مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السادسة: العدد 40: شتاء 2009 - 6th Year: Issue 40 Winter
وصف العراق من خلال رحلة عبد الله بن الصباح في القرن 8 هـ/14 م
د. جمال يحياوي
مدير المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة نوفمبر - الجزائر
مقدمة
إن الرحلة التي نقدمها اليوم رحلة مثيرة للإنتباه نظرا لعدة عوامل أهمها على سبيل المثال لا الحصر:
1- اللغة التي كتبت بها وهي لغة عربية ضعيفة تمتزج بها العامية، وهي بذلك تعبر على حالة اللغة العربية في الأندلس مع بدايات تضعضع كيانه وسقوط دويلاته الواحدة تلو الأخرى
2- صاحب الرحلة الذي لا نجد له ذكر في كتب التراجم وهو أندلسي يعيش تحت سلطة النصاري، لأن مدينته التي يذكرها "شاطبة- قد سقطت في يد المسيحيين، ولذلك فصاحب الرحلة مدجّن أي مسلم أندلسي، دخل عنوة تحت سلطة النصاري ويعرفون باللغة الإسبانية بــ LOS Modejares.
3- كون الرحلة ضخمة الحجم إذ تتجاوز 270 صفحة مكتوبة بخط مغربي أصيل وتوجد منها نسخة واحدة محفوظة بدار الكتب الوطنية بتونس تحت رقم 1992.2295.159.
4- محتوى الرحلة المميز، فصاحبها يتكلم عن كل شيء عن التاريخ، والجغرافيا، والعادات الإجتماعية، ونظام الحكم، رغم ما بين ذلك من أحكام غير صحيحة مقارنة بالحقائق التاريخية المعروفة، لكن الإسهاب في الوصف، وذكر صغائر الأمور جعل صاحبها يقع فيما ذكرناه.
صاحب الرحلة:
من خلال دراسة متفحصة لهذه الرحلة المعنونة بـ أنساب الأخبار وتذكرة الأخيار يظهر جليا أن صاحبها والمذكور على الغلاف هو: عبد الله بن الصباح من مواليد مدينة شاطبة (1). وقد أورد في ثنايا رحلته تشبيه لبعض الشوارع في تلمسان والقدس بشوارع شاطبة، أخذ نزرا قليلا من العلم على بعض المشايخ، لذلك لم يكن متحكما في قواعد اللغة العربية ممّا جعل الرحلة مملوءة بالكلمات العامية والأخطاء النحوية، كما يظهر أن ابن الصباح كان يعرف اللغة الكاطالانية. وهي اللغة التي فرضت على المسلمين الأندلسيين بعد سيطرة النصارى على مدنهم.
وسبب قيامه بهذه الرحلة، هو رغبته في أداء فريضة الحج كحال أغلب الأندلسيين الذين توفرت لهم السبل وكذا الهروب من الواقع الجديد بعد سقوط مدينته في يد الإسبان، ولذا نجده يعتز ببقاء غرناطة صامدة (2) عند مروره بها وهو فـي طريقه إلى المغرب ثم المـشرق، كما نجده يطنـب في ذكر أصوله العربية التي تعود إلى بني أمية، وغير هذا لا نجد تفاصيل أكثر عن ابن الصباح ورحلته، غير ما ورد في آخر الرحلة من أن المتملك هو الراجي من الله الحسنى علي بن الحاج محمد، ولهذا المتملك حفيد هو محمد بن الحاج علي بن الحاج محمد بن محمد بن عبد السلام زغوان الطرابلسي، مما يوحي بأنه من اشترى الرحلة، إذ نجد في الغلاف ما نصه: هذا كتاب ابن الصباح مختصر من عند سيدي الزغوان كتاب مصطفى الطرابلسي ومصطفى الطرابلسي صاحب رحلة هو أيضا عنوانها: النفحات القدسية في الرحلة الحجازية.
وصف العراق:
قبل وصف العراق على ما جاء في رحلة ابن الصباح، تجدر بنا الإشارة إلى الطريق الذي سلكه هذا الأخير إلى الوصول لبلاد الرافدين.
الطريق إلى بغداد
انطلق بن الصباح من مدينة شاطبة إلى غرناطة آخر قلعة من قلاع الأندلس وأقام بها وقتا من الزمن أعجب بهندستها، وشوارعها، وبساتينها، وكثرة مدارسها، وعلمائها، وقد بالغ في كثير مما ذكر عن غرناطة، التي عرّج منها على المغرب مرورا بمضيق جبل طارق فسبته، وزار مراكش وفاس وفي كل مدينة دوّن ملاحظاته الدقيقة، ورصد حياة الناس بها، وأعجب بمدينة فاس أيّما إعجاب إذ شبّهـها بالقاهرة، وانتـقل من المغرب
الأقصى إلى المغرب الأوسط فحّط الرحال بتلمسان عاصمة بني عبد الواد وخصّها بوصف دقيق، ومنها زار مدينة وهران عاصمة الغرب الجزائري فأقام بها مدة ثم حط الرحال بالجزائر مدينة التجارة والرخاء على حد تعبيره ومما لفت إنتباهه هو: طبيعة النظام الجمهوري على شاكلة ما يجري في الجزر الإيطالية جنوه والبندقية.
ثم انتقل إلى بجاية الناصرية التي قال عنها أنها دار علم وقوة في الدين والدنيا، وأهلها أهل بحر وتجارة. كما زار قسنطينة التي رأها محصّنة لا يقدر على دخولها غاز، ومنها إلى تونس التي وصف مدنها: كالقيروان وقفصة وعبر إلى طرابلس ومنها إلى الإسكندرية (3)، ثم القاهرة التي خصّها بتفاصيل دقيقة عن النيل والآثار القديمة... ومن مصر
خرج قاصدا مكة المكرمة، عبر طريق الشام، وفي طريق عودته عرّج على القدس التي قضى بها 4 سنوات، ثم إلى دمشق فزار انطاكية وحلب ومن دمشق رحل إلى بغداد.
وصف العراق
يبدأ صاحب أنساب الأخبار، وتذكرة الأخيار، وصف العراق انطلاقا من ديار بكر " ديار الخصب والرخاء كثيرة الحرث والقرى، ولقد رأيت السعات يبيعون الخبز، متاع سميد القمح... وييبسونه للشمس ويدخرونه لفصل الشتاء لأن بلادهم بلاد الثلج..."
ويذكر أن البلاد تمتاز بوفرة اللحوم خاصة لحوم حمر الوحش فهي مثل الغنم، يصطادونها بالخيل، ويملئون بيوتهم بالقديد، وقديد الغزال، ويستشهد بالقرآن الكريم في وصفه هذا:" كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة" ويذكر من ديار بكر مدينة مريدين وهي قلعة حصينة لا يقدر عليها فارس ولا حارس، وفيها جبل الجود الذي أرست عليه سفينة سيدنا نوح عليه السلام وفيها جامع نوح أيضا. وعليها نزل من كان على سفينة نوح من الأزواج. وفيها رائحة طيبة شاهدها بنفسه، وبها أيضا مدينة المتوكل يسكنها الترك وهم مسلمون أجواد، ومدينة مرتل، مدينة الجود ثم يصف نهر دجلة قائلا: نهر من ماء عذب عظيم يسافر على ظهره بالضروف المنفوخة بالريح.. ويربطوا عليها الخشب، ويحملوا عليها الأثقال ويسافرون إلى بغداد"
ويصف اقتصاد هذه المدن بكونها مشهورة بأشجار الرمان إذ يقول أن لكل رجل ألف شجرة، يقطف في شهر أكتوبر، ويوضع تحت الشمس ليجفّ لينقل إلى بغداد، ويذكر أن أهل هذه المناطق يصنعون خبزهم من البلوط.
ويذكر مدينة أميد في شمال العراق، فيصفها بأنها مبنية بالحجر الأسود العيساوي، ويروي أن أهلها يقرأون القرآن في مصحف كبير الحجم مكتوب على ورق الغزال إذ يبلغ طول الورقة ذراعا وطول الحرف الواحد أصبع، وحرف الضاد والكاف طولهما شبر، وعدد أوراق المصحف 360 ورقة يقرأ في كل يوم واحدة وبذلك يختم القرآن كله مرة كل عام. وذكر أن الأكراد يحضرون صلاة الصبح وهم من ولد يافث بن نوح.
وبعد أن يخرج إلى ذكر بلاد العثمانيين، يعود بنا إلى العراق:
"ثم ننصرف إلى عراق العرب، بغداد وواسط البصرة عراق أهل السنة والمذهب..."
يقول عن بغداد: إنها دار خلفاء بني العباس وهما الأئمة المهتدون وبنو العم الشريف، وهي دار السلام.
بغداد المترامية الأطراف " نظرتها بين الشرق والشمال تكشف على عشرة أيام".
يصف تضاريس المدينة فيقول أنه لم يجد حجرا للتيّمم إلا الأجر، ويغوص في ذكر أصل تسمية بغداد إذ يرى أن أصل التسمية يعود إلى أن رجلا فارسيا اسمه داد، وقيل داود كان له بستان "جنان" بني فيه قصر، والجنان أو البستان يقال له بغْ ومن هنا جاءت التسمية، بغداد، أي بستان داد (4) ويروي الحاج ابن الصباح أن بغداد مدينتين اثنتين على حاشيتي الماء وأعجب بالجسور الممتدة على النهرين والمصنوعة من الخشب والحبال، ويجلس على حواف الجسور باعة الفواكه المختلفة يملؤون المنطقة صباحا، كما يقام على حوافها معرض لأنواع الأطعمة سمّاه موضع الفرجة، تعرض فيه كل أنواع المأكولات والفواكه واللحم المشوي وما إلى ذلك. وتمتد على حواف نهر دجلة أحواض زهرة الحبق والريحان.
وبشيئ من التفصيل يصف بغداد وأهلها التي دخلها في أول شهر رمضان وأقام بها مدة ثلاث سنوات: فمدينة بغداد ألف محلة "أي حي أو حارة" في كل حارة أربع أسواق ومسجد في أولها وثاني في وسطها تسمى على القبائل، مسجد بنو فلان...، بنو النجار، بنو الصباغ... إلخ وكل عشيرة تنفق على مسجدها وعلى عابري السبيل وخاصة أثناء شهر رمضان إذ يوضع سماط في فناء كل مسجد،
ومن جود أهل بغداد أنه ليلة السابع والعشرين يعدّ صاحب كل مسجد قدرا من المال (5) يوضع في شكل ظرف من الكاغظ" يوزع على المساكين والمحتاجين، ويقف على باب المسجد قائلا: خذ فتوح عيدك يا فلان" هذا خلال سائر أيام رمضان، وفي سائر أيام السنة تقدم الصدقات من طرف التجار يومي الخميس والإثنين.
وأطنب في وصف كرم البغداديين حتى قال: ما رأيت في البلاد أكرم منهم، وسأل مرة نقيب مدرسة السلطان عن مصدر أموال الصدقات إن هي من أملاك الوقف فأجابه أنها من أملاكهم وأغلالهم.
وينتقل إلى الحديث عن مساجد بغداد وجوامعها التي قاربت الألفين، تقام فيها خمسة وعشرون خطبة جمعة وبها خمس وعشرين مدرسة لتعلم القرآن، أشهرها مدرسة الخلفاء والعباسيين التي بناها المستنصر بالله ويستطرد في ذكر المدرسة، وخدّامها وهندستها والمذاهب الموجودة بها كما يستطرد في ذكر الحركة العلمية بمدينة بغداد من قراءة صحيح البخاري ومسلم بعد كل صلاة عصر، ويعدّد مزارات الأولياء الصالحين كقبر الإمام أبو حنيفة بالرصافة وقبور البرامكة وقبر عبد القادر الكيلاني (6)، وقبر عبد الله بن الجرّاح، وقبر أحمد بن حنبل في المدينة الغربية، وقبور الأئمة الشيعة موسى الكاظم والجواد، وقبر حُذيفة بن اليمان وقبر سلمان الفارسي...
وبعد أن يطلعنا على أوصاف إيوان كسرى يعرّج ابن الصباح على واسط شرق بغداد التي يرقد بها سعيد بن جبير على شاطئ دجلة ويقول عنها أنها مدينة الحجّاج هذا الذي أجرى النفقة على أهلها سبعة سنوات حتى يحفظوا القرآن ثم أرسلهم في المدائن لتعليم الناس.
ومن وصف واسط ينتقل إلى وصف البصرة في جنوب العراق التي قدّر المسافة بينهما وبين بغداد مسيرة 10 أيام والتي بها جامع الإمام علي ومنبره وهو معطل لا يخطب عليه أحد، وبها يلتقي النهران دجلة والفرات وتسير مياههما إلى بحر الهند، وتشتهر البصرة بتمورها التي لها حلاوة مثل العسل يموت القلب من شدة حلاوته، والبصرة جنة في الأرض وهي لاتضاهيها مصر التي تشتهر بفيضان نيلها مرة في العام، فيضان البصرة كل يوم، وبالبصرة قبور الصالحين والصحابة كالزبير بن العوام، وطلحة، ومحمد بن الحنيفية.
والبصرة مركز تجاري هام، ونقطة تبادل نشيطة بين العراق وبلاد الهند، فعلى سواحلها ترسو بواخر البهارات ومنها تنقل إلى مصر والشام وباقي الأقطار المشرقية البهارات... ثم ينتقل إلى وصف أصوار المدينة وأطرافها....، وباقي الأصوار المحيطة بها.
والخلاصة:
أن الرحلة غريبة من حيث المحتوى كما ذكرنا، فيها الكثير من التفاصيل، منها ما هو مبالغ فيه، ولا يتطابق مع الحقيقة التاريخية، ولكن رغم ذلك تعتبر الرحلة مهمة وهي في حاجة إلى دراسة وتحقيق مع البحث عن إمكانية وجود نسخ أخرى لها في بعض المضان.
الهوامش
1- سقطت شاطبة في يد النصارى الإسبان عام 1240م رفقة دانية ثم مرسية 1242م وجيان 1246م وأشبيلية 1248م.
2- كانت غرناطة آخر معتقل من معاقل الأندلس يسقط في يد الإسبان وظلت تواجه لوحدها هجمات النصارى إلى غاية 1492م تاريخ دخول فرديناند وايزابيلا إلى المدينة.
3- يظهر من خلال الرحلة أن هناك خلط في رواية ابن الصباح حول عبوره إلى الإسكندرية فمرة يقول أنها رحل إليها عبر مركب طلياني ويصفه بتفاصيله، ومرة يقول أنها قصدها من طرابلس ويتحدث عن مسيرة على الأرجل لمدة كذا من الأيام.
4- يورد الرحالة تفسيرا لتسمية بغداد لا نعرف من أين أتى به أو سمعه؟
5- قدر المال الذي كان يعطى للمساكين يتراوح بين عشرة إلى مائة دينار، وبحسبنا أنه مال زكاة الفطر بما أنه يعطى في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان.
6- عبد القادر الكيلاني، وهو المعروف في المغرب العربي بسيدي عبد الرحمان الجيلالي.
مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السادسة: العدد 40: شتاء 2009 - 6th Year: Issue 40 Winter