بحوث ودراساتآراء وأفكارعرض أطاريح  CONTACT US   

 مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السادسة: العدد 40: شتاء 2009  - 6th Year: Issue 40 Winter

طـــقوس جنــــــائزية: دراسة استطلاعية

أ. حيرش بغداد محمد

ملحق بالبحث في المركز الوطني الجزائري في البحث في الأنتروبولوجيا الثقافية والاجتماعية.

hirebagh@yahoo.fr

الكلمات المفتاحية: الجزائر، المقابر، القبر، الموت، الدين، العزاء. الأنتروبولوجيا. الطقوس.  

ملخص البحث الميداني:

إن جزائر التسعينات تفتح أفقا جديدا فيما يخص الموت أو "الإماتة"، فلم يعد الموت قضاء وقدرا أو سنة الحياة تصيب من هرم أو من أصيب بمرض خطير أو من تعرض لحادث[1]. لقد أصبح الموت يزرع بأيادي غادرة لا تميز بين النساء و الرجال و لا الأطفال و القصر. و لقد تفننت تلك الأيادي في حصد الأرواح بشكل فردي و جماعي، في جنح الليل و في ضوء النهار...و لم تعد الأنفس بعد ذلك تقشعر لتلك الأعمال التي صارت مألوفة و يومية، و لم تعد للطقوس الجنائزية تلك السمات التي كانت تميزها من قبل، و لم يرغب حينها أي أحد في دراستها أو استنطاقها. و أصبحنا ننسى بكل سرعة أولئك الذين ماتوا بالأمس، سواء الذين ماتوا أو أميتوا، ننسى أنه قد كان لهم وجود بيننا، و ننسى الأماكن التي استقبلت جثمانهم، و أصبحت كلمات مثل: الكفن و النعش و القبر و المقبرة...منزوعة من القاموس اليومي و محرم استعمالها، و أهملت على أثرها مقابرنا، و أصبحت الزيارات إليها قليلة، فندفن فيها موتانا بكل سرعة، و نبادر إلى مغادرتها و كأنها المكان المشئوم و المحظور و الملعون. و لم يعد الموت سنة الحياة، بل أصبحت الحياة و الموت بين أيدي "الجماعات"، و بفعل ذلك فإن الأبحاث الأنتربولوجية التي تجري في الجزائر تطال جميع الظواهر، إلا ما تعلق منها باستقبال الموت و التحضيرات المرافقة له و المشاعر الإنسانية المتولدة عنه، ما يحرمنا من معرفة التحولات الاجتماعية على حقيقتها.         

            إن ارتباط الإنسان بالله و بالغيب و إيمانه بالماوارئيات يرجع في جزء كبير منه إلى تجربة الموت التي تطال و تلاحق كل واحد منا، و ذلك منذ أن أنزل آدم إلى الأرض، حيث من خلالها فقط يمكن للإنسان أن يعود من جديد إلى عالمه الأصلي. و لكل مجتمع طقوسه الخاصة في الدفن و في بناء القبور، و طرق زيارة المقابر أو التردد عليها، و المقاصد التي يترقبها من وراء ذلك. و البحوث الميدانية المخصصة للمقابر في الجزائر قليلة جدا، و خاصة ما تعلق منها بـ "المقابر العامة"، فقد لاحظنا مثلا العناية البالغة التي يوليها الدارسون الغربيون لدراسة المقابر الفرعونية دراسة علمية وأنتروبولوجية تكشف عن المعتقدات، و عن تقنيات التحنيط، وعلاقة القبر بالمنظومة الفلكية[2]. لكن بالنسبة للمقابر العامة في بلدنا فهي من صميم اللامفكر فيه و المسكوت عنه، إلا أنه توجد بعض الأبحاث لبعض الدارسين الغربيين تتعرض للمقابر الإسلامية العربية و التركية من القرون الوسطى إلى يومنا هذا، و منها[3]:

1. M.-A. D’ADLER, Le cimetière musulman de Bobigny : lieu de mémoire d’un siècle d’immigration, Paris, 2005.

2. J.-L. BACQUÉ-GRAMMONT, A. TIBET éd., Cimetières et traditions funéraires dans le monde islamique, 2 vol., Ankara, 1996.

3. R. AOUDI-ADOUNI, Stèles funéraires tunisoises de l’époque hafside (628-975/1230-1574), 2 vol., Tunis, 1997.

4. R. GIUNTA, Les inscriptions funéraires de Gazni, IVe-IXe / Xe-XVe siècles, Naples, 2003.

5. K. MOAZ, S. ORY, Inscriptions arabes de Damas. Les stèles funéraires, Damas, 1977.

6. M. MOHSSINE, « L’étude des cimetières médiévaux comme contribution à une approche d’histoire urbaine. L’exemple d’une

7. Y. RAGHEB, « Les premiers monuments funéraires de l’Islam », Annales Islamologiques, IX (1970), pp. 21-36.

8. Y. RAGHEB, « Structure de la tombe d’après le droit musulman », Arabica, XXXIX (1992), pp. 393-403.

9. Y. RAGHEB, « Les pierres du souvenir : stèles du Caire de la conquête arabe à la chute des Fatimides », Annales

Islamologiques, XXXV (2001), pp. 321-383.

10. M. RENAERTS, La mort. Rites et valeurs dans l’Islam maghrébin, Bruxelles, 1986.

11. N. VATIN, « Les épitaphes musulmanes d’Istanbul : une source d’histoire sociale », dans Les villes dans l’Empire ottoman : activités et sociétés, D. PANZAC éd., Paris, 1991, pp. 149-163.

12. N. VATIN, « Le rôle de l’écrit dans les stèles funéraires ottomanes », Oral et écrit dans le monde turco-ottoman, Revue du Monde Musulman et de la Méditerranée, 75-76 (1995), pp. 55-63.

13. N. VATIN, S. YERASIMOS, « Documents sur les cimetières ottomans », part. I, Turcica, XXV (1993), pp. 165-187, part. II, Turcica, XXVI (1994), pp. 169- 210.

- G. VEINSTEIN éd., Les Ottomans et la mort. Permanences et mutations, Leyde, 1996.

 

إننا لا نعرف عن المقابر شيئا إلا من خلال مرافقتنا الشخصية للجنائز، أو زياراتنا القليلة و المتقطعة لها. و أهمية البحث في الموضوع لا تقتصر على الكشف عن وضع الأموات فحسب، و لكن عن وضع الأحياء كذلك، فشدة أو قلة التردد على المقابر لها دلالات اجتماعية، و "اختيار موقع المقابر وطرق تزين القبور له دلالات علمية و اقتصادية و فنية"[4]. فكما أنه لا مهرب من الله إلى إليه، كذلك فإنه لا مهرب من المقابر إلى إليها، و الناس باعتبارهم يتقاسمون و "يتبادلون رأس مال رمزي"[5]، فمن الضروري معرفة طبيعة هذا الجانب الرمزي و أبعاده الاجتماعية، فكما أن للحياة طقوسها فكذلك للموت طقوسه[6].      

               I. العـــــــــزاء ورهاناته الاجتماعية:

يمثل العزاء شكل من أشكال التضامن و التآزر و التعاطف، حيث أننا نعمل على مقاسمة الآخرين أفراحهم، فنسعد لسعادتهم، و نحزن لحزنهم[7]، فذلك يعتبر من اللحظات الحاسمة التي تقرب الناس و تخلق ما يسميه الأوروبيون اليوم "النزعة الإنسانية". و إن التضامن الاجتماعي يمتد ليمس مصاريف الدفن و العزاء معا، و التي تبقى في الجزائر منخفضة و متحملة، فعادة ما يساعد الجيران على استقبال المعزين و إطعامهم على مدى ثلاثة أيام، أما تكاليف الدفن فهي لا تتجاوز مقدار يوم من العمل، إضافة إلى أن الكفن[8] لا يتجاوز ثمنه أجرة خمسة أيام بالنسبة لموظف متوسط الأجر. و قد لاحظنا أن كثيرا من الناس حين يبلغون سن الستين أو السبعين يبادرون إلى شراء كفنهم بمالهم الخاص، و يحتفظون به إلى أن يحين أجلهم، أو على الأقل يتركون مبلغا من المال جانبا، و يكلفون أحد أقاربهم مسؤولية الإنفاق من ذلك المال لتغطية مصاريف الجنازة.

و في الجزائر يدار العزاء بطريقة تقليدية، و تكون الخيمة المنصوبة في وسط الطريق علامة و دلالة عليه، فقد اعتدنا في الجزائر كلما لاحظنا خيمة منصوبة في الشارع على القول: "إما أن يكون هذا مأتم أو حفل زفاف"، و الخيمة تنصب بسرعة قياسية (الساعة الأولى أو الثانية بعد الوفاة). و كل مسجد يحتاط المتردون عليه على جمع مبلغ من المال لشرائها، و يسهرون على إصلاحها و ترميمها، و توضع تحت تصرف كل عائلة في حاجة إليها. و هناك كثير من المساجد تسهر كذلك على شراء مستلزمات العزاء (الموائد، الملاعق، الأكواب، الأفرشة و الأغطية...) التي توضع كلها تحت تصرف المحتاجين إليها، و تكون تلك الأغراض موسومة بعلامات خاصة لألا تختلط مع مستلزمات العائلات المستخدمة لها. إن هذا المنحى يعبر بحق عن وعي عميق بضرورة التضامن و التعاون بين أفراد المجتمع، و يبرهن أن المجسد مؤسسة اجتماعية و دينية في الآن نفسه.

و يقسم المكان المخصص للعزاء إلى قسمين:

أ‌.                       قسم خاص بالرجال و يجري في الخيمة المنصوبة في الشارع، حيث يستقبل أهل الميت من الرجال عزاء الرجال فقط.

ب‌.                  قسم خاص بالنساء و يجري داخل المنزل، حيث تستقبل النساء من أهل الميت عزاء النساء فقط.

و لا يكاد خلال مراسيم العزاء أن يدخل المنزل إلا المقربون المقربون، و ذلك لأغراض جد محددة (إخراج الطعام، إخراج مستلزمات الضيافة، تزويد الأهل بما يحتاجونه من مستلزمات الطهي و ما شابه...).

إن "مراسيم العزاء و إدارته تعكس مستوى كبير من التنظيم الاجتماعي"[9]، حيث توزع بطريقة سريعة المهام بين الرجال و النساء، و يلتزم كل واحد بمهامه إلى أن تنقضي المدة المخصصة للعزاء، و لا يسهر على العزاء إلا المقربون المقربون الذين قد لا ينامون طوال هذه المدة، حيث ينحصر دورهم في استقبال المعزين و السهر على راحتهم وخدمتهم.

و إن ما يجري في الخارج يكون مخالفا لما يجري في الداخل، من حيث أن الرجال يتميزون بالكتمان و التستر، و لا يظهرون مشاعر الحزن و الألم إلا قليلا. أما ما يجري في الداخل ففيه شيء من الصخب و العويل، و هو مكان يشهد الكثير من الخصومات[10] التي لا تظهر للملاحظ مباشرة، و هي ناتجة عن محاولة القريبات "الاستحواذ" على شيء مما تركه المتوفى من أجل "الذكرى". و كل شيء يصير موضع جدل (ألبسته، أحذيته، العصا التي كان يتكئ عليها، المصحف الذي كان يقرأ فيه...) بحيث لو أن شيئا من ذلك وزع عليهن، فهن لا يرضين به، حيث تعتقد كل منهن أن ما أعطي للأخريات أفضل مما أعطي لها. فالبكاء و العويل ليس في كل الأحوال عويلا و بكاء على الميت، بل قد يكون بسبب الدور الموكل لهن، أو بسبب طريقة استقبالهن من طرف أصحاب البيت، أو التأخر في خدمتهن،...فتظهر إلى السطح كل الخلافات الاجتماعية المتراكمة من قبل، و لكنها تدار بالشكل الذي لا يؤدي إلى نشوب الفوضى أو النزاعات المفضوحة.

و بعد التغسيل و التكفين الذي يجري في سرية تامة و بعيدا عن الأعين الفضولية، يكون للنساء فرصة للكشف عن وجه الميت و توديعه لآخر مرة، أو الجلوس بقربه و الدعاء له[11]، و قد يبقى الميت في المنزل النهار كله، أو يبيت في المنزل و ذلك حسب ظروف الوفاة و حسب درجة الحرارة و حسب المنطقة.

و إن فرصة مرافقة الميت بهذا الشكل لا تتوفر بنفس المقدار للرجال الذين لا يراهنون عليها كثيرا، و خاصة و أن وجودهم متمركز في الخارج، إلا أنه يعود إليهم فضل مرافقة الميت إلى المقبرة، و الانفراد لوحدهم بتلك اللحظات الأخيرة التي ينقل فيها الجثمان من مستوى ما فوق الأرض إلى مستوى ما تحت الأرض[12]. وكأن بين الطرفين (الداخل و الخارج) يحصل نوع من العقد أو الاتفاقية الضمنية التي توكل لكل طرف الانفراد بلحظات مميزة تشبع فضوله و تستجيب لتطلعاته. و احترام هذه التدابير و مراعاتها هو شرط ضروري لسلامة الأحياء و شعورهم بالأمان و الطمأنينة بعد نهاية المراسيم كلها[13].

و ينظم الرجال في الخارج فترة مسائية يحضر فيها جمع من الشيوخ و حفظة القرآن (يتراوح عددهم بين ستة و إثنى عشر) لقراءة بعض من السور القرآنية التي تضفي على الجو هيبة و روحانية، و تزيد من صبر المعزين، و يجتهد القارئون للقرآن في إسماع من هم في الخارج و الداخل، و إن كان ذلك صعب في بعض الأحيان في غياب مكبرات الصوت. و هؤلاء القراء من حفظة القرآن يتلقون نصيبا من المال يجمعه لهم أقارب الميت، و المتطوعون من المعزين. و قيمته المبلغ تتفاوت بمقدار المستوى الاجتماعي و الاقتصادي للعائلة، و القراء لا يطلبون مبلغا محددا، و لكن يرضون بمقدار أدنى لا يقل عن أجر موظف ليوم واحد.  

و إن جموع المعزين في الخارج يتميزون بالهدوء[14] سواء على مستوى الكلام أو الحركة أو الجلوس، و ينحصر حديث المعزين في التطرق لظروف الوفاة، و لخصال المتوفى و إنجازاته، و لكن قد يتوجه الحديث إلى انشغالات الحياة اليومية، و حتى إلى القضايا العامة و إلى نوع من المرح والهزل المتوازن الذي يزيل عن جو العزاء المأساوية و التراجيديا[15].

و باعتبار أن المتوفى كان يشكل حلقة اجتماعية هامة، و موته يحدث و لا شك ثغرة أو قطيعة في تلك التراتبية الاجتماعية و العائلية، مما يفرض على الأحياء إعادة تنظيم وجودهم الاجتماعي بطريقة جديدة[16]، و بالتالي إعادة توزيع المهام و المراتب الاجتماعية، و هي مهمة صعبة محفوفة بكثير من التوتر، و لا يمكن أن ندرك نجاح التنظيم إلا بعد مدة زمنية. و بعد انقضاء الفترة المخصصة للعزاء، يضرب المعزون من أهل الميت لأنفسهم موعدا محددا، ليعاودوا الالتقاء من جديد، أي بعد 40 يوما[17] بدء من اليوم الأول للوفاة. و من خلال الحضور و الغياب و التأخر نكتشف مدى النجاح في إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية، فالغياب يدل على الرفض التام للدور الموكل، و التأخر يعبر عن نوع من الاحتجاج، و يتبين تماسك العلاقات الاجتماعية أكثر من خلال المناسبات التي تلحق "الأربعين" سواء ما تعلق منها بالأفراح أو بالمآتم.

 كما أن توزيع التركة يصير من المعوقات الأساسية لالتآم العلاقات الاجتماعية[18]، و خاصة في ظل صعوبة حصر قيمة التركة، و التكتم على ما تركه المتوفى من أرزاق و أملاك. و تزيد المعضلة أكثر عندما يتعلق الأمر بالمسكن الذي يكون عامرا بجزء من الأفراد المستحقين للميراث، أما الجزء المتبقي فيكون مالكا لمساكن خاصة، فيصعب إخلاء البيت من أجل بيعه، كما يصير مستحيلا بيع كل واحد بشكل مستقل لنصيبه من البيت الذي يضل حكرا على ساكنيه القدامى. و قد تبين لنا أن الحزن في الأصل ليس حزنا مقتصرا على الميت المفقود، و لكنه حزن موجه بإدراك مسبق لتفكك العلاقات الاجتماعية و عدم التمكن من إعادة بنائها من جديد[19].                 

           II.     المقابر ومميزاتها:

إن الإحاطة بالطقوس الجنائزية التي هي "مجموعة من الأفعال والأقوال التي ترافق لحظات الاحتضار، وما يتلو موت إنسان ما"[20]  يتطلب التطرق للمقابر، حيث أن الدراسة الميدانية المرتبطة بالملاحظة و المقارنة تكشف أن المقابر المقامة على حواف المدن و القرى تحترم مسافة محددة تتميز في الأغلب بالقصر (2 أو 2.5 كلم) والتوسط (3 أو 4 كلم)، و ذلك راجع إلى أغراض براغماتية تتمثل في تسهيل نقل الجثمان و إمكانية مرافقة الجموع له. كما أن الإسراع بالدفن هي من التقاليد الإسلامية[21] التي تحفظ للميت كرامته لألا يطال الجثة أي ضرر، ولكي لا تزيد أحزان أهل الميت عن الحد المطلوب. فطالما أن الجثمان لم يفارق بيت أهله، فإن ذلك يتسبب في زيادة الأحزان و شدة الارتباط الحميمي. ما يفسر أن لحظة إخراج الميت من بيت أهله تكون مرفقة بهلع كبير، و خاصة من طرف النساء اللواتي يعبرن بعفوية مفضوحة عن أحاسيسهن.

كما أن المسافة تأخذ بعين الاعتبار تسهيل الزيارات لاحقا، فتحافظ على شيء من الاتصال و الانفصال بين الأحياء و الأموات، و العلاقة بين هؤلاء تبقى مرفوقة بالنسيان تارة و بالتذكر تارة أخرى، فالمناسبات الدينية و خاصة عيدي الفطر و الأضحى من المناسبات الهامة لزيارة المقابر عند عموم الشعب الجزائري، و إن كان يوم الجمعة أيضا يشكل على طوال السنة موعدا هاما لذلك.               

ويختار الموقع المخصص لأن يكون مقبرة وفق مواصفات محددة:

أ‌.                       يكون الموقع على الأرض الأقل خصوبة و الأقل إنتاجية، لألا يحرم الأحياء من زراعتها، لذلك فإن المقابر تقام في الأغلب على أرض مرتفعة ذات تكوين صخري، مما يقيها من السيول والفيضانات[22].

ب‌.                  وإذا كانت كل الأراضي المجاورة للتجمع السكني (قرية، مدينة، دوار...) خصبة، و لا يوجد بجوارها أمكنة مرتفعة، فإن الموقع الذي تقام عليها المقبرة يكون مسطحا، شريطة أن يكون محميا من السيول و الفيضانات، فلم نسمع إلى اليوم أن مقبرة ما قد جرفتها الفيضانات، فرغم أن الفيضانات كثيرة في الجزائر، فهي تمس التجمعات السكنية و لا تمس المقابر أبدا[23].

ت‌.                  يتميز الموقع في البدء بأنه موقع مفتوح يحتمل التوسع، فبعد النظر من الشروط الأساسية التي تؤخذ بعين الاعتبار في اختيار الموقع، الذي يصير مرجعا و مقصدا على مدى أكثر من قرن. و في الجزائر يوجد أنواع كثيرة من المقابر تعبر عن التنوع الإثني، و تعكس الحقبة الاستعمارية، وكذا طبيعة التركيبة الاجتماعية التي تتميز إما بالاستقرار الدائم أو الارتحال المستمر.

أنواع المقابر في الجزائر:

1 المقابر العامة: وهي المقابر الأكثر انتشارا، والأكثر استعمالا، والأكثر زيارة كما أنها تتميز بساطة البناء.

وتحتوي المقابر العامة غالبا على مقامات الأولياء الصالحين التي تبنى بأشكال عديدة:

أ‌.  مقام الولي الصالح يكون بلون أخضر و أبيض، و هو يشبه في بنائه المعماري أي بيت فهو يتكون غالبا من غرفتين مسقفتين، أحدهما يضم قبر الولي الذي يزار، فتوضع فيه الشموع و "الحناء" و يتبرع فيه الناس ببعض النقود التي يتركونها في ركن خاص، و التي يحصلها إما الشخص المشرف على الضريح (المقدم بضم الميم) إن وجد، و إن لم يوجد فيأخذها عادة الفقراء أو الأطفال و الصبية. أما الغرفة الثانية فهي غرفة مخصصة لتحضير الطعام على النار (المتمثل غالبا في شواء اللحم على الجمر)، لأن بعض الزوار يقضون النهار كله داخل مقام الولي خاصة و في المقبرة عامة. و المقام يحوي كذلك على فيناء (حوش) و سور خارجي يحيط بالغرفتين.

إن المجتمع الجزائري مجتمع يتكون في عمومه من الطبقات المتوسطة و الفقيرة التي لا تتغذى على اللحوم إلا في المناسبات أي في المواسم و الأعياد، إضافة إلى مناسبة زيارة المقابر التي تعتبر فرصة لزيارة الأولياء. و بعض من الحكماء و الأطباء الشعبيون ينصحون زبائنهم بتقديم قربان، و بذبح شاة أو ماعز أو دجاجة، أو ديك بمواصفات خاصة من أجل الشفاء من الأمراض النفسية المستعصية على الطب العام. و كان "الولية" والمعالجون التقليديون و لمدة طويلة بديلا عن الطب المعاصر الذي كان في أغلب الأحيان حكرا على المعمرين الفرنسيين فقط، فاحتمى الجزائريون بتقاليدهم التي هي مزيج من التقاليد الشعبية و من التقاليد الإسلامية[24].        

ب‌.                  و قد يكون مقام الولي بسيطا في معماره، و لكن مكتملا في وظائفه، فيكون عبارة عن قبر يحيط به جدار متوسط الطول و من غير سقف، و فيه فتحة تشبه فتحة الباب تسمح بدخول الزوار إليه، و في هذه الحالة يكون طهي الطعام في الهواء الطلق.

إن زيارة المقابر قد تكون من أجل زيارة الولي الصالح نفسه، فهو كمكان مفعم بالروحانية مناسب للاستخارة و للأدعية التي يدور أغلبها حول طلب الصحة و العافية أو طلب الذرية و الإنجاب. و قد تتوجه الزيارة حصريا إلى الأقارب فقط، أو لكليهما معا، و الزيارة هي فرصة من أجل أن تروح النساء عن أنفسهن، و تتحرر من سجن البيت، و تتلاقى مع النساء الأخريات خالقة بذلك روابط اجتماعية. و غالبا لا يرافق الرجال النساء لزيارة المقابر، فهن يخرجن برفقة الجارات إليها، و يبقين فيها إلى أن يرجعن إلى بيوتهن، على خلاف الزيارات الأخرى التي يلازم فيها الرجال النساء كملازمة ظلهن لهن. و المقبرة مكان آمن ليس فيه اختلاط بين الرجال و النساء، فعندما يحضر الرجال تغيب النساء، والعكس صحيح.

إن النساء يلعبن دورا اجتماعيا هاما، فهن الأكثر زيارة للمقابر، و بالتالي الأكثر محافظة على صلة الأحياء بالأموات، فهن أكثر تفطنا للذاكرة، فلأنهن يحرمن من مرافقة الجثمان للمقبرة في اليوم الأول تجنبا للاختلاط، و محافظة على مشاعرهن المرهفة، فإن ذلك يولد في أنفسهن رغبة ملحة لزيارة المقبرة، و تبقى هذه الرغبة مرافقة لهن طوال حياتهن، مما يجعلهن يترددن على المقابر كلما سنحت لهن الفرصة بذلك، و خاصة بالنسبة للنساء الذين فقدن آباءهن أو أمهاتهن. و إن حالت الظروف دون تلك الزيارات، فإنهن يبادرن إلى التصدق على الجيران و على الأطفال بالتمر و الطعام و خاصة أيام الجمعة، و ذلك من أجل إحياء الذاكرة و جلب الأدعية الصالحة و الإيجابية للميت.

كما أن زيارة النساء للمقابر تتميز بالاجتماعية، فمن خلالها تتوطد العلاقات بين الجيران، و ترتسم بفضلها حدود القرابة، فعادة ما تخبئ تلك اللقاءات المفاجآت السعيدة و تكشف عما كان مجهولا من صلات الدم البعيدة منها و القريبة، فتنتظم على أساسها برامج و خطط الزواج بين العائلات توافقا مع تعاليم الإسلام التي تحرم الزواج بين "الأصول" أو "المحارم".   

2. المقابر المنسية: و هي التي يرتبط وجودها بتجمعات سكانية اضطرت في حقبة زمنية ما إلى الرحيل الجماعي إلى منطقة أخرى، و هذا ما حصل في الفترة الاستعمارية، أين أجبر المستعمر كثيرا من التجمعات السكنية على الانتقال و الالتحاق بتجمعات سكنية أخرى من أجل إقامة محتشدات مطوقة و مراقبة، ليعزل بذلك الشعب عن الثوار، و يقطع عنهم كل مدد و إعانة. و هذا ما تسبب في تحول المقابر التي كان الناس يترددون على زيارتها، و يدفنون بها موتاهم إلى مقابر مهجورة، و مع الزمن أصبحت منسية، بالكاد نستطيع من الوهلة الأولى على التعرف عليها، خاصة و أن العوامل الطبيعية تؤدي إلى تسوية القبور بالأرض، و تخفي و تمحي العلامات الأساسية للقبر كالشاهدين مثلا.

كما أن المقابر المنسية تتولد عن قصر النظر و سوء اختيار الموقع، فعادة ما تشهد منطقة ما توسعا عمرانيا كبيرا بسبب ازدهار الأنشطة الاقتصادية و التجارية فيها، فتصير المقبرة غير قادرة على استيعاب أعداد جديدة، فيتم بسبب ذلك اختيار موقع ثاني أكثر اتساعا. و عندما يصبح عدد القبور في الموقع الثاني أكثر من عدد القبور في الموقع الأول، تصبح الزيارات المتوجهة إلى الموقع الثاني أكثر من الزيارات المتوجهة إلى الموقع الأول، و غالبا ما يجد الواحد أن بعضا من أفراد عائلته مدفون في الموقع الأول، و بعضهم الآخر مدفون في الموقع الثاني، فيجتهد في البدء في زيارة الموقعين معا، و لكن الناس يعطون بالضرورة الأولية لزيارة الأب و الأم على زيارة الجد و الجدة[25]. و مع مرور الزمن تقل زيارة الموقع الأول إلى أن تنعدم تماما، و قد يصبح ذلك الموقع أرضا فلاحية من جديد، تغرس فيها الأشجار المثمرة أو الحبوب و ما شابه ذلك، و قد تصبح أرضا صالحة للبناء.

3. مقابر الشهداء: و هي المقابر المستحدثة التي لم تظهر إلا بعد الاستقلال، أي بعد سنة 1962 و هي تضم رفات الشهداء فقط، و الذين استخرجت جثتهم من المقابر العامة، و من المقابر الجماعية التي كان الثوار يدفنون فيها موتاهم بشكل ارتجالي وسريع نظرا لظروف تلك الفترة.

و تتميز مقابر الشهداء بأنها منظمة بطريقة هندسية، فالقبور مصفوفة في خطوط مستقيمة و متوازية، و هي مبنية بالرخام أو بالقرانيت، و لها طابع موحد. كما أن المقبرة تحوي على فناء مخصص لأداء النشيد الوطني بقرب معلم يظم قائمة مكتوب فيها أسماء الشهداء المدفونون في تلك المقبرة. و هي محاطة بسور، و غير قابلة للتوسع إلا نسبيا، أي لا يمكن أن تضاف لها قبور أخرى إلا بشكل محدود جدا.

و ميزة الدفن في هذه المقابر تتميز بأن رفات الشهداء توضع في صناديق خشبية، و التي بدورها توضع في القبر الذي يبنى كلية.

و الزيارات المخصصة لتلك المقابر لها طابع رسمي يغلب عليها البعد التاريخي و السياسي، فبمناسبة يوم الاستقلال (5 جويلية 1962) أو بمناسبة يوم الثورة (1 نوفمبر 1954) يتوجه المسؤولون الإداريون و السياسيون (الولاة، رؤساء الدوائر، الوزراء..) معية عدد من قدماء المجاهدين، و عدد من المواطنين إلى زيارة تلك المقابر، و أداء جملة من الطقوس الرسمية (النشيد الوطني، إلقاء كلمة ترحما على الشهداء، دقيقة صمت،...)

4. مقابر المسيحيين واليهود (مقابر النصارى) : و هذه المقابر إلى اليوم موجودة و يصل عددها إلى 523 مقبرة فرنسية مسيحية و يهودية[26]. وه ي تشهد على الحقبة الاستعمارية و يوجد منها ما هو في حالة مقبولة، و منها ما هو في حالة يرثى لها، و خاصة المقابر التي توجد في القرى و الأرياف النائية. أما مقابر المدن فهي محروسة، و يتردد عليها الزوار الأوروبيون بشكل ضعيف و قليل، و الحكومة الفرنسية تقدم بعضا من الدعم المالي لحماية مقابرها و ترميمها، ففي 2003 دعا الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى ترميم تلك المقابر و إعادة تأهيلها[27]. فمثلا في مدينة وهران (الشمال الغربي) لاحظنا مقبرتين هما مقبرة "الحمري" و مقبرة "البركي" و هما في حالة مقبولة، حيث أن القبور فيهما لم تدنس، أما المقبرة الموجودة مثلا في بلدية طافراوي (ولاية وهران) فهي في حالة متقدمة من التدهور، فلأنها من غير حراسة و لا يزورها أي أحد فقد تآكل سورها و دنست قبورها[28]. و قد ساد الاعتقاد - و هو صحيح نسبيا-  بأن تلك القبور تحوي على المجوهرات و الكنوز، فسارع كثير من اللصوص في جنح الظلام إلى مداهمتها، و فتح صناديق الموتى و انتشال ما بها، و الذي لا يتعدى كونه شيئا بخسا و رخيصا. و تعتبر هذه الأفعال من المسكوت عنه، و من اللامفكر فيه، و هي كأفعال لا تتوافق مع تعاليم ديننا، و خاصة إن كان التدنيس لأغراض الشعوذة و السحر. و بالتالي فإن هذا النوع من المقابر يتعرض لنسيان مزدوج، جانب منه راجع إلى نسيان الفرنسيين لها، و جانب آخر نسيان وتناسي الجزائريين، لما تمثله هذه المقابر من أثر يدل على وجود استعماري لم يكن مرغوبا و لا محتملا.

5. مقابر الأقليات "العرقية" و الرحل: من أهم تلك المقابر ما تعلق بجماعة أهل "ميزاب" المتواجدون بمدينة غرداية، و الذين رغم إسلامهم و رغم نطقهم باللغة العربية يفضلون اجتماعيا أن يسكنوا منطقة خاصة تجمعهم، وهم قليلو الاختلاط بمن يخالفهم عاداتهم، فالرجل الميزابي لا يتزوج إلا من امرأة ميزابية، والعكس صحيح. و لهذه الأسباب و أخرى فهم يتخذون مقابر خاصة بهم، و حتى و إن مات الميزابي بمنطقة بعيدة عن موطنه الأصلي، فإن جثمانه ينقل إلى مقبرة عشيرته.

كما أن أهل "القبائل" أو ما يعرف في اللغة الدارجة بـ "زواوا"، و باللغة العالمة "الأمازيغ" لهم أيضا مقابرهم الخاصة بهم، و ذلك لكونهم يتمركزون في منطقة محددة من الجزائر (الوسط الشمالي) مثل: تيزي وزو، و بجاية و جيجل...فبحكم ذلك فإن مقابرهم ذات طابع إثني، رغم أنهم لا يمانعون في أن يدفنوا بالمقابر العامة الموجودة في مناطق أخرى، لأنهم بحكم عوامل اجتماعية فإن عددا معتبرا منهم موجود في أنحاء كثيرة من الجزائر. و هناك مقابر صغيرة للرحل من الرعاة، و هي تتميز بالتشتت و الصغر، فلا يوجد فيها إلا عدد قليل من القبور. و إن هذا التنوع في المقابر ليس ميزة خاصة بالجزائر فقط، بل هو موجود عند جميع الشعوب و الحضارات.

و تبقى المقبرة عامة مكانا متميزا و مستقلا عن الفضاء العمراني المجاور لها،  وهي كبقية الأمكنة العمرانية تعرف توسعا مستمرا بسبب زيادة النمو السكاني، فهي "تتوسع في كل الاتجاهات، و بسبب التوسع العمراني أيضا لم تبق المقبرة في كل الأحوال على هامش التجمعات السكنية الصغيرة منها أو الكبيرة، بل هي في بعض الأحيان تصير وسطها"[29]، و تبقى رغم ذلك مكانا محترما، فالأطفال مثلا رغم حبهم للعب و للمغامرة و للاكتشاف، فإنهم لا يفكرون إلا ناذرا في اللعب داخل المقبرة، أو في دخول مقامات و أضرحة الأولياء. فالمقبرة بالنسبة لهم مكان مخيف و موحش، مرتبط بالتجارب المحزنة التي أدركوها خلال المآتم. كما يلجأ الآباء إلى كثير من الحيل من أجل كبح جموح الأطفال و فضولهم، فهم يقصون عليهم الحكايات المخيفة التي تدور أحداثها في تلك المقابر، و ما يرتبط بها من الأرواح المحومة عليها، و استيقاد الأموات، و الأصوات التي تصدر من القبور، إلخ[30].

و لكن في المدن الكبيرة كالجزائر العاصمة تصبح المقبرة في حالات استثنائية المكان المفضل لالتقاء الشباب الباحثين عن التحرر من المراقبة الاجتماعية لتمضية أوقات سعيدة، و ذلك بعد أن صارت الفضاءات العمومية الأخرى لا تفي بالغرض، و خاصة في الوضع الاستثنائي التي عرفته و تعرفه الجزائر منذ التسعينات.  ويمكن على الأقل الإشارة إلى أن المقبرة لم تسلم من المداهمات، و من الأعمال التخريبية و حتى من التفجيرات، و لكن يبقى ذلك محدود نسبيا. و تبقى المقابر تمثل بالنسبة للسلطات السياسية المكان الآمن و المسالم الذي لا تصدر عنه الاحتجاجات أو الانتفاضات، و لا يدافع أي أحد من الأحياء عن المقابر أو يشرع لها أو يتطرق إليها بالفحص و التحليل، فهي شأن اجتماعي لا دخل للسلطات السياسية فيه[31].   

        III.    القبور ومواصفاتها:

يتم حفر القبر بطريقة تقليدية التزاما بما هو منقول عن الرسول (ص) و عن الصحابة رضوان الله عليهم، و الدفن غير الردم فهو يتم بطريقة منظمة تحفظ للجثة كيانها و كرامتها، و الوضع في القبر يتخلله كثير من الستر و الإخفاء، و لا يوشك أن يرى العملية إلا من يحمل الميت و يضعه في الحفرة. و العملية مرفوقة بكثير من الخفة و السرعة، و يغلب على ذلك الجانب التطوعي بحيث يحاول كل فرد مستطيع أن يشارك في الدفن بإزالة التراب أو إرجاعه إلى موضعه من أجل الحصول على الأجر و الثواب.

و عادة ما يبادر الناس عند الإتمام من الدفن إلى وضع شيء وفق القبر[32] (آنية، كأس، كوب، صحن، قنينة عطر فارغة أو مملوءة...) و في الأغلب ما يكلف النساء أحد المشاركين في الدفن بذلك، فباعتبار أنهن لا يحضرن هذا الطقس، فهن لا يقفن على قبر الميت إلا صبيحة اليوم الموالي للدفن. لذلك فهن يرغبن التعرف على الموقع من خلال العلامة الموضوعة على القبر والتي تكون متميزة[33] و معروفة لديهن. و تفسر هذه الظاهرة انطلاقا من سببين أحدهما مرتبط بأن الأمية التي كانت منتشرة بكثرة في المجتمع الجزائري كانت تحول دون القراءة، فيكون اللجوء إلى التقنية السابقة وسيلة و حيلة تمكن الأهل من تحديد موقع القبر و التعرف عليه، و إذا ما فقد الشيء الموضوع في البداية على القبر أو أتلف لسبب أو لآخر فإنه الأهل يستبدلونه بشيء مشابه أو غيره عبر الزيارات المتكررة.

إن هذا الطقس الاجتماعي يعطي للمقبرة في الجزائر ميزة خاصة، فالزائر يصبح أمام مشهد فريد يدرك البصمة الخاصة لكل عائلة، فلا يخلو قبر من آنية تميزه، و كأننا أمام معرض أو متحف مفتوح على الهواء الطلق تتراكم فيه منتجات يعبر كل منها على درجة من التقدم الصناعي و الجمالي (فخار، زجاج، طين، ألمنيوم،...) و كل جيل ينقل إلى الجيل اللاحق مواصفات ما وضع فوق القبر لألا يختفي الأثر، و يتيه الناس عن معرفة قبور أقاربهم.

و رغم أهمية هذا التفسير و قيمته الاجتماعية، إلا أننا نعتقد أن هناك تفسيرا آخر أكثر أهمية و دلالة، فقد لاحظنا أن الشعوب قديما كانت تعتقد أن الروح تغادر البدن مدة من الزمن ثم تعاود الارتباط به لتمنح له الحياة من جديد، لذلك من الضروري في نظر المصريين القدامى تجهيز الميت بما يحتاج إليه (أواني، مأكولات، ألبسة...) حتى أنهم كانوا يدفنون مع فراعنتهم عددا من الخدم[34]، ولا يكاد البحث الأركيولوجي اليوم سواء تعلق الأمر بالمصريين أو بشعوب أخرى يجري تنقيبا في أي من المقابر إلا و يعثر على أثر اجتماعي مادي. إن الاعتقاد بالحياة بعد الموت شيء مشترك عند أغلب شعوب المعمورة، و مرده إلى أن الأحلام كانت فرصة لإحداث التلاقي بين الأموات و الأحياء، فكثيرا ما يتلقى الأحياء من خلال الأحلام إشارات من طرف الأشخاص الذين ماتوا، فتصبح صورهم تعبر عن وجود خالص للروح.

و تتميز أغلب القبور الموجودة في المقابر العامة أي % 80 بالبساطة، فهي في مستوى قريب جدا من السطح مغطاة فقط بالتراب، أما الشاهدين فيكونان عبارة عن صخرتين كبيرتين، و لكن لأسباب عملية صارتا اليوم من الحجارة الاصطناعية المسطحة و ذات اللون الأبيض، و التي تسمح بنقش اسم و لقب و تاريخ ميلاد و وفاة و دعاء مختصر عليها. و تتجلى بعض الاخلافات في كتابة الأسماء فبعضها يكون باللغة العربية فقط، و بعضها الآخر باللغة العربية و الفرنسية معا. أما التواريخ فبعضها ميلادي فقط، و أغلبها يجمع بين الميلادي و الهجري. أما الأدعية و العبارات الخاصة، فلا توجد إلا في عدد قليل من القبور ( مثل: المغفور له، المحسن، المجاهد، الشهيد، الأخ، ......).

و يوجد حوالي % 10 من القبور حوافها الخارجية مبنية، و لا يظهر التراب إلا في الأعلى بالإضافة إلى وجود الشاهدين الاصطناعيين، لكن يظل البناء رغم ذلك بسيطا و متواضعا. و يوجد حوالي % 10 كذلك من القبور مبنية بطريقة فخمة يحيطها الرخام الطبيعي أو الاصطناعي من كل جهة، و هي تلفت انتباه الزائر، و تدعو إلى التوقف عندها. و يمكن تفسير هذا الاتجاه نحو التنميق و الزخرفة إما بالمكانة الاجتماعية أو السياسية للمتوفى و لعائلته، و إما لأن هناك أسباب نفسية تكمن من وراء ذلك، فهناك بعض العائلات المتواضعة أو الفقيرة قد تنفق على زخرفة القبر الشيء الكثير، و ذلك لتعبر بطريقة ملموسة عن مدى حبها للمتوفى و تعلقها به، أو كشكل من أشكال تعويض التقصير المقترف في حقه.

و ليس في المقبرة العامة أماكن مخصصة لعائلات محددة، فالدفن لا يخضع للاعتبارات الطبقية، فالعائلة الواحدة يدفن أفرادها بشكل عشوائي تبعا لتوسع المقبرة، فالجد قد يوجد في أقصى الشمال، و الابن في الوسط، و الحفيد في أقصى اليمين، و هكذا دواليك، فلا توجد جهة من المقبرة مخصصة للعائلة الفلانية، و جهة أخرى مخصصة لعائلة أخرى. إن الناس يصيرون سواسية أمام الموت، و الأشخاص الذين فقدوا عزيزا سواء كانوا أغنياء أو أفقراء تجمعهم نفس العواطف و الأحاسيس، لذلك فهم لا ينقادون حينها بعواطف التميز، فيقبلون بأي مكان من المقبرة لدفن موتاهم، غير مميزين بين مكان منخفض أو مرتفع، مخضر أو يابس، رطب أو حار...لأن ذلك لا يعني بالنسبة لهم شيئا كثيرا. و قد يصطدم الأهل في حالات نادرة بوصايا الميت، كان يطلب الشخص قبل موته أن يدفن بقرب أحد أفراد عائلته، أو يدفن في مقبرة غير المقبرة القريبة من التجمع السكني الذي يسكن فيه. و في هذه الحالة يجتهد الأقارب في تحقيق الوصية إذا لم تعترض سبلهم معوقات لا يمكن حلها أو تجاوزها.      

و تردد الناس على المقابر يظهر من خلال الاعتناء بالورود أو الأزهار أو الحشائش البسيطة التي تغرس على القبر[35] لإعطائه نوعا من الحياة و من الجمال، فنحن لسنا من المجتمعات التي اعتادت على وضع باقات الورود المقتطفة بجانب القبور، لأن هذه الباقات سرعان ما تذبل و تموت، و لأنها غالبا غير متوفرة و غالية الثمن، فإن الناس يستعيضون عنها بما يغرسونه مباشرة على القبر فيكون له بالتالي دوام أطول.

إن المخططات و البرامج التنموية لا تكاد تتطرق للمقابر، التي تبقى تابعة عادة للبلديات التي يعتني القليل منها بإدارة المقابر أو تطهرها من الحشائش و الأشواك وما شابه ذلك. و مقابر المدن وحدها تملك حارسا، و تراقب بشكل إداري، و لها بوابة رئيسية و محاطة بسور. أما أغلب المقابر الموجودة في الأرياف و القرى فهي متروكة للطبيعة، و "المقدم" الذي يقدم (بضم الياء) فيما تعلق الأمر بشؤون المقبرة و أحوالها، فهو الشخص الوحيد الذي يمكن في حال وجوده أن يعتني بالمقبرة و يرشد الزوار إلى قبور أهلهم، و خاصة أولئك الذين انقطعوا عن زيارتها مدة طويلة، أو يزورونها لأول مرة، فالمقدم يحافظ على الذاكرة و على المكان، فحضوره المستمر في المقبرة ومرافقته الدائمة لمراسيم الدفن تجعله يتعرف على أصحاب تلك القبور حتى و إن لم توجد الكتابات أو العلامات الدالة على هويتهم.

و إن تراجع دور المقدم، و غيابه عن كثير من المقابر يرجع إلى تحول المجتمع من مجتمع تغلب عليه الأمية إلى مجتمع فيه عدد كبير من المتعلمين. كما أن وجود المصحات و المستشفيات و الأطباء المختصين و العامين و نظام الضمان الاجتماعي و كثرة الصيدليات، أدى كل ذلك إلى انخفاض تردد الناس على "الولية"، حيث أن ذلك كان يعتبر فرصة لولوج عالم المقابر، و الدخول بالتالي إلى فضاء الغيبي و الروحي و الاتصال بالأموات و تذكرهم.

    إن الطقوس والمراسيم الجنائزية كثيرة جدا، و هي في الجزائر تختلف من منطقة إلى أخرى، و رغم ذلك فهناك ما يجمع بينها و يوحدها و يعطيها بالتالي سمة إسلامية، و نحن ما زلنا في مرحلة البحث الميداني الاستطلاعي، بحيث أن ما تطرقنا إليه في السابق، لا يعبر و لا يمثل نتائج، بقدر ما يمثل مشروع بحث حاولنا أن نحدد فيه أهم القضايا التي يجب على البحث الأنتروبولوجي أن يتطرق إليها و يوليها اهتماما. و قد استعنا في ذلك بالدراسات الأنتروبولوجية الغربية الغنية في هذا الميدان. و نحن نتساءل و نقول أنه إذا كان الأحياء أنفسهم لا يحضون في مجتمعاتنا بالنصيب الكافي من البحث الأنتروبولوجي و الاجتماعي، فمن الطبيعي جدا أن ينصرف المتخصصون عن دراسة حال الأموات. و إذا كان الأحياء أنفسهم يعيشون في ظروف بيئية سيئة، و في أماكن ضيقة و مكتظة، و أحيانا في الشارع نفسه، فكيف يمكن و الحالة هذه أن نعتني بمقابرنا، أو بمقابر غيرنا. و إذا انقطعت العلاقات الاجتماعية بين الأحياء أنفسهم و تميزت في الغالب بالعدوانية و العنف، فكيف يمكن للأحياء أن يتواصلوا مع الأموات؟ إن هذه الأسئلة و غيرها تؤكد صعوبة التطرق إلى دراسة الطقوس الجنائزية، التي تظل تحوي على رموز اجتماعية، و تظل بتعبير الأنتروبولوجي الفرنسي بيار بورديو تمثل رأس مال رمزي ما زال في مجتمعاتنا "مشفرا". و إن فهم هذه الرموز يشكل مدخلا رئيسيا لفهم المجتمع، ولفهم أنفسنا.

 

المراجع:

- A. Barrau - Humaniser la mort – Paris, 1993.

- A. Barrau – Socio-économie de la mort- Paris 1992.

- C. Lecouteux – Fantômes et revenants au moyen Age- Paris, 1986.

- F. Ottann  - Créer ou aménager un cimetière: géologie, techniques, hygiène- Paris, 1987.

- J. Assmann – Mort et au-delà dans l’Egypte ancienne- Paris 2001.

- J. Assmann – Mort et au-dela dans l’egypte anciènne- Paris, 2001.

- J. Baudrillard – L’échange symbolique et la mort - Paris, 1976.

- J. Brehant - Thanatos : le malade et le médecin devant la mort- Paris 1976.

- J. Ziegler – les vivants et les morts : essai de sociologie- Paris, 1976.

- J.-L. Bacqué – Grammont, A. Tibet éd – Cimetières et traditions funéraires dans le monde islamique, 2 vol- Ankara, 1996.

- L.-V. Thomas – La mort en question. Traces de mort, mort des traces- Paris, 1991.

- L.-V. Thomas – Rites de mort pour la paix des vivant- Paris, 1985.

- M. Péruchon dir., - Rites de vie, rites de mort : Les pratiques rituelles et leur pouvoir, une approche transculturelle- Paris, 1997.

M. Renaerts - La mort. Rites et valeurs dans l’Islam maghrébin - Bruxelles, 1986.

- M.-Fr. Bacqué – Apprivoiser la mort : psychologie du deuil et de la perte- paris, 1998.

- P. Baudry – La place des morts, Enjeux et rites- Paris, 1976.

- P. Baudry,  H.-P. Jeudy- Le deuil impossible : fenêtre sur la mort- Paris, 1994.

- Pascale Philifert- Les cimetières au miroir de la tradition- http://fig-st-die.education.fr/actes_2002/philifert/article.htm, 10-03-2007.

- Pascale Philifert- Les cimetières au miroir de la tradition- http://fig-st-die.education.fr/actes_2002/philifert/article.htm, 10-03-2007.

- Pascale Philifert- Les cimetières au miroir de la tradition- http://fig-st-die.education.fr/actes_2002/philifert/article.htm, 10-03-2007.

- Rite funéraire. (2008, avril 21). Wikipédia, l'encyclopédie libre. Page consultée le 07:52, avril 22, 2008 à partir de http://fr.wikipedia.org/w/index.php?title=Rite_fun%C3%A9raire&oldid=28845130.

- Y. Droz dir., - La violence et les morts. Eclairage anthropologique sur la mort et les rites funéraires- Genève, Paris, 2003.

 

               


 

[1] J. Brehant - Thanatos : le malade et le médecin devant la mort- Paris 1976.

[2] J. Assmann – Mort et au-dela dans l’egypte anciènne- Paris, 2001.

[3] Bibliographie générale établie par : Antoine Destemberg, Benjamin Moulet, Aurélie Damet, Elvice Gagneur, Anna Makarova-  edoc-histoire.univ-paris1.fr/rencontres2005-6/Bibliographie%20g%E9n%E9rale%20-%20Mort.pdf. p11, 12.

[4] Pascale Philifert- Les cimetières au miroir de la tradition- http://fig-st-die.education.fr/actes_2002/philifert/article.htm, 10-03-2007. p 1

[5] J. Baudrillard – L’échange symbolique et la mort - Paris, 1976.

[6] M. Péruchon dir., - Rites de vie, rites de mort : Les pratiques rituelles et leur pouvoir, une approche transculturelle- Paris, 1997.

[7] A. Barrau - Humaniser la mort – Paris, 1993.

[8]  صحيح البخاري- المجلد الأول، الجزء الثاني- شركة الشهاب (الجزائر) موفم 1990. "باب الكفن من جميع المال" أي أن أجر القبر والغسل هو من الكفن. ص 78.

[9] Pascale Philifert- Les cimetières au miroir de la tradition- http://fig-st-die.education.fr/actes_2002/philifert/article.htm, 10-03-2007. p 7.

 

[10] Y. Droz dir., - La violence et les morts. Eclairage anthropologique sur la mort et les rites funéraires- Genève, Paris, 2003.

[11] صحيح البخاري- المجلد الأول، الجزء الثاني- شركة الشهاب (الجزائر) موفم 1990. "باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه". ص 70.

[12]  صحيح البخاري- المجلد الأول، الجزء الثاني- شركة الشهاب (الجزائر) موفم 1990. "باب حمل الرجال الجنازة دون النساء" ص 87.

[13] L.-V. Thomas – Rites de mort pour la paix des vivant- Paris, 1985.

 [14]  صحيح البخاري- المجلد الأول، الجزء الثاني- شركة الشهاب (الجزائر) موفم 1990. "باب الصبر عند الصدمة الأولى" ص 84.

[15] M.-Fr. Bacqué – Apprivoiser la mort : psychologie du deuil et de la perte- paris, 1998.

[16] P. Baudry – La place des morts, Enjeux et rites- Paris, 1976.

[17] M. Renaerts - La mort. Rites et valeurs dans l’Islam maghrébin - Bruxelles, 1986.

[18] A. Barrau – Socio-économie de la mort- Paris 1992.

[19] P. Baudry,  H.-P. Jeudy- Le deuil impossible : fenêtre sur la mort- Paris, 1994.

[20] Rite funéraire. (2008, avril 21). Wikipédia, l'encyclopédie libre. Page consultée le 07:52, avril 22, 2008 à partir de http://fr.wikipedia.org/w/index.php?title=Rite_fun%C3%A9raire&oldid=28845130.

 

[21]  صحيح البخاري- المجلد الأول، الجزء الثاني- شركة الشهاب (الجزائر) موفم 1990. "باب السرعة بالجنازة ". ص 87.

[22] F. Ottann  - Créer ou aménager un cimetière: géologie, techniques, hygiène- Paris, 1987.

[23]  Ibid.

 

[24] J.-L. Bacqué – Grammont, A. Tibet éd – Cimetières et traditions funéraires dans le monde islamique, 2 vol- Ankara, 1996.

[25] J. Ziegler – les vivants et les morts : essai de sociologie- Paris, 1976.

[26] Par Amazigh pour la –Kabylie. com

[27] Ibid.

[28] Des tombes profanées pour des besoins de sorcellerie- Le Jeune indépendant (29/05/2004)-

[29] Pascale Philifert- Les cimetières au miroir de la tradition- http://fig-st-die.education.fr/actes_2002/philifert/article.htm, 10-03-2007. p 3, 5.

 

[30] C. Lecouteux – Fantômes et revenants au moyen Age- Paris, 1986.

[31]  المقبرة غائبة عن مداولات البرلمانيين، و مداولات المجالس الحكومية و الوزارية، و مجالس المنتخبين المحليين.

[32]  صحيح البخاري- المجلد الأول، الجزء الثاني- شركة الشهاب (الجزائر) موفم 1990. "باب الجريد على القبر" ص 98.

[33] L.-V. Thomas – La mort en question. Traces de mort, mort des traces- Paris, 1991.

[34] J. Assmann – Mort et au-delà dans l’Egypte ancienne- Paris 2001.

[35]  صحيح البخاري- المجلد الأول، الجزء الثاني- شركة الشهاب (الجزائر) موفم 1990. " باب الأذخر والحشيش في القبر" ص 94، 95.

 مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السادسة: العدد 40: شتاء 2009  - 6th Year: Issue 40 Winter