهو شرط عند بعض الفقهاء لقراءة وحمل المصحف ، وإما أن يكون الحامل أو القارئ على جنابة أو غير متوضئ للذكر والأنثى، أو للحائض والنفساء إن كانت أنثى، والذي سنفصله فيما يلي:
النقطة الأولى- قرأه القرآن لمن هو على غير وضوء: يرى الحنابلة انه إذا قرأ غير المتوضيءفي المصحف، أو اللوح، ولم يمسه جاز ذلك، وإن كان على غير طهور، ويجوز له أن يكتب في اللوح وهو على غير وضوء.وإذا توضأ لنافلة صلى فريضة
لا أعلم في هذه المسألة خلافا وذلك لأن النافلة تفتقر إلى رفع الحدث كالفريضة وإذا ارتفع الحدث تحقق شرط الصلاة وارتفع المانع فأبيح له الفرض ، وكذلك كل ما يفتقر إلى الطهارة كمس المصحف والطواف، إذا توضأ له ارتفع حدثه وصحت طهارته وأبيح له سائر ما يحتاج إلى الطهارة (10).
وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه بعث رجلا من بني سلمة ورجلا من بني أسد وقال:إنكما لعجان-قويان-فعالجا عن دينكما، ثم قام فدخل المخرج ، ثم خرج فدعا بماء فأخذ منه حفنة فتمسح بها ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك، فقال علي: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجبه-أو قال يحجزه- شيء ليس الجنابة) (11).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:(كان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يذكر الله على كل أحيانه)(12).وكذلك عند الشافعية: ومن أجنب حرم عليه الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله لأنا دللنا على أن ذلك يحرم على المحدث فلأن يحرم على الجنب أولى، ويحرم عليه قراءة القرآن (13) ، لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي ، صلى الله عليه وسلم، قال : [ لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن ](14).ومن هذا نرى انه لا مانع من قراءه القرآن من غير المصحف , إي شفاهة،عن ظهر قلب ,لغير الطاهر الطهارة الصغرى، ولعل حديث ابن عمر الذي استدل به الشافعية محمول على القراءة من المصحف. وبذلك يمكن الجمع بين الرأيين.
النقطة الثانية- حكما قراءه الجنب والحائض للقرآن:
وأما قراءة الجنب والحائض للقرآن ،
فللعلماء فيذلك ثلاثة أقوال:
قيل:لا
يجوز لهذا ولهذا، وهو مذهب
جمهور الفقهاء، فعند أبي حنيفة
لا يجيز لهما ذلك لقوله، صلى
الله عليه وسلم:( لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن) (15). وعن الطحاوي من
الحنفية: انه يجوز له قراءه بعض آية، والحديث لا يفصل، ولا بأس في أن يقرأ شيئا منه
لا يريد به القرآن كالبسملة والحمد. والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد(16)
أنه يجوز لغير المتوضئ أن يقرأ القرآن وأن يذكر الله، واستدلوا بحديث علي بن أبي
طالب :(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا
الجنابة)(17) وأنه ناسخ لحديث أبي جهم:( أقبل رسول الله ،صلى الله عليه وسلم، من
نحو بئر جمل فلق رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه
ثم انه رد عليه السلام )(18).
كذلك قال الحنابلة: تمنع الحائض من قراءة القرآن لقوله، صلى الله عليه وسلم:(
لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن).(19)
وقيل: لا يجوز للجنب، ويجوز للحائض، إما مطلقا، أو إذا خافت النسيان، وهو
مذهب مالك.(20)
وقول في مذهب أحمد وغيره. فإن
قــراءة الحائض القرآن لم يثبت عن النبي ،صلى الله عليه وسلم، فيه شيء غير الحديث
المروي عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: (لا تقرأ
الحائض ولا الجنب من القرآن شيئا)، رواه أبو داود وغيره. وهو حديث ضعيف باتفاق
أهل المعرفة بالحديث(21).
ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يكن
ينهاهن عن قراءة القرآن. كما لم يكن ينهاهن عن الذكر والدعاء بل أمر الحِيَّض أن
يخرجن يوم العيد، فيكبرن بتكبير المسلمين. وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا
الطواف بالبيت: تلبي وهي حائض، وكذلك في مزدلفة ومنى، وغير ذلك من المشاعر.
وأما الجنب، فلم يأمره أن يشهد صلاة العيد، ولاأن يصلي، ولا أن يقضي شيئًا من
المناسك؛ لأن الجنب يمكنه أن يتطهر فلا عذر له في ترك الطهارة، بخلاف الحائض فإن
حدثها قائم لا يمكنها معه التطهر. فعلم ذكر العلماء: ليس للجنب أن يقف بعرفة
ومزدلفة ومنى حتى يطهر ـ وإن كانت الطهارة ليست شرطا في ذلك ـ لكن المقصود أن
الشارع أمر الحائض أمر إيجاب أو أمر استحباب بذكر اللّه ودعائه مع كراهة ذلك
للجنب.
فعلم أن الحائض يرخص لها فيما لا يرخص للجنب فيه؛ لأجل العذر. وإن كانت عدتها
أغلظ، فكذلك لم ينهها الشارع عن قراءة القرآن .
وإن قيل: إنه نهي كالجنب؛
لأن الجنب يمكنه أن يتطهر ويقرأ، بخلاف الحائض تبقى حائضا أياما فتفوتها قراءة
القرآن، فوت عبادة تحتاج إليها ـ مع عجزها عن الطهارة ـ وليست القراءة كالصلاة، فإن
الصلاة يشترط لها الطهارة من الحدث الأكبر، و الحدث الأصغر، والقراءة تجوز مع الحدث
الأصغر بالنص، واتفاق الأئمة.
والصلاة يجب فيها استقبال القبلة، واللباس، واجتناب النجاسة، والقراءة لا يجب فيها
شيء من ذلك، بل كان النبي ، صلى الله عليه وسلم، يضع رأسه في حجر عائشة ـ رضي اللّه
عنها ـ وهي حائض، وهو حديث صحيح. وفي صحيح مسلم أيضًا: يقول اللّه ـ عز وجل ـ
للنبي - صلى الله عليه وسلم- : (إني منزل عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرأه
نائمًا ويقظان)(22). فتجوز القراءة قائمًا وقاعدًا وماشيًاومضطجعًا وراكبًا.
وذهب البخاري وابو داود وابن حزم إلى
جواز القراءة للجنب(23) ، وقال البخاري: لابأس أن تقرأ الحائض الآية ، ولم ير ابن
عباس في القراءة للجنب بأسا، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يذكر الله على كل
أحيانه، قال الحافظ تعليقا على هذا: لم يصح عند المصنف- يعني البخاري- شيء من
الأحاديث الواردة في ذلك أي في منع الجنب والحائض من القراءة.(24).
النقطة الثالثة:
هل يجوز مس المصحف بغير وضوءأم لا؟
مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يمس المصحف إلا طاهر(25). كما قال
صلى الله عليه وسلم في الكتاب
الذي كتبه رسول الله ،صلى الله عليه وسلم، لعمرو بن حزم: ( لَّا يَمَسُّهُ
إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ }،الواقعة،79 .
قال الإمام أحمد: لا شك في أن النبي- صلى الله عليه وسلم -كتبه له، وهو -أيضاً-
قول سلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر، وغيرهما. ولا يعلم لهما من الصحابة
مخالف(26).
وأما
إذا حمل الإنسان المصحف بكمه فلا بأس، ولكن لا يمسه بيديه.
ومن كان معه مصحف فله أن يحمله بين قماشه، وفي خرجه وحمله، سواء كان ذلك القماش
لرجل أو امرأة أو صبي، وإن كان القماش فوقه أو تحته.وبهذا فيجوز حمل الجهاز
المسجل عليه آيللمتيمم:رآن الكريم من قبل الذكر والأنثى على أية حال كانوا ،لأن نص
الآيات يكون ضمن محتويات الجهاز ،ولو اعتبر مصحفا وكذلك يحمل في الغالب بحافظة في
المتاع أو اللباس..
النقطة الرابعة: القراءة، ومس المصحف للمتيمم : اتفق العلماء على أن التيمم طهارة بدلا عن الطهارة الصغرى.(27) أما في كونها بدلا عن الطهارة الصغرى فيرى الأمام علي وغيره من الصحابة مستدلين من القرآن بأن الضمير يعود على الملامسة التي هي الجماع من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً }،النساء،43 . ولما روي عن عمران بن حصين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم فقال: يا فلان أما يكفيك أن تصلي مع القوم؟فقال : يارسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، فقال عليه الصلاة والسلام: عليك بالصعيد فانه يكفيك (28). وذهب عمر بن الخطاب وابن مسعودالى أنهما كانا لا يريان التيمم بدلا عن الطهارة الكبرى، ذلك لاحتمال عودة الضمير في قوله تعالى:( أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً) – على المحدث حدثا أصغر فقط .(29).
والمتيمم يؤم المغتسل عند جمهور العلماء، وهو مذهب الأئمة الأربعة، إلا محمد بن الحسن. واللّه أعلم .(30).
الفرع الثاني: حكم قياس حمل الجهاز المسجل عليه آيات من القرآن في أماكن غير طاهرة:
قبل إن نبين حكم حمل الجهاز، الذي لا يمكن في الواقع أن يطلق عليه لفظ المصحف، لا بد من بيان حكم ذكر الله في مختلف الأماكن من حيث الطهارة وعدمها:
النقطة الأولى: ذكر الله تعالى في كل مكان:
من المعلوم أن ذكر الله في الأماكن الطاهرة ومن الطاهرين فيه أجر كبير ، بل هو من أحب الأعمال إلى الله.ولكن هل للمسلم أن يذكر الله في الأماكن غيرالطاهرة أويستمع إلى الذكر فيها كالحمام وغيره، هذا ما سنبينه فيما يلي : يرى جمهور الفقهاء انه لا مانع من ذكر الله في اثناء وجود المسلم في الحمام العام فقد قال احمد بن حنبل : لا بأس بذكر الله في الحمام، فان ذكر الله حسن في كل مكان ما لم يرد المنع منه، وقد روي أن أبا هريرة دخل الحمام فقال: لا اله إلا الله، وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم،( أنه كان يذكر الله على كل أحيانه)(31) ، فأما قراءة القرآن فقال أحمد: لم يبين لهذا، وكره قراءة القرآن ، لأنه- أي الحمام- مكان للتكشف ويفعل فيه ما لا يستحسن عمله فاستحب صيانة القرآن عنه، وقال الأولى جواز القراءة فيه لأننا لا نعلم حجة تمنع من قراءته، ولم يكرهه مالك والنخعي(32).
وأما ذكر الله في الخلاء فجمهور الفقهاء أنه لا يجوز له ذكر الله إلا في نفسه ، وكره ذلك ابن عباس وعطاء وعكرمة، وقال ابن سيرين والنخعي: لا بأس به لأن ذكر الله محمود على كل حال(33). واستدل الحنابلة بما روي عن ابن عمر من أن رجلا مر على النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يبول فسلم على النبي فلم يرد عليه السلام ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وعن جابر أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي، فانك إن فعلت ذلك لم أرد عليك).(34). إذا أراد دخول بيت الخلاء ومعه شيء فيه ذكر الله استحب وضعه لما روي عن أنس بن مالك من أن رسول الله( كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)(35). وقال حديث منكر. وقال أحمد: الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كفه ويدخل الخلاء. وبما روي" أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لبس خاتماً نقشه: محمد رسول الله وكان إذا دخل الخلاء وضعه(36). "
والحديث دليل على الإبعاد عند قضاء الحاجة ،وما يرشد إليه لفظ الخلاء فإنه يطلق على المكان الخالي وعلى المكان المعدّ لقضاء الحاجة، ويأتي في حديث المغيرة ما هو أصرح من هذا بلفظ : فانطلق حتى توارى " وعند أبي داود : " وكان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد.(37).
وذلك دليل على إبعاد ما فيه ذكر الله عند قضاء الحاجة . وقال بعضهم : يحرم إدخال المصحف الخلاء لغير ضرورة، وقيل : فلو غفل عن تنحية ما فيه ذكر الله حتى اشتغل بقضاء حاجته غيبه في فيه أو في عمامته أو نحوه، وهذا فعل منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وقد عرف وجهه ، وهو صيانة ما فيه ذكر الله عزّ وجلّ عن المحلات المستخبثة فدلّ على ندبه وهوليس خاصاً بالخاتم بل بكل ملبوس فيه ذكر الله(38).
وعند الشافعية: " ولا يحمل في الخلاء ذكر الله تعالى " أي ذكر مكتوب من قرآن أو غيره حتى حمل ما كتب من ذلك في درهم أو نحوه تعظيما له واقتداء به صلى الله عليه وسلم فإنه ( كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه وكان نقشه ثلاثة أسطر : محمد سطر، و رسول سطر، و الله سطر )(39) .( وحمل ما عليه ذكر الله تعالى الى الخلاء مكروه لا حرام، ومثل ذلك اسم رسوله وكل اسم معظم كما في الكفاية تبعا للإمام)، قال المصنف في " التنقيح " : ولعل المراد الأسماء المختصة بالله ونبيه مثلا دون ما لا يختص مثل " عزيز " و " كريم " و " محمد " و " أحمد " إذا لم يكن ما يشعر بأنه المراد .( ومثل ما يشعر بذلك إذا قصده به، فإن ترك ذلك ولو عمدا حتى قعد لقضاء حاجته ضم كفه عليه أو وضعه في عمامته أو غيرها وهذا الأدب مستحب. قال ابن الصلاح : وليتهم قالوا بوجوبه . قال الأذرعي : والمتجه تحريم إدخال المصحف ونحوه الخلاء من غير ضرورة إجلالا له وتكريما) .
قال الإسنوي : ومحاسن كلام الشريعة تشعر بتحريم بقاء الخاتم الذي عليه ذكر الله تعالى في اليسار حال الاستنجاء وهو ظاهر إذا أفضى ذلك إلى تنجيسه . وينبغي حمل كلام الأذرعي على ما إذا خيف عليه التنجيس(40). والأمر في دخول بيت الخلاء بالجهاز المسجل عليه آيات من القرآن الكريم، مع أنه لا يسمى مصحفا ، ولو فرضنا ذلك فانه لا يخاف عليه من النجاسة لأن الآيات على الحافظة موجودة داخل الجهاز ،ولأن الجهاز غالبا يكون محفوظا في الجيب أو غلاف الجهاز بالإضافة إلى حفظ الجهاز للذاكرة أو البطاقة.لذا نرى إن العلة في المنع المبني عليه حكم الكراهية عند بعض الفقهاء كما بينا سابقا هنا منتفية. لذا جاز حمله للضرورة، وان كان الأولى وضعه في مكان طاهر وآمن إن أمكن.
النقطة الثانية:حكم قياس حمل الجهاز على ما سبق
يظهر مما سبق جواز ذكر الله في إي مكان ولو كان ذلك في بيت الخلاء ، والذي يحمل الجهاز المبرمج عليه أرقام ممثلة لأحرف القرآن الكريم، فصورته أن يفتح الجهاز للرد على من يطلبه، أو أن يتلقى مكالمة في هذه الحالة، فهو أولا لم يذكر الله ولو ردد في نفسه كما رأينا سابقا رأي الفقهاء فلا بأس بذلك . كيف لا والآدمي يدخل بيت الخلاء والقرآن في جوفه. وثانيا هو يحمل جهازا لا يطلق عليه اسم مصحف ولو كان قد سجل عليه آية أو آيات من القرآن الكريم ، ولو كان كذلك فهو محفوظ في الجهاز ، وهو كذلك مستمع للقرآن أو الذكر لا متلفظ به ذلك اذا لم يجب بلفظ او لم يفتح الجهاز للرد على طالبه، والأولى بل الواجب أن لا يجيب وهو على هذه الحالة فينتظر خروجه من مكانه ويرد على مكالمة فائته. أليس يسمع المرء القرآن عبر مكبرات الصوت من المساجد - وهو أحيانا في بيت الخلاء- بغير إرادته، ولا بأس في ذلك لجواز ذلك من غير تلفظ منه عند الفقهاء كما بينا سابقا ، فلا بأس بحمل الجهاز في أي مكان وخاصة إذا لم يستطع تركه في مكان طاهر وآمن، ويفضل أن يسجل عليه دعاء أو بعض آية مما لا يتغير معناه لو قطع في أثناء فتحه للجهاز في مكان طاهر.
المطلب الثاني:حكم السفر بالقرآن إلى دار الكفر وعلة الحكم.
يرى الفقهاء المسلمون كراهية السفر بالقرآن إلى ارض العدو خوفا عليه، واستدلوالذلك بما روي عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن(41). وكذلك بما روي عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، والمراد به المكتوب من المصحف لا المحفوظ في الصدور وذلك إذا خيف عليه أن يناله العدو لقلة الجيش المسلم وإلا فلا مانع منه(42).
وعند الحنفية: لا بأس بإخراج النساء والمصاحف وكتب الفقه والحديث وكل ما يجب تعظيمه ويحرم الاستخفاف به مع المسلمين إذا كان الجيش المسلم عسكرا عظيما يؤمن عليه ، لأن الغالب هو السلامة والغالب كالمتحقق ، ( ويكره إخراج ذلك في سرية لا يؤمن عليها )، لأن فيه تعريضهن الى الضياع والفضيحة، وتعريض المصاحف الى الاستخفاف، لأنهم يستخفون بها إغاظة للمسلمين وهو التأويل الصحيح لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تسافروا بالقرآن في أرض العدو )(43). ولو دخل مسلم إليهم بأمان لا بأس في أن يحمل معه المصحف إذا كانوا قوما يوفون بالعهد، لأن الظاهر عدم التعرض(44). ومن هنا يظهر جواز السفر إلى دار الكفر بالجهاز الذي سجل علية آيات من القرآن ، لان علة المنع غير متحققة في حمل الجهاز وهي الخوف عليه من الاستخفاف إذا وقع في أيدي الأعداء ، لأن الجهاز وان سجلت عليه الآيات إلا انه لا يمكن أن نطلق عليه اسم المصحف لأن ما سجل عليه إنما هي رموز وأرقام وليست أحرفا عربية ، ويمكن حماية البرامج بوضع كلمات السر ، وبذلك نؤمن حفظه وعدم فتحه إلا من قبل مالكه..
المبحث الثاني:حكم برمجة ايات من القرآن على الجهاز لتكون منبها للحامل
المطلب الأول: صفة الجهاز بعد التسجيل
البرمجة لأية معلومة هي في الحقيقة كما يعرفها المختصون بعلم الحاسوب ، وعلى النسق فان برمجة جهاز الاتصال- الخلوي- عبارة عن لغة رقمية : صفر إلى واحد، ويقوم المبرمج بعملية تحويل وتمثيل للأرقام بما يعادلها من لغة الحاسوب بالأحرف فالذي يدخل في حافظة الجهاز-ميموري كارتmemory cart- - أرقام وليست أحرفا عربية ولا تقرأ بالعربية إلا بعد فتح الجهاز وإعطائه أوامر بالإخراج ،فتتحول الأرقام بلغة الجهاز إلى أحرف أو تظهر بالشكل الذي يمكن المستخدم من قرأتها. ولا يمكن لمن يجد الحافظة أو الجهاز دون استخدام البرنامج أن يعرف بوجود قرآن مسجل عليه، وخاصة من غير المتخصصين، فضلا عن أنه لا يمكن لمن يرى الحافظة بأي شكل أن يطلق عليها اسم مصحف. إذا, هو في الواقع يسير بعملية تشفير، وهو بوجود الحافظة في الجهاز، ولو كان قد سجل عليها آيات من القرآن الكريم فهي محفوظة ولا يخاف عليها شيء.
فيبقى الجهاز قبل التسجيل وبعد التسجيل عليه جهازا ولا يتغير اسمه أو صفته لاسم مصحف بأي حال(45).
ويمكن اعتبار هذا الأمر من الأمور التي عمت بها البلوى، خاصة في هذا الزمان الذي أصبح فيه انتشار الجهاز الخلوي ووجوده أساسا لكل عمل، ولا يستغنى عنه لأقل المهن التي فيها اتصال بالآخرين حتى لأبسط الأمور.
ويمكن أن نقيس استخدامه بما تعم به البلوى علي استخدام مكبرات الصوت في المساجد من قبل الخطباء على المنابر، أو المقرئين . فهو مما عمت به البلوى، لأنه يكون في الغالب بغير قصد ولا نية، وكذلك حمل الجهاز الخلوي وتسجيل عليه آية أو بعض آية لتكون منبها للحامل بوجود آخر يتصل به أو بحلول الوقت الذي يريد فيه الاستيقاظ، فهذا يسجل بنية التبرك بكلام الله ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إنما الأعمال بالنيات) رواه الشيخان رقم1 ج1، ص1 ،ومسلم ،ج2،ص697، رقم1006. وان تحرز المرء فجعل بعض ألآيات التي لو قطع بعضها لا يكون فيه شبهة مثل –إنا أعطيناك الكوثر- فأينما قطع الكلام لا يعطي معنى مكفرا أو معنى منهيا عنه. وان كان الأولى أن يسجل عليه دعاء من أدعية الصالحين. وهذه مناقشة للفتوى التي سمعت من بعض الفضائيات تسجيل القرآن على ألأجهزة الخلوية للتنبيه أو القراءة، محتجين بضرورة إبقاء كلام الله منزها ومحفوظا بما يليق به من التكريم، وللخوف من انقطاع الصوت عند معنى لا يجوز الوقوف عليه، لما قد يؤول إليه من معنى ربما يكون محرما . مع أن وجود أية مسجلة على الجهاز بالشرط الذي ذكرته هو أولى بكثير من تسجيل جرس موسيقي يعبر عن هوى ماجن من أهل الهوى ، وكما هو معلوم فان الاستماع للموسيقى محرم عند جمهور الفقهاء(46) ، فضلا عن إلزام الآخرين بسماعه في الغالب فيزداد إثما وهو بذلك يرفع شعار وعادة لغير المسلمين ويقلدهم فيها . والموسيقى منها ما هو محرم وهو ضرب الأوتاروالنايات والمزامير كلها والعود والطنبور والمعرفة والربابة ونحوها اعتمادا على الحديث: ( إذا ظهر في أمتي خمس عشرة خصلة حل بهم البلاء- وذكر منها إظهار المعازف والملاهي) ولقوله تعالى. {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ }،القصص،55. ومن الموسيقى ما هم مباح وهو الضرب بالدف لقوله صلى الله عليه وسلم:(أعلنوا النكاح وأضربوا عليه بالدف).(47) وهو أي الضرب مباح للنساء ومكروه للرجال(48).وكذلك قياسا على عدم اعتبار القراءة بغير العربية قرآنا ، فقد ورد لمن لا يحسن القراءة بالعربية في الركعة من الصلاة فان له أن يسبح ويذكر و لا يقرأ بالفارسية، و أصله قوله تعالى : { فاقرأوا ما تيسر من القرآن }،المزمل/20 ، وفيه أمر بقراءة القرآن في الصلاة ، فهم قالوا : إن القرآن هو المنزل بلغة العرب،قال الله تعالى : { إنا أنزلناه قرآنا عربيا }،يوسف/2، فلا يكون الفارسي قرآنا فلا يخرج به عن عهدة الأمر، و لأن القرآن معجز و الإعجاز من حيث اللفظ يزول بزوال النظم العربي فلا يكون اللفظ الفارسي قرآنا لانعدام الإعجاز، و لهذا لم تحرم قراءته- يعني اللفظ الفارسي- على الجنب و الحائض، إلا أنه إذا لم يحسن العربية فقد عجز عن مراعاة لفظه فيجب عليه مراعاة معناه ليكون التكليف بحسب الإمكان.
و عند الشافعي رحمه الله تعالى: هذا ليس بقرآن فلا يؤمر بقراءته -أي اللفظ بغير العربي- لآيات القرآن الكريم. و أبو حنيفة يقول: إن الواجب في الصلاة قراءة القرآن من حيث هو لفظ دال على كلام الله تعالى الذي هو صفة قائمة به، لما يتضمن من العبر و المواعظ و الترغيب و الترهيب و الثناء و التعظيم، لا من حيث هو لفظ عربي.
و معنى الدلالة عليه لا يختلف بين لفظ و لفظ قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ }،الشعراء/196.
و قال : { إن هذا لفي الصحف الأولى(49) صحف إبراهيم وموسى } الاعلى19، و معلوم أنه ما كان في كتبهم بهذا اللفظ بل بهذا المعنى.
و أما قولهم إن القران هو المنزل بلغة العرب، فالجواب عنه من وجهين أحدهما : إن كون العربية قرآنا لا ينفي أن يكون غيرها قرآنا وليس في الآية نفيه، و هذا لأن العربية سميت قرآنا لكونها دليلا على ما هو القرآن، و هي الصفة التي هي حقيقة الكلام، و لهذا قلنا-أي الحنابلة وجمهور الفقهاء- إن القرآن غير مخلوق على إرادة تلك الصفة دون العبارات العربية، و معنى الدلالة يوجد في الفارسية فجاز تسميتها قرآنا دل عليه قوله تعالى : {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }،فصلت/44. أخبر سبحانه و تعالى أنه لو عبر عنه بلسان العجم كان قرآنا. و الثاني: إن كان لا يسمى غيرا لعربية قرآنا لكن قراءة العربية ما وجبت لأنها تسمى قرآنا، بل لكونها دليلا على ما هو القرآن الذي هو صفة قائمة بدليل أنه لو قرأ كلاما عربيا لا يتأذى به كلام الله تفسد صلاته فضلا عن أن يكون قرآنا واجبا،و معنى الدلالة لا يختلف فلا يختلف الحكم المتعلق به، و الدليل عندهما على أن تفترض القراءة بالفارسية على غير القادر على العربية، و عذرهما غير مستقيم ، لأن الوجوب متعلق بالقرآن، و أنه قرآن عندهما باعتبار اللفظ دون المعنى، فإذا زال اللفظ لم يكن المعنى قرآنا فلا معنى للإيجاب، و مع ذلك وجب. فدل أن الصحيح ما ذهب إليه أبو حنيفة، و لأن غير العربية إذا لم يكن قرآنا لم يكن من كلام الله تعالى، فصار من كلام الناس وهو يفسد الصلاة ، و القول بتعلق الوجوب بما هو مفسد غير سديد(50).
و أما قولهم : إن الإعجاز من حيث اللفظ لا يحصل بالفارسية، فنعم ، لكن قراءة ما هو معجز النظم عنده ليس بشرط لأن التكليف ورد بمطلق القراءة لا بقراءة ما هو معجز و لهذا جوز قراءة آية قصيرة و إن لم تكن هي معجزة ما لم تبلغ ثلاث آيات، و فصل الجنب و الحائض ممنوع،
و لو قرأ شيئا من التوراة أو الإنجيل أو الزبور في الصلاة إن تيقن أنه غير محرف يجوز عند أبي حنيفة لما قلنا : و إن لم يتيقن لا يجوز لأن الله تعالى أخبر عن تحريفهم بقوله : { يحرفون الكلم عن مواضعه }،البقرة/ 75، فيحتمل إن المقروء محرف فيكون من كلام الناس فلا يحكم بالجواز بالشك و الاحتمال
و على هذا الخلاف إذا تشهد أو خطب يوم الجمعة بالفارسية و لو أمن بالفارسية أو سمى عند الذبح بالفارسية أولى عند الإحرام بالفارسية أو بأي لسان كان يجوز بالإجماع و لو أذن بالفارسية قيل : إنه على هذا الخلاف.و قيل: لا يجوز بالاتفاق لأنه لا يقع به الإعلام ولو وقع به الإعلام يجوز و الله أعلم.
من هنا يظهر أن الآيات المسجلة على الجهاز، هي مسجلة بأرقام وليس بالأحرف وعلى هذا يمكن حمله، وقبل إن تترجم إلى الأحرف فلا تعتبر قرآنا كما ظهر فيما سبق.
المطلب الثاني: حكم سماع القرآن في كل حال:
ينبغي سماع القرآن مع التدبر والخشوع لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }،الأعراف/204. وفي الحديث عن عبد الله قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي، قلت:أقرأ عليك وعليك أنزل يا رسول الله؟ قال: إنني أشتهي أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً }،النساء/41، قال: كف أو امسك فرأيت عينيه تذرفان)(51) . وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب:ان الله أمرني أن أقرأ عليك:( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين .....) قال أبي: وسماني إليك؟ قال: نعم. قال: فبكى)(52) . في الحديث استحباب سماع القرآن من أهله له، وعلى السامع الخشوع والإنصات والتفكر في معانيه وألفاظه.
أما
الاستماع إلى القراءة فهو جائز لمن هو على غير وضوء
لقوله تعالى:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ
مَشْهُودًا}،الإسراء/ 78، وقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ
فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}،الأعراف/ 204.
فاللفظ عام ولم يحدد السماع .
وكان أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ
والباقي يستمعون، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى ـ رضي الله عنهما ـ: ذكرنا
ربنا. فيقرأ وهم يستمعون، ومر النبي- صلى الله عليه وسلم- بأبي موسى ـ رضي الله
عنه ـ وهو يقرأ، فجعل يستمع لقراءته، فقال: (يا أبا موسى، مررت بك البارحة
فجعلت أستمع لقراءتك)، فقال: (لو علمت لحَبَّرتُه لك تحبيرًا. وقال:
(لله أشد أذنا) أي استماعا (إلى الرجل يحسن الصوت بالقرآن من صاحب القِينَةِ
إلى قينته). وقد قال
ألأمام الشافعي: لا بأس بسماع القرآن لغير المتوضىء حتى لغير المسلمين بما رواه أن
مشركي قريش أتوا المدينة في فداء أسراهم وكانوا يبيتون في المسجد منهم جبير بن مطعم
الذي قال: كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم(53).
وهذا هو سماع المؤمنين وسلف الأمة وأكابر المشايخ، كمعروف الكرخي، والفضيل بن عياض،
وأبي سليمان الداراني، ونحوهم. وهو سماع المشايخ المتأخرين الأكابر، كالشيخ عبد
القادر، والشيخ عدي بن مسافر، والشيخ أبي مدين، وغيرهم ـ رحمهم الله(54).
وأما سماع المشركين، فكان سماعهم كما ذكره الله ـ تعالى ـ في كتابه بقوله
تعالى:{ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء
وَتَصْدِيَةً}،الأنفال/ 35. قال السلف: المكاء: الصفير. والتصدية:
التصفيق باليد. فكان المشركون يجتمعون في المسجد الحرام يصفقون ويصوتون يتخذون
ذلك عبادة وصلاة، فذمهم الله على ذلك، وجعل ذلك من الباطل الذي نهى عنه.
فمن اتخذ نظير هذا السماع عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله، فقد ضاهى هؤلاء في بعض
أمورهم، وكذلك لم تفعله القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي،صلى الله عليه وسلم،
ولا فعله أكابر المشايخ.
وأما سماع الغناء على وجه اللعب، فهذا من خصوصية الأفراح للنساء والصبيان كما جاءت
به الآثار؛ فإن دين الإسلام واسع لا حرج فيه.
وقد ذكر الفقهاء في باب سجود التلاوة،وجوب السجود للسامع كما جاء في فقه الحنفية: والسجدة واجبة في هذه المواضع على التالي والسامع سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد ، لقوله عليه الصلاة والسلام: [ السجدة على من سمعها وعلى من تلاها ](55) ، وهي كلمة إيجاب وهو غير مقيد بالقصد.
(وإذا تلا الإمام آية السجدة سجدها المأموم معه لالتزامه متابعته،وإذا تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المأموم في الصلاة ولا بعد الفراغ عند أبي حنيفة و أبي يوسف رحمهما الله ، وقال محمد رحمه الله : يسجدونها إذا فرغوا لأن السبب قد تقرر ولا مانع بخلاف حالة الصلاة ة ، لأنه يؤدي إلى خلا ف وضع الإمامة أو التلاوة ، ولهما أن المقتدي محجور عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه وتصرف المحجور لا حكم له بخلاف الجنب والحائض لأنهما منهيان عن القراءة إلا أنه يجب لاعلى الحائض بتلاوتها كما لا يجب بسماعها لانعدام أهلية الصلاة بخلاف الجنب، ولو سمعها رجل خارج الصلاة سجدها هو الصحيح ، لأن الحجر ثبت في حقهم فلا يعدوهم، وإن سمعوا وهم في الصلاة سجدة من رجل ليس معهم في الصلاة لم يسجدوها في الصلاة لأنها ليست بصلاتهم، لأن سماعهم هذه السجدة ليس من أفعال الصلاة وسجدوها بعدها لتحقق سببها ، ولو سجدوها في الصلاة لم يجزهم لأنه ناقص لمكان النهي فلا يتأدى به الكامل، قال وأعادوها لتقرر سببها ولم يعيدوا الصلاة لأن مجرد السجدة لا ينافي إحرام الصلاة وفي النوادر : ( أنها تفسد لأنهم زادوا فيها مالي منها ، وقيل هو قول محمد رحمه الله ، فإن قرأها الإمام وسمعها رجل ليس معه في الصلاة فدخل معه بعد ما سجدها الإمام لم يكن عليه أن يسجدها ، لأنه صار مدركا ، فههنا أولى، وإن لم يدخل معه سجدها وحده لتحقق السبب ، وكل سجدة وجبت في الصلاة فلم يسجدها فيها لم تقض خارج الصلاة لأنها صلاته، ولها مزية الصلاة فلا تتأدى بالناقص).(56) فهذا يبين أن السامع على أية حال كان يقوم بسجود التلاوة حال السماع.
وكذك أجاز الفقهاء السماع حتى للذمي من باب استرقاق قلبه طمعا في هدا يته ،جاء في الإنصاف هل يجوز لأهل الذمة دخول مساجد الحل ؟ على روايتين:
فظاهر الإطلاق وكلام القاضي: يقتضي جوازه مطلقا لسماع القرآن والذكر ليرق قلبه ورجي إسلامه.(57)
فيظهر مما سبق جواز سماع القرآن على كل حال ، وهذا يندرج على حامل الجهاز الذي قد سجل عليه بعضا من آيات القرآن الكريم، فيجوز سماع القرآن الصادر من الجهاز عند اتصال آخر بحامله ، والاستماع الى ما سجل عليه يكون دون أن يردد ذلك في لسانه إن كان على غير طهارة كما أوضحنا فيما سبق.
فهرس الهوامش:
[1] - البخاري، محمد بن اسماعيل، صحيح البخاري،ج4،ص1919،رقم4739.
2 - سنن الترمذي،ج4،ص178،رقم2915.قال ابو عيسى :هذا حديث حسن صحيح.
3 - ناصيف ، منصور علي ،التاج الجامع للأصول دار الفكر ،ج4، ص 11.
4- سنن الترمذي،ج5،ص184،رقم2926.وهو عند الالباني ضعيف.
5- مسند أحمد بن حنبل،ج1،ص148،رقم1267.وسنن الترمذي،ج5،ص171،رقم2905.وهو عند الالباني ضعيف.
6- سنن الترمذي ،ج5،ص172، رقم 2906. وهو عند الالباني ضعيف.
7- الجوزية ، ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد،دار الكتب العلمية، ج3،ص17.
8- الآمدي، علي بن محمد ابي الحسن،.احكام الاحكام، دار الكتاب العربي،بيروت،1404هجري،ج1،ص271.
9- الآمدي ،علي بن محمد أبي الحسن،إحكام الأحكام، دار الكتاب العربي،بيروت،1404هجري،ج1،ص273.
10- المقدسي، ابن قدامه، المغني، ج1، ص162.
11- سنن أبي داود،،ج1،ص59، رقم الحديث229. وهو ضعيف عند الالباني.
12- سنن أبي داود ج1،ص5،رقم18.وهو صحيح عند الالباني.
13-الفيروزبادي، محمد،المهذب،ج1،ص103.
14- سنن ابن ماجه،ج1،ص196،رقم596. وهو منكر عند الالباني.
15- رواه الترمذي ،وأبي داود ج2،ص201..
16- الحنفي الموصلي، عبدالله الاختيار لتعليل المختار، مطبعة مصطفى البابي، ج1،ص13. انظر ابن قدامه ،المغني، ج1،ص45,الشافعي الأم ،ج1،ص52.
17 --مسند أحمد بن حنبل،ج1،ص124،رقم1011.وإسناده حسن عند شعيب الأرنؤوط.
18- سنن أبي داوود،ج1،ص51،رقم16. وهو حسن عند الالباني.
19- ابن قدامه، المغني مرجع سابق مكتبة الرياض ج1 ،ص307 .
20- القرطبي، محمد بن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار المعرفة، ج1،ص48.
21- بن تيمية ، ج4،الفتاوى-باب الطهارة،القرطبي محمد بن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد دار المعرفةط6ج1ص41. الحديث سنن ابن ماجه، تم تخريجه سابقا.
22- صحيح مسلم،ج4،ص2197،رقم2865.
23- وقال إبراهيم لا بأس أن تقرأ الآية ولم ير ابن عباس في القراءة للجنب بأسا، البخاري، الصحيح، مرجع سابق، ج1، ص116، رقم318.
24- سيد سابق، فقه السنة ،دار الفكر ،ج1،ص69.
25- القرطبي، ابن رشد، بداية المجتهد ،مرج سابق، ج1،ص64. ، وانظر الحنفي الموصلي، عبدالله بن محمود بن مودود، الاختيار لتعليل المختار، مطبعة مصطفى البابي، ج1،ص14.
26- ابن قدامه، المغني ،ج1،ص25.
27– القرطبي ابن رشد، بداية المجتهد، مرج سابق ج1،ص64. ، وانظر الحنفي الموصلي عبدالله بن محمود بن مودود، الاختيار لتعليل المختار،مطبعة مصطفى البابي، ج1،ص14- الشر بيني محمد، مغني المحتاج،ج1،ص40 .
28- مسند أحمد بن حنبل،ج2،ص434،رقم19912، وإسناده صحيح عند الارنؤوط.
29- القرطبي، بداية المجتهد، مرجع سابق، ج1،ص65.
30- ابن قدامه، المغني، مرجع سابق، ج،1ص270.
31- مسند أبي يعلى،ج8،ص355،رقم4937.
32- ابن قدامه، المغني ،مرجع سابق، ج1،ص232.
33- ابن قدامه، المغني ،مرجع سابق، ج1،ص166.
34- سنن ابن ماجه،ج1،ص126،رقم352. وهو حسن عند الالباني.
35- سنن ابي داود،ج1،ص52،رقم19. وهو ضعيف عند الالباني.
36- صحيح البخاري، ج5، ص2204، رقم5534.
37- صحيح البخاري، ج4،ص1916،رقم101.
38- الصنعاني محمد بن اسماعيل الحسني الكحلاني،سبل السلام،ج1،ص16.
39- سنن الترمذي،ج4،ص229،رقم1746.
40- الشر بيني، محمد، مغني المحتاج، ج1، ص40.
41- صحيح البخاري، ج3، ص1090.
42- صحيح البخاري، ج3، ص1091.
43- صحيح مسلم، ج3، ص1490، رقم1869.
44- كما في لهداية. اللباب في شرح الكتاب،ج4،ص18. .
45- القرآن هو الكتاب المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب في المصاحف المنقول إلينا عنه نقلا متواترا بلا شبهة-البز دوي على بن محمد الحنفي،كنز الوصول إلى معرفة الأصول،مطبعة جاويد برس،كراتشي،ج1،ص21.
46- ابن قدامه، المغني، ج6، ص619.الشر بيني، مغني المحتاج، ج4، ص357. الإمام مالك،المدونة الكبرى،ج3،ص432.والحديث في البخاري،ج1،ص323،رقم907.
47- سنن البيهقي الكبرى،ج7،ص288.
48- ابن قدامه، المغني، مرجع سابق، ج9، ص179.
49- - ابن قدامه، المغني، ج6، ص619.الشر بيني، مغني المحتاج، ج4، ص357. الإمام مالك،المدونة الكبرى،ج3،ص432،السر خسي ، المبسوطج6،ص74.
50- البخاري، الصحيح، ج1، ص432، رقم1225.
51- مسلم بن الحجاج القشيري، صحيح مسلم،ج1،ص550،رقم799.
52- الشافعي، محمد بن إدريس، ألأم، ج، 1، ص71.
53 -ابن تيمية، الفتاوى،ج3،ص324.
54- مصنف ابن أبي شيبة،ج1،ص386،رقم4225.
55- المرغيناني،الهداية في فقه الحنفية،ج1،ص165.
56- الإنصاف، ج4، ص241.
فهرس المراجع:
الأصبحي، مالك بن أنس أبو عبدالله ،موطأ الإمام مالك، دار إحياء التراث العربي – مصر.
الآمدي، أبو الحسن: علي بن محمد ، الإحكام في أصول الأحكام، دار الكتاب العربي – بيروت،
الطبعة الأولى ، 1404 هجري.
الألوسي، أبو الفضل محمود ،روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
البخاري، الجعفي محمد بن إسماعيل أبو عبدالله الجامع الصحيح المختصر، دار ابن كثير ، اليمامة – بيروت،الطبعة الثالثة ، 1407 – 1987.
الأندلسي، أبو محمد علي بن أحمد بن حزم ، لإحكام في أصول الأحكام، دار الحديث – القاهرة،
الطبعة الأولى ، 1404 هجري.
البز دوي، الحنفي علي بن محمد ، أصول البز دوي - كنز الوصول إلى معرفة الأصول،الناشر : مطبعة جاويد بريس – كراتشي.
، البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء، عالمم التنزيل.
البيضاوي.، تفسير البيضاوي.
أبو بكر البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، سنن البيهقي الكبرى،الناشر : مكتبة دار الباز - مكة المكرمة ، 1414 هجري – 1994هجري.
ابن حجر العسقلاني،سبل السلام،ج1،ص16.
الترمذي، السلمي محمد بن عيسى أبو عيسى ،الجامع الصحيح سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
الحنفي ، الموصلي عبدالله بن محمود بن مودود الأختيار لتعليل المختار، مطبعة مصطفى ألبابي.
الدرامي ،عبداالفداء إسماعيلمن أبو محمد، سنن الدرامي،دار الكتاب العربي – بيروت،الطبعة الأولى ، 1407.
الدمشقي أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير ، تفسير القرآن العظيم.
الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن خالد أبو جعفر، جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح ،الجامع لأحكام القرآن.
الشوكاني ،محمد بن علي إي ،فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير.
أبو السعود، محمد بن محمد العمادي ،إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، : دار إحياء التراث العربي – بيروت.
أبو داود السجستاني، الأردي سليمان بن الأشعث ،سنن أبي داود، دار الفكر، محمد محيي الدين عبد الحميد
السيوطي، عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين ،الدر المنثور، دار الفكر - بيروت ، 1993.
ألنسفي، تفسير ألنسفي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
أبو عبدالله لشيباني ،أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة – القاهرة.
أبو القاسم الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب ، المعجم الكبير، مكتبة العلوم والحكم - الموصل
الطبعة الثانية ، 1404 – 1983.
القرطبي، محمد بن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد دار المعرفة، ج1،ص48.
القز ويني، محمد بن يزيد أبو عبدالله، سنن ابن ماجه، دار الفكر – بيروت، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي.
القشيري ،النيسابوري مسلم بن الحجاج أبو الحسين ،صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي – بيروت،تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي.
المقدسي، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامه ، المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، دار الفكر – بيروت،الطبعة الأولى ، 1405 هجري.
النسائي، أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن، المجتبى من السنن، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب
الطبعة الثانية ، 1406 هجري– 1986م.
عطا محمد عبد القادر عطا.،المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني،دار الفكر - بيروت
الطبعة الأولى ، 1405هجري.
مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السادسة: العدد 40: شتاء 2009 - 6th Year: Issue 40 Winter