بحوث ودراساتآراء وأفكارعرض أطاريح  CONTACT US   

 مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السادسة: العدد 40: شتاء 2009  - 6th Year: Issue 40 Winter

 الريـع النفطي والنمط الأسيوي للإنتــاج:  حالـــة العـــــراق

د. مظهر محمد صالح قاسم

باحث عراقي

تمهيد:

ترتبط هذه الورقة ارتباطاً وثيقاً بعلم اجتماعيات الاقتصاد السياسي للنفط في العراق وهي علاقة معقدة متعددة الجوانب احيط بها العديد من الضلال والسلبيات منذ ان ارتبط الريع النفطي بالاقتصاد العراقي عند اكتشافه في العام 1927 بعد ان وقع العراق اتفاقياته الامتيازية مع شركات النفط الغربية الكبرى ، بدءاً  من اتفاقية عام 1925 بين الحكومة العراقية وشركة النفط التركية (شركة نفط العراق ) وانتهاءً باتفاقية عام 1938 التي تأسست بموجبها شركة نفط البصرة .

وفي اطـار الرؤية المتحفظة التي يرى فيها (اوسكار لانكه) ، ان الاقتصـــاد السياسي للنظم الاجتماعية ما قبل الرأسمالية لم تخرج بعد الى حيز الوجود بوصفها فرع منظم من فروع الاقتصاد السياسي وتأكيده بان الاسس النظرية والسمات الجوهرية لنمط الانتاج الاسيوي هي مازالت في طور التكوين ، فان حــذراً شديداً لابد من ادراكه عند ربط موضوع هذه الورقة ربطــاً وثيقاً باجتماعيات الاقتصاد السياسي للنفط في العراق وعـده نمطاً أسيويا للإنتاج . ولاسيما عـــدم الخلط بيــن مفهـوم النظم السياسية الحقيقية وفكـــرة الاستبداد الشرقــــي Oriental Despotism  (كبنية فوقية) .

فعندما ينظر الى النظام السياسي Political System  بانـــه مكبل ومقيد تماماً بالهيكل الاجتماعي او بالمجتمع المدني Civil Society (( حيث يـــرى Adam Ferguson على سبيل المثال بان جميع اشكال الدولة لديها محدداتها ومشروطيتها المتمثلة بالهيكل الاجتماعي )) فانه لا يمكن ان تكون تلك المجتمعات من دون تعددية سياسية ومن ثـم يصبح وجود النظم الاستبدادية والشمولية حالة مستحيلة . (1)

لذا ينبغي ان ندرك من زاوية التحليل العلمي مسألتين :

الاولى :          ان الاستبداد الشرقي هو في النهاية مفهوم خالص وظيفته محاولة جعل جميع اشكال الحكم الدستوري والحكم في نطاق القانون مغيب بقدر من المعقولية  والضرورة ، لكونه لايحضى بهيكل اجتماعي او اسناد مؤسسي وهو مماثل للنظم الشمولية التي تستمد قناعتها ووظيفتها من خصائصها بكونها رافضة للحرية بشكل تام .

والاخرى :       التحليل العلمي الذي اعتمدته النظرية الماركسية للنمط الاسيوي للانتاج ، قد اوجد رابطة جدلية بين الدولة المالكة ومشاعية الانتاج ، في حين ان التحليل السياسي الذي ساقه Wittfogel   في اطروحته المفسرة للاستبداد الشرقي قد ربطت بين الهيمنة البيروقراطية والزراعة الهيدروليكية . مما جعل مسألة عملية الاضطهاد الشرقي اقرب الى نظرية  النظم السياسية وبعيدة عن التحليل العلمي للاقتصاد السياسي للنظم ما قبل الرأسمالية . (2)

       لذا فان الفرضية التي يقوم عليها البحث في هذه الورقة ، هي ان الريع النفطي في العراق قد شكل مصدراً اساسياً لاحياء نمط الانتاج الاسيوي  باعتبار العراق كان مهداً تاريخياً لقيام مثل هذا النمط الهيدروليكي في مرحلة الرواج النفطي ، وان فقدانه لذلك الريع قد ولد تناقضات اجتماعية حادة ( بعد ان تعرض الريع النفطي الى الانقطاع او وقع تحت سيطرة الادارة الدولية في النصف الثاني من حقبة الحصار الاقتصادي طوال تسعينيات القرن الماضي وحتى العــــــام 2003 ) . وان تلك التناقضات الريعية ، اوجدت هيكلاً اجتماعياً بات بنفسه قيداً على تطور الاستبداد الشرقي بسبب تبدل انماط الريع وهويته بين الريف والمدن   .

        لقــد شملت الامتيازات النفطية فــي العراق ، المتشابهة بعناصرها وشروطها ، مساحات شاسعة تكاد تغطي معظم مناطق البلاد وبآجال طويلة بلغت سبعين عاماً ، لقاء تعهد الشركات النفطية بدفع مبلغ مقطوع الى الدولة عن كل برميل يجري استخراجه وتصديره .

 

       حتى تأميم النفط في العراق بين عامي 1972و 1973 ومن قبله صدور القانون رقم 80 لسنة 1961 الذي استرجع قرابة 5ر99% من اراضي الامتيازات النفطية ، بات الريع النفطي عائداً مباشراً الى الدولة يمثل المفترق الاساس في الفلسفة الاقتصادية السياسية ، وهو اما السير في طريق التنمية والحداثة والتحول من المجتمعات ما قبل الرأسمالية الى حالة اجتماعية اقتصادية متقدمة تتمثل بآفاق دولة المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية ونشوء الدولة الديمقراطية الحديثة او الغاء الهياكل المؤسسية بما فيها السوق والتمحور حول نمط انتاج اسيوي ( بقالب محـــدث ) يعتمد الريع النفطي اداة صوب احياء الاستبداد الشرقي ، يساعده في ذلك ان اراضي العراق الزراعية حتى الارض الموات تعود رقبتها الى الدولة ، باستثناء بعض الملكيات الزراعية غير المؤثرة ، وهو موروث زراعي قديم غلبت فيـــــه الحيازة Possession للاراضي الزراعية على الملكية الزراعيــة Ownership  في تاريخ العراق .

       على الرغم من انعزال قطاع النفط والنشاط الاستخراجي ، بسبب الطبيعة التصديرية له ، عن النشاط الاقتصادي المحلي الا انه ساعدت موارده على تأسيس ظاهرة اجتماعية ولكن بهياكل راكدة –Stasis  مثلت تكريساً لنمط الانتاج الاسيوي ونشوء ظواهر الاستبداد الشرقي وعلى النحو الذي سنراه.

       عرف (كارل ماركس) الريع Rent على انه نمط لانتزاع فائض الانتاج في ظروف انتاج لمرحلة ما قبل الرأسمالية الزراعية ( باستثناء الانتاج العبودي ) .

       وجد ماركس بان المفتاح الحقيقي للشرق  بما في ذلك (سماء الشرق / اي الديـــن ) هو عدم الملكية الخاصة للارض . وبهذا فان عدم وجود ملكية الارض هو حقيقة مفتاح كل اوضاع الشرق . والسؤال هنا ، لماذا لم يصل الشرق الى مرحلة ملكية الارض ، حتى في شكلها الاقطاعي ؟ ترى الماركسية ان ذلك مرده بصورة رئيسة الى المناخ مأخوذاً في صلته مع طبيعة التربة وبخاصة مع المساحات الصحراوية الكبرى التي تمتد من الصحراء الافريقية عبر جزيرة العرب وفارس والهند وهضاب آسيا العليا . لذا فان الري الصناعي ( الهيدروليكي) بات الشرط الاول للزراعة ، وهذا من عمل الحكومة المركزية عموماً .

       كما لم يترك الفيلسوف والمفكر السياسي الفرنسي ( مونتيسكيو – Montesquieu ) عند تامله لحضارة الشرق والبحث في مسألة الاستبداد الشرقي كما جاء في كتابه روح القوانين (التي اكثر من تفصيلها Althusser في كتابه علم السياسة والتاريخ الصادر في العام 1972 ) من دون ان يدرك ، ان الحضارة الشرقية وجوهر وجودها قد قام على وجود الاقتصاد الهيدروليكي ، أي الاعتماد المباشر على الري بالإنهار وليس الري بمياه الامطار . وان تكوين مجتمع يعتمد على اقتصاد هيدروليكي ، لابد من ان يرتب مظاهر سياسية واقتصادية وفكرية واجتماعية ذات نمط انتاج ( أي علاقات انتاج وقوى انتاج) مميزة ، اطلق عليهــــا ( كارل ماركس) في كتابه رأس المال بالنمط الاسيوي للانتاج . (3)

       لقـد قـام Wittfogel  صاحب كتاب الاضطهاد الشرقـــي Oriental Despotism (طبعة عام 1963 – جامعة Yale ) بتقدير الاراضي الجافة وشبه الجافة ووجد انها تغطي ثلاثة اخماس سطح اليابسة . كما وجد انه في حالات الجفاف التام وتوافر نظام للانتاج الزراعي يعاني من عجز في توفير فوائض زراعية كافة ، فان لابد من ان يعتمد هذا النظام الزراعي على نشاطات تنظيمية وتنسيقية التي لا يمكن ان توفرها الا الدولة المالكة للارض المعتمدة على نظام حكم بيروقراطي معقد . اذ ستقود الدولة مؤسسة هيدروليكية تنسجم مع خلق حيازات زراعية وادارتها ، وبذلك تكون الحياة الزراعية مرتبطة بالمشروع الحكومي الهيدروليكي . ففي نظام الاراضي الزراعية الشاسعة ذات الجفاف الدائم ، لا يمكن ان تصبح الزراعة حالة ممكنة ما لم يتم فيها  تنسيق الجهد البشري الذي يستطيع تحويل المياه الوفيرة والفائضة من مكاناتها الاصلية  الى الاراضي الزراعية ذات الخصوبة العالية او الخصبة المولدة للتجمعات الاجتماعية الهيدروليكية .

       وتشترط النظم الزراعية هنا مسبقاً Presuppose بيروقراطية ادارية ، اذ يتطلب وجود هكذا مشروعات هيدروليكية واسعة النطاق ، سيطرة مركزية ، تعمل على تنظيم الري وتعبئة العمل وتوجيهه ، وان التخطيط والتنسيق المسبق هما ضروريان قبل ان يبدأ الانتاج الزراعي ، ولا يمكن اداء مثل هذه النشاطات الا من فريق من الادارة المركزية للدولة . وان قوة السلطة الهيدروليكية العليا هي ادارية بيروقراطية في جوهرها حتى قبل ان تكون قوة عسكرية او حتى قوة مالكة . ذلك لانها تقوم على السيطرة Control وهو الامر الذي لا غنى عنه ، فضلاً عن دورها في تنسيق انظمة العمل وعلاقات الانتاج وعيش الجماهير المنتجة . كما ان وجود سيطرة مركزية للدولة على الاراضي الزراعية لا يتأتى الا بتملك الدولة لتلك الاراضي ، اذ يقتضي تحقيق ذلك وجود سيطرة مركزية على السكان ، كما اشرنا الى ذلك آنفاً ، لتعبئتهم للقيام بالاعمال الزراعية واعمال  السخرة  Corvee بغية الاستحواذ على الفائض الاقتصادي بصورة ريع Rent عبر عملية زراعية شبه مشاعية او مشتركة ، تتسم بقدر عال من الركود ولكـــن تجدد دورة انتاجها . (4)

       لما تقدم ، فقد اصبح المشترك المحدد لنمط الانتاج الاسيوي AMP والعناصر الاساسية التي تتكرر في جميع النقاشات المتعلقة به هي كالاتي :

اولاً :          هنالك  دولة تنتزع المنتج الفائض ، ولا توجد طبقة مستغلة من خارج الحكومة ، وان علاقة الفلاح (المنتج المباشر) بالمالك (وهي الدولة) هي علاقة مقيدة غير حرة تماماً . وان ما يزيد على ادامة حياة الفلاح واسرته من العمل الضروري ، فانه يكون من حصة الدولة ويمثـــل ( فائضاً اقتصادياً ) يأخذ صورة ريع / ضريبة .

الثاني :        غياب الملكية الفردية او الخاصة للارض وان الارض هي ملك الدولة .

الثالث :        ان الانتاج الزراعي غير البضاعي Non- Commodity هو الغالب على اشكال الانتاج ( أي اقتصاد في مستوى الكفاف فوق او اقل منه بقليل ) . (5)

                          على الرغم من ان Wittfogel  ينسب قضية الاضطهاد الشرقي Despotism الى مسألة السيطرة على الموارد المائية منطلقاً من اطروحة (كارل ماركس) بهذا الشأن ، الا ان اطروحته هي اطروحة ايديولوجية  سياسية ربطت بين الهيمنة البيروقراطية للدولة والزراعة الهيدروليكية وقد كانت منطلقاً لمهاجمة الحقبة الاستالينية في الاتحاد السوفيتي السابق وعد ملكية الدولة لوسائل الانتاج موروث روسيا من المرحلة القيصرية التي كانت تعيش على نمط انتاج ما قبل الرأسمالية يتسم بالاضطهاد الشرقي في حين ربطت الرؤية التحليلية للنظرية الماركسية وجود الدولة المالكة بالحالة المشاعية للزراعة ذلك بالتركيز على نمط الانتاج ( علاقات وقوى الانتاج) بغية تقييم مسألة الاضطهاد الشرقي على وفق

النظرية العلمية . فالفلاح كان بحاجة الى دولة ذات هيمنة مركزية كي تقوم بالخدمات التي يعجز الفرد عن تحقيقها ولا يمكن الاستغناء عنها لانها جزء اساسي في العملية الانتاجية التي يمارسها ذات الطابع الشبه الاجتماعي مثل السيطرة على الفيضانات واقامة السدود وخزن المياه وتنظيم الري .

          وترى الماركسية ، ان الدولة في النمط الاسيوي للانتاج هي ايضاً بحاجة الى عمل الفلاحين ليتركوا لها فائض عملهم كريع تحصل عليه . ومن هنا ، تتضح الازدواجية بين فكرة الاستغلال وبين الاتجاه الجماعي في النشاط الانتاجي الذي ربط الجماعة المنتجة ربطاً اجتماعياً جماعياًَ .

اذ تتبين الازدواجية بين النشاط الجماعي للريف وتدخل الدولة في التنظيم الاقتصادي ، حيث ان الانتاج الزراعي هو ليس للربح او للسوق وانما لتسيير السلطة المركزية . وبهذا بات الريف في ركود سياسي ادى الى تفككه كقوة معارضة وتغيير ، مما يعني موت المعارضة السياسية وتفككها .

ويرى Wittfogel ، ان الزراعة الهيدروليكية تخلق نمط متميز من نظام القوة الاضطهادية ، انها الدولة الشمولية Totalitarianism التي هي اقوى من اية تراكيب اخرى من القوة داخل المجتمع.

فالدولة ، هي فوق المجتمع وانها تسحق المجتمع Pulverization ليكون ضمن رغباتها وتحطم كل قوى التغيير المنطوية تحت رايات اخرى .

على الرغم من ان النظرية الماركسية ، ترى في الحكومة الشرقية بانها تشمل دائماً ثلاثة فروع فقط هي

-                     المالية ( النهب في الداخل) .

-                     الحرب ( النهب في الداخل والخارج ) .

-                     الاشغال العامة ( تأمين الانتاج) .

 

ان مثل هذا النظام الاجتماعي يعد شمولياً Totalitarian وادارياً Managerial  حسبما يراه Wittfogel وانه شديد المركزية ويمثل شكلاً اعتباطياً للحكومة وهنالك غياب للجماعات الاجتماعية الفاعلة والجمعيات الثانوية المستقلة . ولكن يتبنى Wittfogel مذهباً ايدولوجياً في اطار النظم السياسية وليس تحليلاً لانماط الانتاج ويقتصر على اشكالية البنية الفوقية لنمط الانتاج الاسيوي . اذ ترى النظريات الليبرالية السياسية الاجتماعية في تعريفها للمذهب الشمولي بانه ناجم عن غياب التعددية السياسية والاجتماعية فحسب . (4)   

عاش العراق في حقبة السبعينيات من القرن الماضي ، على ركيزة الاضطرابات في الاسواق النفطية ، حيث تضاعفت اسعار النفط الى اكثر من عشرة اضعاف بين المدة 1973 – 1979 حقق العراق فوائض نفطية بصورة احتياطيات من النقد الاجنبي قاربت 40 مليار دولار ، واستطاع فيها من بناء بنية تحتية بقيمة مماثلة لمبالغ الاحتياطيات في اعلاه  . في حين بلغ متوسط دخل الفرد السنوي قرابة 3400 دولار امريكي وهو يماثل 8000 دولار باسعار العام 2003 , وبقي القطاع الزراعي يشكل حوالي 25- 30% من مكونات الناتج المحلي الاجمالي في حين ازدادت حصة النفط في ذلك المكون لتبلغ ما بين 55 – 60% .

على الرغم من انعزال قطاع النفط والنشاط ألاستخراجي ، بسبب الطبيعة التصديرية له ، عن النشاط الاقتصادي المحلي ، الا انه ساعدت موارده على تأسيس ظاهرة اجتماعية ولكن بهياكل راكدة Stasis مثلت تكريساً لنمط الانتاج الاسيوي ونشوء ظواهر الاستبداد الشرقي كما اسلفنا في مقدمة هذا البحث  . فقد شكلت سيطرة الدولة على الريع النفطي والحفاظ على نمط انتاجي من اللاملكية الزراعية للارض ، المفترق الاساس في فلسفة الاقتصاد السياسي للدولة وعلى وفق خيارين : اما السير في عصر التنمية والحداثة او اللجوء الى الفرصة التأريخية للعودة الى اصول النمط الاسيوي للانتاج ولكن باعتماد بدائل ريعية قوية وبديلة للريع الزراعي ، قادرة في هذه المرة على اخماد الهياكل الاجتماعية للبلاد وتقوية استبداد الدولة الريعية وبشكل متفوق Superior من خلال اشعال الحرب على كيانين ريعيين نفطيين هما الجمهورية الاسلامية الايرانية ودولة الكويت . وبهذا كانت تلك الحروب بالقدر الذي ترمى الى الاستحواذ على فائض القيمة الريعية للاخرين الا انها شكلت استنفاداً للقيمة الداخلية وفائضها بعد ضياع عقدين ونيف من عقود التنمية في حروب خاســرة . املتها الطبيعة المركزية للنمط الشرقي للاستبداد وحولت البلاد الى ركود اقتصادي واجتماعي لم يستطع التخلص منه حتى الوقت الحاضر .

ان آليات العودة الى النمط الاسيوي للانتاج خلال الحقبة النفطية ، القائم على استنفاد الريع النفطي ( الملك المطلق للدولة ) قد تطلب مسارين مختلفين في السيطرة على الهيكل الاجتماعي للبلاد اختلفت فيه الارياف عن المدن بشكل كبير وتبدلت الادوار بشكل اكبر في مرحلة ركود السوق النفطية وانقطاع الريع النفطي ووضعه تحت الوصاية الدولية ابان التسعينيات من الحصار الاقتصادي .

لقد ساعدت حصة الدولة في الناتج المحلي الاجمالي التي زادت على 85% للقيام بعدد من الوظائف سواء الاساسية منها كالدفاع والنظام العام ام الوظائف الوسيطة كالتعليم الاساس وغيرها من خلال تنفيذ الاستثمارات العامة وتقوية البنى الاساسية كالكهرباء والطاقة وخزن المياه وانظمة الري والبزل وغيرها ، وهي بذلك ولدت جهازاً واسعاً من القطاع العام ، اصبح العاملون فيه جزءاً لا يتجزء من المنظومة المركزية للدولة ولاسيما في قطاع المدن وعدهم طبقة اجتماعية هي طبقة الموظفين Officialdom .

لقد مارس النظام الاقتصادي السياسي لهذا النمط الانتاجي الذي بات الريع النفطي مركز ثروة الدولة اتجاهين في تحقيق القوة المركزية له وتعظيم الاستبداد الشرقي وعلى النحو الاتي :

الاتجاه الاول :       قيام الدولة بتقديم السلع العامة Public Goods من خلال وظائفها الاساسية والوسيطة للسكان عموماً ولسكان المدن بصورة خاصة وهم المجتمعات الاساسية Core Societies حيث تمثل السلعة العامة هنا مجموعة السلع والخدمات التي تزود مجاناً للافراد ، فان استهلاك الفرد منها لا يمنع من استهلاك الفرد الاخر لها وعلى وفق خاصية Non – excludetity and Non – rivalry  .

 ويلحظ ان قيام الدولة المركزية بتقديــــم السلع العامة بمواصفاتها المختلفـــة  ياتي مقابل ان تفقد المدن على وجه الخصوص صوتها الديمقراطي بوصفها ان موظفيها وقاطنيها هــم جزءً لا يتجزء من المنظومة المركزية للاستبداد الشرقي وان وجودها  يعد هيكلاً اجتماعياً ساكناً ضمن المؤسسة المركزية البيروقراطية ، وبهذا تتم مقايضة الصوت الانتخابي بالسلعــة العامــة Vote – Public Good Trade off  .

وعليه يحصل سكان المدن العامل اغلبهم في وظائف الدولة المركزية على اجور ومرتبات ، مصدرها الريع النفطي ، اذ كان يشكل النفط حصة في تمويل النفقات العامة لا تقل عن 85% من اجمالي ايرادات الموازنة السنوية .

وبهذا الشكل عُد الصوت الانتخابي بمثابة ريع Rent يدفعه سكان المدن  لقاء حصولهم على السلع العامة في اطار المنظومة المركزية ، ليمارسوا دور الركوب الحر او الركوب المجاني Free Riding وهي المشكلة الناجمة عن السلعة العامة ، اذ يُعد اولئك غير المساهمين في تغطية كلفة السلعة العامة ومن خلال عدم دفعهم  الضرائب من فائض القيمة او الريع الفعلي ) هم مجتمع واسع لا يمكن استبعاده excluded them  من الانتفاع من تلك السلع العامة .

            الاتجاه الثاني :         ويتمثل بعسكرة الريف militarism وفرض الطاعة والانضباط العالي عليه ، اذ تمت مقايضة الضريبة الزراعية التي تمثل الريع المقتطع – من فائض اعادة الانتاج الزراعي واحلالها بريع اخر وهو العسكرة او التجنيد لسكان الريف ، طالما ان الريع النفطي له القدرة على تعويض اشكال الريع الاخرى الناجمة عن اعادة الانتاج سواء الزراعي او الحرفي او الخدمي .

على الرغم من ان القرية هي كيان معتمد على الذات في الانتاج واعادة الانتاج الى حد كبير ، ويمكن لها ان  تعيش حتى في غياب الدولة ، الا ان هذا النمط من المجتمعات يُعد نمطأً غير مستقر سياسياً على الرغم من كونه مستقر هيكلياً ، وعادة ما تكون الدولة المالكة للارض مصدراً معوقاًَ لتطوره  في المجالات التجارية والصناعية ولاسيما ذات العلاقة بتطور حقوق الملكية ونموها ، وتقيده بما   لا يجعله في وضع المنافس لإيرادات الدولة وقوة الدولة وذلك خشية من ان تؤدي الملكية الخاصة الى انحدار الدولة نحو مبدأ الدولة الصغيرة small state وهو امر يتنافى والظاهرة المركزية القوية للاستبداد الشرقي التي تقتضي نمطاً انتاجياً راكداً فاقداً للملكية بما يحرم النشاط الزراعي  من اية اسس لتطور علاقات الانتاج والدخول في مراحل التطور المادي للتاريخ . اذ ياتي جانب تعظيم عسكرة الريف ، كاساس تعويضي بديل عن  تحصيل اشكال الريع الزراعي الاخرى . لذا فان هذا الاتجاه في تحويل نمط تحصيل الريع من الجانب الفعلي الى جانب العسكرة يعد آصرة قوية للاستمرار في اخماد قوى الريف السياسية عندما يتحول كيانه الاجتماعي الى قوة فاعلة في اطار علاقات الانتاج الكامنة والمحتملة التغيير .

 ياتي منظور العسكرة والعسكرة المستمرة للريف مماثل الى حد بعيد للمنظور الذي اعتمده آدم سمث في كتابه ثروة الامم ، عندما تحدث عن نفقات الدفاع ، على وفق منظور اجتماعي تاريخي في تشكيل قوة الحرب وتحويل سكان الارياف على سبيل المثال الى قوة عسكرية من معتقد مفاده (( بان الواجب الاول للسيادة هو حماية المجتمع من العنف والغزو الخارجي من مجتمعات مستقلة اخــرى . وان هذا الشيء لا يمكن انجازه  الا من خلال القوة العسكرية ....  وان كلفة تهيئة وتحضير هذه القوة  في وقت السلم واستخدامها في وقت الحـرب تختلف من حالة مجتمع الى حالة مجتمع آخر . ففي الامم التي يغلب عليها طابع الصيــد ،  وهي مجتمعات شديدة التخلف ، فان الرجل الواحد فيها ، يعد نفسه مقاتلاً وصياداً  ماهراً . وعندما يذهب الى الحرب فانه يذهب بدافعين اما ان يدافع عن مجتمعه واما ان يثأر لجروحه السابقة التي تسببت فيها المجتمعات الاخرى . لذا فان المجند في هكذا مجتمعات يتصرف وكأنما يعيش في بيته )) (6)  .

 

لذا نجد في هذا النص ان ما يقدمه الجُند في الريف من ريع لقاء الخدمة العسكرية يعد ريعاً مجانياً واشبه ما بالضريبة او الريع السالب negative tax على وفق منظور آدم سمث الذي ينظر الى هذه المجتمعات بتلك النظرة المتخلفة . فالرجل المحارب في المنظومة المركزية ، يٌعد مزارعاً ولكن يعمل بالسخرة Corvee لمصلحة انجاز السلع العامة Public Goods وهي خدمة الدفاع والحـــرب . على الرغم من ذلك فان المزارع المجند يعتقد بنفسه انه راكب مجاني من الطراز الاولfree rider  first class طالما انه يحصل على عيش بديل للصيد او بديل لسد الرمق بدلا من اعادة الانتاج الزراعي ويثأر في القوت نفسه من اعداء منظومة الاستبداد الشرقية المركزية .

لــــذا فقد قايضت الارياف الريــع / الضريبة الزراعية بالخدمة العسكرية التي تلبي طموحاتها ومعتقداتها وطقوسها ، وهي تشعر بالركوب المجاني بصورة مضاعفة  ، طالما ان اداء الخدمـــة العسكرية كسلعة عامة تحقــــق لهــــا رغبـــات ( العيش والحرب والثأر) في آن واحد .  

تعرض نمط الانتاج الاسيوي ذو الريع النفطي ، الى مواجهة خطيرة كانت الاولى في عقد الثمانينات عندما استنفدت الحرب الريعية مع ايران عوائد النفط دونما توافر قدرة كافية على تمويل الحرب في وقت عاشت اسواق النفط فترة ركود طويل عبر تلك الحقبة وانغماس البلاد بالاقتراض والاستدانة من دول الجوار الريعية النفطية لتعويض تكاليف الحرب التي مثلت عبئاً  لا يستهان به من مطالبات المديونية الخارجية للعراق ، التي قدرت  بحوالي 45% منها ، التي كانت مفتاحاً لحـــرب ريعيـــة ثانية مع دول الخليـــج النفطية تمثلت باحتلال الكويت في مطلع تسعينيات القرن الماضي ، ادت الى تخريب مذهل لمنظومة الانتاج النفطي في كلا البلدين وعلى نحو لم يسبق لــه مثيل في تاريخ الحروب من هذا النمط ، انها حقاً حروب النفط التي كلفت خسائرها العراق على مدى اكثر من عقدين  قرابة ترليون دولار ســــواء بالتدمير المباشر لهياكل الاقتصاد وبناه التحتية او ضياع فرص النمو والتنمية بما في ذلك تعويق تطـــور القطاع النفطي نفســــه وبهذا تعرض العراق الى قرارات دولية قيدت مصادر ريعه النفطية بشكل رئيس ، اذ حرمت الموازنة العامة من 85% من مصادر تمويلها التقليدية التي كانت تدرها عوائد النفط  ، في وقت بات فيه مــن الصعب فرض أي نوع من الضرائب الريعية التقليدية على القطاعات المنتجــــة الاخرى  Tax/Rent Couple  بسبب تدهور النشاط الاقتصادي الكلي باستثناء النشاط الزراعي الذي كان يعامل مجتمعه ككيان  هامشي خارج المجتمع الرئيس ويدفع ريعا ارتبط ارتباطاً قوياً بعسكرته على نحو مستمر .

لقد اسس الحصار الاقتصادي نظاماً ريعياً مركزياً لم يعد فيه الريع النفطي في هذه المرة اساساً لأحياء الأنماط القديمة للاستبداد الشرقي او النمط الاسيوي . اذ حلت الضريبة التضخمية او الريع التضخمي   - / Rent  Inflationary Tax محل الريع النفطي المفقود في تمويل نفقات الموازنة العامة وبنسبة زادت على 85% من الايرادات التي كانت تغطيها التدفقات الريعية الحقيقية الناجمة عن صادرات النفط سابقاً .

قد قام  هذا النمط من التمويل على ظاهرة الاصدار النقدي عن طريق تعظيم التدفقات النقدية الاسمية للموازنة العامة مقابل نمو هابط في تطور قطاعات الانتاج السلعية والخدمية وعلى نحو لا يتناسب مع التدفق المستمر والعالي في الانفاق الممول بالتضخم . وهو ما يطلق عليه بالسنيوريج seigniorage اي عائد الاصدار النقدي والناجم عن استغلال الحكومة لقوة البنك المركزي الاحتكارية في خلق النقود الاساس بغية تعظيم موارده الحقيقية وعدها وسيلة للحصول عليها .  مما تسبب في ارتفاع معدلات التضخم السنوية الى ما يزيد على 50%  ودخول ألبلاد في فضاء التضخم الجامح وضياع فرص الاستقرار والنمو ، وبهذا فقد تضاعف الدين العام الداخلي الممول بالاصدار النقدي من 25 مليار دينار عراقي في العام 1990 ليبلغ حوالي 6 ترليون دينار عراقي في نهاية العام 2003 وهو رقم مماثل لتطور مقدار الكتلة النقدية وبالقيمة نفسها .

وبهذا الاطار يعلق الاقتصادي المعروف (1956) Baily في مقالته المنشورة في مجلة الاقتصاد السياسي التي تصدر عن جامعة شيكاغو ، بان خلق النقود يعد شكلاً من اشكال الضريبة Taxation التي تفرض على حامليها . وان إصداراً  نقديا كثيفاً لتمويل الموازنة العامة سوف يعظم الانفاق الكلي ويساهم في رفع الاسعار في ظل جهاز انتاجي راكد يعمل دون طاقاته المتاحة ويتسم بدرجة عالية من التصلب .  

وبهذا يصبح الانخفاض في القوة الشرائية للعملة بمثابة ضريبة او ريــع Tax / Rent   يفرض على الارصدة النقدية لحامليها . كما وجد Baily ان الكلفة الاجتماعية لهذه الضريبة التضخمية هي اكبر من اشكال الضرائب الاخرى كافة في تأثيرها على مستوى رفاهية الافراد . (7)

ان تبدلاً اجتماعياً كبيراً قد غير من شكل علاقة الدولة المركزية بالمجتمعات الاساسية (المدن) والمجتمعات الهامشية (الارياف) جراء تبدل النمط السريع في موارد الدولة المركزية  وتبدل مركز ثروتها من موارد حقيقية فعالة الى اسمية هامشية اي التحول من تحصيل الريع النفطي الى تحصيل الضريبة التضخمية او الريع التضخمي . وبهذا فقد عدت مصادر الريع في هذه المرحلة  مقتصرة على شكلين هما  :

أ-  ضريبة التضخم / الريع التضخمي Inflationary Tax / Rent . وهو الشكل الذي بات يستنزف الموارد والثروات الفردية وبشكل خاص من السكان محدودي الدخل من  العاملين في المنظومة المركزية للدولة في مراكز المدن . اذ هبطت مدخولاتهم السنوية على نحو لا يوازي حتى 10% عما كان يحصل عليه هؤلاء العاملون في الحقب السابقة كما حصل من تدهور خطير في مستويات المعيشة والدخل في حقبة التسعينيات الماضية ، وبهذا فقد تحولت طبقة الموظفين Officialdom من أُجراء الى اعمال سخرة Corvee ، بسبب انسحاق أجورهم ومدخولاتهم الشهرية وتعويضها بشيء من الحصة التموينية لسد رمق العيش . بعد ان تدنت القوى الشرائية لمدخولاتهم النقدية .(8)

وبهذا باتت ضريبة التضخم المصدر الاساسي لاستلاب الثروات وتراكم الفائض بالاقتصاد على المستوى الفردي الذي تحقق إبان الحقبة النفطية . وكأنما الامر هو استرداد لريع مركزي سابق كان مؤجلاً  في مرحلة الرواج النفطي واصبح مستحق التسديد في مرحلة غياب الريع النفطي على وفق آلية التمويل بالتضخم .

ب‌-    عند الرجوع الى تركيب موارد الموازنة العامة للدولة التي باتت تتغذى بنسبة تزيد على 85% من الريع او الضريبة التضخمية ، نجد مقابل ذلك ان 50% من تلك المصروفات قد ذهبت لدعم اسعار السلع الاستهلاكية الاساسيـــة ، مما يعني ان الريف المنتج للمواد الغذائية قد بات متلق صاف لهذه الضريبة الريعية السالبة Negative Tax / Rent التي اخذت  تتعاظم مع تعاظم مستويات الاسعار والتمويل بالتضخم . وان نسبة عالية لا تقل عن نصف مبالغ الدعم كانت تذهب بصورة دعم زراعي Subsidies بغية اسناد نظام الحصص التموينية

               لقد رتب هذا التحول في الريع الزراعي من مرحلة الاعفاء الفعلي في زمن الرواج النفطي الى مرحلة اعادة تسديده الى الريف ثانية بصورة ضريبة او ريع فعلي سالب ، بان يجعل الريف على حافات مستوى الانقلاب في هيكله الاجتماعي والسياسي .

وللمرة الاولى نجد ان  توزيع الدخل الاسري قد اختل إبان الحصار الاقتصادي في عقد التسعينيات ليكون لمصلحة الاسر الريفية وبواقع 0.36 للريف وهو تحول يعد اكثر عدالة مقارنة بالمدن التي انتقلت من 0.32 في منتصف الثمانينات لتصبح 0.38 ( على وفقى معامل جيني Gini Coefficient في حساب اللامساواة في توزيع الدخل) في فترة التسعينيات مما يعني ان تدهوراً بات واضحاً بالحياة المدنية ، في حين ان النمط الاستبدادي للدولة المركزية الشرقية قد حولت الريف الى مجتمع اساسي core society ، وبالمقابل فقد تحولت المدن الى مجتمع هامشي marginal society بعد ان هجرها مثقفوها وقواها المهنية وغيرها في ظاهرة لم يسبق لها مثيل في تاريخ المدنية العراقيــة.

وخلاصة القول ان هناك تلازم بين تبدل اشكال الريع وتبدل الهيكل الاجتماعي السياسي  للبلاد يمكن ملاحظته بما يأتي :-

1-       هنالك ريع فعلي موجب تولده الارياف ترتفع قيمته مع ارتفاع مستويات التضخم وتطور ضريبة التضخم نفسها ، استمر مستثنى من التحصيل طالما ان الضريبة التضخمية قد حلت محل تحصيل الريع الزراعي  واحتفاظ الريف بمقومات عسكرته .

لقد اضفى هذا الامر الى ان تحصل المؤسسة الاجتماعية الريفية على قدر عال من الاستقلال والديناميكية في صنع القرار المركزي لتوافر عاملين اساسين هما تطور ملكية الاراضي الزراعية وحيازتها واتساعها في فترة الحصار الاقتصادي بسبب الحاجة الى الانتاج الزراعي والاخر هو التمتع بإرث قديم كان يعد نمطاً من انماط الريع التعويضي وهو العسكرة Militarism   .

2-       بدلاً من ان تكون المدينة بمثابة المكون الرئيس في المنظومة المركزية للدولة اصبح الريف هو الجزء المركزي في تلك المنظومة مدعوماً بايدولوجية غلب عليها الطابع الديني دون الطابع العلماني ، وعد الدين تأطيراً جاذباً وقوياً في تماسك المنظومة الريفية المركزية الجديدة ، اما المدن التي فقدت تماسكها ضمن المنظومة المركزية التي استحدثها الاستبداد الشرقي في الريف فقد اصبح عملها هامشياً Marginal  . وبهذا كانت هناك دعوة رسمية في التسعينيات تطلب من موظفي الدولة للعمل في السوق غير المنظمة والسماح لهم للبحث عن اشغال وان كانت لا تناسب مع مهاراتهم واختصاصاتهم والتحول الى أُجراء (عمال طين) .  وبذلك  فقد اصبح عمل الطبقة الوظيفية في جهاز الدولة المركزي بمثابة سلعة عامة Public Good لخدمة الانتاج الريفي وتقوية عسكرتــه ، وان الدولة المركزية قد غدت على مستوى المدينة في هذه المرة بمثابة الراكب المجانــــي Free rider وهو نمط اجتماعي وسياسي غريب ومصاب بحجم هائل من الاختلال في هيكليته وبنيته الاقتصادية والسياسية وبات يحمل بذور فنائه عبر تطور النمط الجديد للملكية والحيازة الزراعية المتوسعة .

لقد وضعت ظروف الحصار الاقتصادي قيداً على السلطة المركزية في تبديد شيء من النمط الاسيوي للانتاج وهو التساهل في توليد ملكيات وحيازات زراعية خاصة ومؤثرة وان ظهور اشكال التملك الريفي قد باتت فاعلة . مما حتم على الدولة المركزية التكيف لأوضاع التملك الجديدة في الريف مما يعد تنازلاً عن مكوناتها المركزية التي يحتمها النمط الشرقي للاستبداد وبهذا غدت الارياف جزءاً مهماً ومؤثراً في حركة النهوض المركزية للدولة  . وهو تنازل قد ولد تناقضات شديدة في نمط الانتاج ما قبل الرأسمالي واضعف من فلسفته الاستبدادية لمصلحة قوى جديدة من انماط الاستبداد الشرقي تمتلك مقدمات وبنى فوقية سياسية وايدولوجية باتت قيداً على تطور الدولة المركزية نفسها خلافاً لما كان عليه الحال في زمن رواج الحقبة النفطية ، وربما سوغت الدولة المركزية قبول الهيكل الاجتماعي السياسي الجديد في الريف  ضمن مركزيتها لكي يستقيم النمط الشرقي للاستبداد ولكن هذه المرة بتناقضات جوهرية حادة ، نجمت عن تغير علاقات الانتاج او الملكيـــة (جراء  تنازل الدولة عن بعض  ملكيتها وسلطانها الى الارياف الجديــــدة ) مما عجلت في انهيار الدولة المركزية الرسمية بمجرد دخول البلاد بحرب خارجية خاطفة مع القوات الاجنبية التي احتلت العراق وانتهت على اثرها مؤسسة النظام المركزي بسرعة لافتة للنظر بمستوى انعزال الارياف وهشاشة المدن . (9)

نستنتج ان هذه الورقة قد برهنت ان الريع النفطي كان عاملاً خارجياً Exogenous (سالباً) في تفكيك منظومة الاستبداد المركزية الشرقية وتلاشيها السريع وان النفط لم يكن عامل قوة في النمط الاسيوي للانتاج بل عد مرضاً شرقياً oriental disease . يختلف في مفهومه عن المرض الهولنـــــدي dutch disease من حيث تأثير عوائد النفط في القدرة التنافسية للاقتصاد ولكن المرض الشرقي بتناقضاته الجوهرية المنوه عنها سابقاً كان اساس لانقلاب اقتصادي واجتماعي وسياسي وتغيير قوى التاريخ المادية والتحول بها الى اساليب انتاج جديدة ربما ستكون اقرب الى الانماط الرأسمالية .

وعليه فان النفط والديمقراطية لا يمكن ان يلتقيان في الانماط الاقتصادية  لما قبل الرأسمالية وان مظاهر العنف المسلح باشكاله بما في ذلك الاشكال المختلفة بوحشيتها صوب المدينة العراقية يفسر ظاهرة واحدة لاغيرها ان ارياف العراق التي تحتضن بيأتها ما بين 8- 10 ملايين من سكان البلاد ( التي تعاني من تفشي البطالة بما يزيد على 50% من قوة العمل الريفية وهو امر لم يسبق له مثيل منذ تاريخ عسكرته ، فضلا عن هبوط مساهمة الارياف في الناتج المحلي الاجمالي الى 5ر6% وان انتاجها الزراعي لايسد سوى 10% من احتياجات  البلاد الغذائية ) هي في مخاض لاستعادة سلطتها المركزية الكامنة التي حصلت عليها في زمن غياب الريع النفطي وكأنما تريد ان تجد لها مخرجاً في تأسيس دولة مركزية ذات استبداد شرقي عال مع ريوع نفطية وافرة والعودة الى انماط انتاج ما قبل الرأسمالية ولكن بترييف المدينة اولاً  .

 الهـوامش والمراجع

(1) راجع :

Ferguson, Adam , “ An Essay on the History of Civil             Society “ (1767) – reprinted 1966 by Edinburgh University press

كذلك راجع :

اوسكار لانكه ، الاقتصاد السياسي / ترجمة المرحوم الدكتور محمد سلمان حسن / دار الطليعة بيروت               

عبد الامير الانباري (1977) اتفاقيات النفط وتطورها في الشرق الاوسط ، اساسيات صناعة النفط والغاز ، الجزء الثالث / منظمة الاقطار العربية المصدرة للبترول . الكويت .

كذلك راجـــــع :د. محمد عبد الفضل (1979) " النفط والمشكلات المعاصرة للتنمية العربية " .

عالم المعرفة / الكويت .

لهب عطا عبد الوهاب : التطور التاريخي لاسواق النفط العالميـــة / الحوار : المركز العراقي للتنمية والحوار الدولي / العدد العاشر 2007 .

(2)    بخصوص موضوع الاستبداد الشرقي راجع :

Wittfogel , K . A (1963) “ Oriental Despotism

     New Haven : Yale University Press

حيث يوضح الكاتب في اعلاه سمات الاستبداد الشرقي (عبر بنيته الفوقيـــة) بما يأتي :

-           سيطرة الدولة على النواحي الاساسية في نظام الانتاج ، مثل الري والاعمال المساعدة ، لذلك تمتع السلطة بقوة قانونية رادعة ، ضد أي فرد او مجموعة ضمن السكان الزراعيين ، وان الانتاج يكون مستحيلاً من دون تدخل الدولة .

-           وجود شبكة واسعة وشاملة من الاستخبارات السياسية والمخبرين لمراقبة الشعب مع توافر نظام اتصالات حكومية ، كفء مثل نظام البريد والطرق اضافة الى النقل المائي عبر ادامة الانهار وشق الترع .

-           وجود جيش كبير ، على اهبة الاستعداد وتحت السيطرة المركزية ، فضلاً عن غياب المراكز الاخرى للقوة العسكرية ، أي بمعنى تجريد السكان من السلاح .

-           وجود نظام السخرة للعمال Corvee لخدمة الدولة والقيام باعمال الري وحتى صنع التماثيل واستصلاح الاراضي الزراعية ، مع توافر نظام ضرائب  Tax System شامل مقرون بعبء ضريبي كبير ، اذ تستوفى  الضرائب بصورة اعتباطية وتحت ارادة السلطة . كما يقوي النظام الضريبي حالات المصادرة والاستملاك بصورة دوريــة ، عند تحقق اي شيء  من التراكم البدائي الرأسمالي لمصلحة الافراد .

-           ضعف الملكية الشخصية ، وغياب المركزية الاقتصادية المستقلة عن الحكومة (أي بمعنى التجارة الحرة ، او التصنيع ) فالتجار واصحاب الملكيات الاخرى غير الزراعية ان وجدوا  فهم تحت رحمة التغيرات الاعتباطية للدولة . فالتهديد بالمحاكمة والمصادرة قد  قيد انطلاق المبادرة نحو الاستثمارات المنتجة ، لذلك غالباً ما يفضل المنتجون  الاكتناز بصورة خفية لثرواتهم المتركمة وبهذا لاتوجد طبقة ثرية مالكة بمقدورها مواجهة رجحان كفة الحكومة وامكاناتها على تطوير علاقات انتاج غير الهيدروليكيـــة ( على غرار الرأسمالية الحقيقية) ، لذا فانها لابد من ان تسحق تحت طائلة الاشراف السياسي الحكومي للاقتصاد .

-           الدولة هي ذات طبيعة مركزية في استبدادها ، حيث اجازت لنفسها الشرعية من خلال التكوين الاديولوجي الثيوقراطي ، اذ ترى في نفسها الآمر الآلهي مما جعلت  الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، تبدو وكانها نتاج لارادتها وهي مصدر الخير الوحيد Benevolence alone  .

-           الدين هو نشاط حكومي مسيطر عليه والطوائف والتطبيقات الدينية الشعبية هي خاضعة لسيطرة الدولة وهي عرضة للقمع اذا ما باتت تهدد الدولة نفسها او تهدد الدين الذي تعتنقه الدولة نفسها .

-           طالما ترى الدولة نفسها بانها الضرورة للحياة من خلال الزراعة ، فانها وحدها التي تعطي القليل للناس وانها تنتزع فائض العمل وفائض الانتاج من مزارعيها  لذلك ترى في الاعمال التطويعية او الخيرية في نظر الاستبداد الشرقي هي مزيفة Spurious  بكونها لاتقارن بالاعمال العظيمة للدولة  ، وان الاعمال الخيرية هي ذات تمجيد مظهري للدولة من دون نفع مؤثر فاذا ما كانت تلك الاعمال الخيرية فائضة عن تصرف الدولة فلا بد من ان يكون عائدها الى الدولة يتــم تحصيله في الاحوال كافة .

-           تقتصر الحريات العامة ، على القضايا غير المهمة والهامشية التي لا تشكل مصدر تهديد للدولة ، في حين يحل نظام من الرعب والخوف والاخضاع المستمر للافراد عبر نظام التجسس والابلاغ بما يمنع الاستقلال الفكري او التبشير فيه ، فضلاً عن ارهاب الشخصيات الاصلية البارزة عبر اضعاف امنهم الشخصي والحصانات المحيطة بمراكزهم وبممتلكاتهم لقاء توافر ارادة اعتباطية للمضطهِد (بكسر الهاء) .   

)3)        كذلك :                                                                             

Althusser , L ( 1972) “ Politics and History “  London : New Left Books .

(4)        راجع : كارل ماركس في موضوع الريع

Marx Karl “ Capital III “ Section VI , Moscow Progress Publisher . 1966 .

 حول نمط الانتاج الاسيوي من المنظور الماركسي راجع :

احمد صادق سعد (1979) " ست دراسات في النمط الاسيوي للانتاج " . بيروت / دار الطليعة .

راجع كذلك :

Hindess , B and Hirst , P.Q ( 1975) “ Pre – Capitalist Modes of Production “

Routledge and Kegan Paul . London . ch.4 , PP . 178 – 207 .

(5)              راجع كتاب آدم سمث في ثروة الامم وبصورة خاصة الفصل الاول من الجزء الاول المتعلق بمصاريف ونفقات الدفاع :

Smith Adam “ The Wealth of Nations “  Barnes and Nobles New York (1776) Ed . 2004 , PP. 485 – 488 .

(7(        حول ضريبة التضخم وكلفة الرفاهية راجع :

Baily , M (1956) “ Welfare Cost of Inflationary Finance “

                            Journal of Political Economy

                            Vol . 64 , April , PP. 93- 110

كذلك راجع :  مظهر محمد صالح (2006( " الاتجاهات الراهنة للتضخم في العراق " .

مجلة العراق للاصلاح الاقتصادي

العدد الثالث/ تشرين الاول 2006

الصفحات 19 – 25

(8)        عند العودة الى هيكل الاجور وتركيبها  في العراق ومشكلات استنفاد القيمة التي ولدتها حالة البطالة الفعلية والاستخدام الناقص  للعمل في ضوء اعادة تركيب سوق العمل وتحولها لمصلحة انبثاق واسع لسوق عمل غير منظمة ، نجد ان تدهور القوة الشرائية لحصة الفرد العامل من الاجر ، عدت حتى اعلى من التدهور الاجمالي الحاصل في النشاط الاقتصادي طوال العقد التسعيني الماضي . اذ انخفضت القوة الشرائية لنصيب الفرد  العامل من متوسط الاجر السنوي مقاساً باسعار العام 1988 والبالغ (2200) ديناراً لتصبح بحدود (300) دينار بحلول العام 1996 وان مثل هذا الرقم عُد حتى اقل من الحصة السنوية المخصصة للصرف على فقرة المواد الغذائية في العام 1988 البالغة (324) ديناراً . وهذا يؤشر ان مقدار ما كان يحصل عليه الفرد العامل من اجر نقدي كان ضمن مستويات الفقر المدقع ولاسباب شتى كان في مقدمتها تدهور التنمية وهبوط معدلات النمو السنوية في الناتج المحلي الاجمالي حتى الى ما دون معدلات نمو السكان فضلا عن تفشي مستويات البطالة وتشتت سوق العمل النظامية ازاء سيادة ظاهرة استخدام الناقص وتدني الاجور الحقيقية التي باتت هي الاخرى ملازمة في تدهورها لدرجة المرونة العالية التي شهدها المستوى العام لاسعار وباتجاه الصعود والتضخم الجامح . واذا ما اخذنا مستوى تدهور الاجر الحقيقي للعاملين في نشاطات كالصناعة التحويلية والبناء والتشييد على سبيل المثال والتي تعتمد هي في جانب مهم من نشاطاتها على مستلزمات الانتاج المستوردة والتي تزيد على نسبة (55%) من مجموع المستلزمات السلعية الداخلة في مكونات انتاجها ، نجد وبشكل صريح ان متوسط الاجر السنوي الحقيقي في كلا القطاعين المذكورين آنفاً قد تميز بالانخفاض من (1753) دينار في عام 1988 ليصبح (82) ديناراً في عام 1996 وبهذا انخفض نصيب فقرة تعويضات المشتغلين في تكوين القيمة المضافة  في القطاع الصناعي من 27% في العام 1988 الى اقل من 13% خلال العقد التسعيني الماضي ، مما يعني صراحة " ان الجزء الاجنبي المستورد في تكوين القيمة المضافة قد مثل دور المعادل العام المطلق للقيمة ومركز الكلفة في تلك القيم الانتاجية ومن ثم اصبحت المكونات الاجنبية تضفي تأثيراتها تبعاً " لتطور سوق الصرف الموازية في العراق ، وباتت اداة لتحويل الفائض الاقتصادي الذي يمكن ان تولده القوة الاجرية من خلال تدني  الاجور الحقيقية ولمصلحة القطاع الخارجي  في الاقتصاد .

وبهذا  جرى تقييد تنمية الحواضر وتداعي اقتصاداتها مع سيادة المضاربة في حياة المدينة الاقتصادية ، اذ لايمكن للتنمية في مثل هذه الحالة ان تأخذ اي مدى ممكن لها او تستعيد قدراتها الحقيقية ما لم ينسحب الاقتصاد نحو حافات الاستقرار والتحول جذرياً من اقتصاد المضاربة وتكثير الاموال الى اقتصاد الاستخدام الواسع لقوة العمل للنهوض بالانتاج وتحريك مجالات النمو الاقتصادي بعيداً عن آليات الارتباط العشوائي بالقطاع الخارجي وفق ظروف الحصار الاقتصادي . بيد ان هذا الامر قد غدى مستحيلاً في اطار انغلاق النظام الاقتصادي على نفسه عبر رافعة سالبة جوهرها التضحية بقوة العمل المدنية المنظمة وتدميرها مادياً وفنياً واستحالتها الى قوة هامشية لاتقوى على توفير سبل العيش . كما غدى العمل الصناعي هو الاخر قوة انتاج فائضة او معطلة حتى اخذت اجيالها التكنولوجية بالاضمحلال مع تدهور القوة الاقتصادية للمدينة  وهمشت كقوة انتاج مركزية لمصلحة نمط انتاج زراعي زاد انغلاقه مع تدهور القوة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة  .

راجع بهذا الشأن : مظهر محمد صالح/ التضخم المستهدف واستقرار اسعار الصرف – دراسة في استشراف سياسات الاستقرار في الاقتصاد العراقي / المؤتمر الاول لكليات الادارة والاقتصاد في الجامعات العراقية- جامعة الكوفة 2000 .

(9)        ان انقضاض فئات من سكان الاكواخ ، المتجمعة في هوامش المدن وخارج الحواضر المختلفــة ، على الممتلكات العامة في 9 نيسان 2003 قد جاء بمثابة ثأر من السلطة المركزية المهزومة بغية استعادة جزء من الريع المستلب منها في الحقب السابقة واسترجاع ضريبة التضخم نفسها عبر صورة قاتمة عاشتها البلاد من الاحتلال والفوضى . وعد هذا التطور اللامنضبط نتاج تاريخي لتهميش المدن وتعاظم البؤس والفقر والبطالة والجريمة فيها عبر عقود من الحروب والصراعات والحصار والعزلة الاقتصادية . ولكن من المؤسف ان هذا الانقضاض الذي جاء من هوامش وحافات المدن او من داخل المدن نفسها قـد تحول من حالة نهب وتدمير للممتلكات العامة Social Property Rights الى حالة نهب وتدمير للممتلكات الخاصة Private Property Rights والتطاول على حقوق المواطنين الفردية ولاسيما العقارية منها لتعميق  حالة الثأر وتحويله من انتقام من منظومة الاستبداد الشرقية المركزية نفسها الى انتقام وثأر من المالكين العقاريين مهما صغرت ملكياتهم ، لتقاسم اي شيء من الريع التاريخي المتراكم ابان الحقب الماضية باغطية ايديولوجية باتت ملازمة هذه المرة لحالة التحول من استبداد الفرد والمنظومة المركزية الى استبداد المجتمع المهمش تحت مسمى (الدين) لتسويغ الترويع واللصوصية والانتقام من اشكال التملك الفردي  في ظل صور مفزعة ومحزنة من التهجير القسري اللامشروع واللاانساني الذي تعرض اليه كثير من الاسر في حواضر البلاد المختلفة .

 مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السادسة: العدد 40: شتاء 2009  - 6th Year: Issue 40 Winter